فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      عودة سريعة إلى موضوع حرورية تنظيم الدولة

      من المهم اليوم، وقد تردد اسم تنظيم الحرورية "المعروف بداعش" في عدة مناسبات، ترددت بين أوهام في سيناء، وجرائم في أفغانستان، وادعاءات في روسيا وغيرها، أن نذكّر بما قررنا من قبل، في عدد كبير من المقالات والأبحاث، خاصة في عامي 2014 و2015، إبان قمة ظهور تلك الطائفة البدعية في أيام الثورة السورية، وما نكبت به مسيرة الثورة، التي انتكبت بعوامل غير ذلك، كانت سببا في انحسارها وتجمدها التام.

      وقد أخطأ في تقييم تلك الطائفة خلقٌ غير كثير، منهم من هم من أصحاب السياسة غير المتمرسين بالعلم الشرعي، ومنهم من هم من الدعاة الخطباء المؤهلين للخطابة أكثر منهم تأهيلاً بالعلم الشرعي، ومنهم من مدّعي العلم المتسورين عليه، طلبا لشهرة وقتها، والنادر من أصحاب العلم والفضل، لكن الخطأ مكتوب على البشر.

      وقد كتبت وقتها قاعدة أسميتها "القاعدة الذهبية"[1] في تقييم موقف أهل السنة من الفئات المعتدية عليهم، قلت فيها:

      • من قاتل وقتل أهل السنة دون تكفيرهم بحق، فهو باغ أو كافر.
      • ومن كفر أهل السنة دون حق، ولم يقتالهم ويقتلهم، فهو مبتدع.
      • ومن كفر أهل السنة دون حق وقاتلهم وقتلهم ردة، فهو الحروري.

      وهي قاعدة تشهد لها كافة أقوال الفقه ومنصوصات السلف.

      وبحسب هذا النظر السنيّ المحض، نرى أن الطائفة التي أسمت نفسها بالدولة الإسلامية، هي طائفة حرورية خارجية، بلا ريب في ذلك، إلا عند نادر من المعتبرين.

      وأضرب مثالا واحدا هنا وهو الفرق بين موقفها من جماعة القا*&عدة وبين موقف جماعة القا*& عدة منها.

      فالأولى كفرت الثانية واستحلت دماء أبنائها ومنتميها وقيادتها. بينما الثانية، في غالب أقوال منتميها ومتعاطفيها، لم يكفروا داعشاً، ولم يستحلوا دماءهم، إلا حين الاعتداء عليهم فساعتها يكون الإجماع على ردّ صائلهم.

      ثم إن أخذنا برأي الغالبية العظمى من المعتبرين، فإن الفقهاء وأهل الحديث من السلف قد افترقوا على قولين، شهد لكل منهما أدلة وبراهين، أولهما عدم كفر الطائفة، بل وقوعها في البدعة المغلظة، والقول الآخر، وهو ما أناصره، هو كفر طائفة الخوارج. وكلا الرأيين منصور بأقوال كبار من العلماء والفقهاء. فهو واقع في محل الخلاف الفقهي المعتبر.

      الأمر هنا هو عدم التفرقة بين حكم الطائفة، وحكم منتميها، وهو فيما أحسب، سبب الخلط عند غالب العامة، وكثير من غير العامة، في تقييم بعض الطوائف والجماعات، سواء الكفرية أو البدعية.

      فإن الطائفة قد تكون طائفة كفر، لِما تتبنى من رأي أو توجه، وبما تتصرف على حسب ذاك التوجه والتصرف، لكن لا يعني هذا أن كافة أعيانها كفاراً بالضرورة! بل قد يكون فيهم من هو متبع لهم دون علم إما بحقيقة ما هم عليه، أو بحكم ما هم عليه. لكن هذا الجهل لا يرفع عنهم، في حال العموم، حكم الانتماء للطائفة، إن صارت مواجهة في ساحة قتال. أما غير ذلك، فإنه، ما أمكن وكان عملياً في التطبيق، التروي في الحكم على أعيانهم حتى معرفة حقيقة علمهم واعتقادهم.

      وهذا الأمر عام في كافة الطوائف البدعية أو الكفرية. حكم الطائفة أمر، وحكم الأعيان في حال القتال، لو وقع، أمر آخر، وحكم الأعيان خارج القتال أمر ثالث.

      وأصل هذا هو حديث عائشة رضي الله عنها "قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»؛ متفق عليه، واللفظ للبخاري.

      فالمتبع للطائفة، يعامل بحكمهما ظاهراً، ولا على أحدٍ أن يتتبع كل أعيانها واحدا واحدا ليحكم عليهم فرادى، حين وقوع المحنة أو الحرب. ولو كان، لكن الله سبحانه أولى أن يجنب من هم متبعين لهم، لكن من غيرهم، البلاء.

      فتلك الطائفة، على أحسن أحوالها، هي طائفة بدعة ظاهرة مغلظة، لا يحل نصرتها بكلام ولا تأييد ولا غيره، تحت أي دعوى من الدعاوى الباطلة التي قد يعرضها البعض، ثم يخالف إليها في تقييمه لجماعات أخرى كالإخوان أو حماس، أو غيرهم من جماعات البدعة، بل والروافض الكفرة.

      وإن الناظر ليميز منتميها العوام بظواهر معينة ثابتة عند جميع من هم على مذهبها من الضلال، مثل كراهة الشيخ الحكيم الظواهري بشكل غريب، من حيث هو من كان أميرا وقت ظهور الهالك البغدادي، فكان واجبا الخروج عليه، ومحاولة تشويه صورته في عقول معيزهم وجهالهم، ليصفوا للهالك البغدادي ادعاء "الخلافة". ومنها، في المقابل، تمجيد بعض الرويبضات ممن نصر بدعتهم الضالة المنحرفة مثل السوداني الجازولي أو الطرهوني المصري.

      وقد رأيت اليوم من يناصر تلك الفرقة، على أصل ضلالها، بدعوى أنهم يحاربون الروافض، وهم يحاربون أهل السنة أكثر من الروافض! ومحاربة الرافضة ليست هي معيار الهداية في ديننا، والخصومة السياسية ليس معيار انتمائنا ونصرتنا لأحد! بل المشاركة العقدية هي أصل الولاء والبراء. ومثل هذا الخطأ القاتل في مسألة الولاء،هو ما خرَّب عمل الكثير من أصحاب النوايا الطيبة، وانحرف بآرائهم، إلى جانب الجهل الأصيل بالعلم الشرعي.

      استقيموا في تقييمكم يرحمكم الله.

      29 رمضان 1445 – 8 أبريل 2024

      [1]  https://tariq-abdelhaleem.net/ar/post/72873 @ https://tariq-abdelhaleem.net/ar/post/72756