فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      خيار المقاومة: الحلّ، والحلّ البديل

      أنّ أمر المصالحة بين السلطة الفلسطينية العباسية التي تدير شؤون منظمة فتح، وبين قيادة حماس وحكومتها هو أمر أعسر مما يتخيله الكثير من الطيبين والبسطاء، إذ هو، في نهاية الأمر، محاولة للجمع بين الإسلام والعلمانية، بين طاعة الله سبحانه وبين طاعة النظام العالميّ الصهيونيّ الصليبيّ. وهذا بالضبط ما أثبتته الأحداث في الأسابيع الأخيرة من انهيار محادثات "المصالحة" رغم محاولة التمسك بظاهرها.

      إن خيار المقاومة، في ظل النظام العالميّ الصهيوني الصليبيّ، أيَّاً كانت، وعلى أيّ درجة وُجدت، يعتبر أمراً مرفوضاً شكلا وموضوعاً، أصلاً وفرعاً، من الكتلة العباسية الدحلانية التي أعلنتها مرات ومرات، بل وجعلتها شرطاً في دوامة "المصالحة" مع حماس، أن تقبل الأخيرة بالتزامات السلطة واستسلاماتها مع الدولة الصهيونية ومن ورائها الدول الصليبية. والعجيب أنّ الحكومة اليهودية الجديدة قد رفضت يشكل قاطع مقررات مؤتمر أنا بوليس بما فيها حلّ الدولتين، ضاربة عرض الحائط بما أعلنته الولايات المتحدة من مناصرة هذا الحلّ، وهذه الأخيرة ما ناصرت هذا الحلّ إلا حفظاّ لماء وجهها الذي أسالته إسرائيل بهذا الموقف الصلب.

      وقد ذكرنا في مقال سابق صدر لنا منذ عدة شهور، تحت عنوان "التهدئة والمفاوضة والمصالحة" أنّ أمر المصالحة بين السلطة الفلسطينية العباسية التي تدير شؤون منظمة فتح، وبين قيادة حماس وحكومتها هو أمر أعسر مما يتخيله الكثير من الطيبين والبسطاء، إذ هو، في نهاية الأمر، محاولة للجمع بين الإسلام والعلمانية، بين طاعة الله سبحانه وبين طاعة النظام العالميّ الصهيونيّ الصليبيّ. وهذا بالضبط ما أثبتته الأحداث في الأسابيع الأخيرة من انهيار محادثات "المصالحة" رغم محاولة التمسك بظاهرها.

      فحرص السلطة العباسية الدحلانية على هذه الالتزامات إذن لم يعد مُبرَرَاً بالأمر الواقع، أو بالحلّ الأوسط، إذ هو بالفعل مرفوض ابتداءً من أحد طرفيّ النزاع، بل من الطرف الأقوى في النزاع، فما هي مبررات هذا الإصرار على استمرار التمسك به إذن، تمسكاً يحول بين توحد الجبهات الفلسطينية في هذا النزاع؟

      الأمر أنّ خيار المقاومة بالنسبة لهؤلاء يعني فقد مئات الملايين من الدولارات التي تضخ في حسابات السلطة على أنها معونة للفلسطينيين، ثم تتحول أغلبية هذه الأموال إلى حسابات استثمارية لا يعلن دخائلها ولا يقوم على مفاتحها إلا سدنة السلطة.

      ومن ثم أنْ يتبدل مستوى معيشة هؤلاء السدنة وعائلاتهم إلى قريب من مستوى العوام من الفلسطينيين، وهو أمر لم ولن يقبله حاكم من حكام العرب عامةـ فإن أمر الحكم هو أمر سلطة ونفوذ يترجم إلى مال ونقود.

      ثم أن يفقد هؤلاء السدنة أولياءهم في الغرب، وهو ما يجعلهم عرضة للغضبة الشعبية دون حماية، ولا يزال المرء يضرب كفاًً بكفٍ من تلك الأخبار عن عزم الغرب تقديم المساعدات المالية والتقنية والتدريبية لقوات أمن السلطة! لا للفلسطينيين من أتباع السلطة، بل فقط لقوات أمن السلطة! هكذا دون حياء من العاطي أو من المُعطيَ.

      كذلك أن تظل الدولة الصهيونية تعيش في قلق مما يمكن أن تتطور إليه الأحداث إن تُرك خيار المقاومة مفتوحاً. وهو ما لا تقبله هذه الدولة وحلفاؤها، بل هو السبب الذي تحرص بسببه على حياة ورخاء السلطة العباسية الدحلانية.

      ولا يحسبن أحد أننا لا نحسب للأمر الواقع حساباً، أو أننا نخرجه من حساباتنا بالكلية، فإنه لا يفعل ذلك إلا أحمق لا يعرف شرعاً ولا عقلاً. كذلك فإننا لا نخرج احتمالات هدنة مؤقتة مع العدو من أشكال الخيارات التكتيكية المطروحة، فإن ذلك أمر مقبول شرعاً بلا خلاف.

      لكن ما هو غير مقبول أن يُرفع خيار المقاومة كلية من طاولة الحلول المطروحة، كما يطلب العدو اليهوديّ، والسلطة العباسية الدحلانية، وما يسعى إليه ويدعمه النظام المصريّ علانية، وكافة الأنظمة العربية من وراء ستار!

      ولكن الأمر أن الدولة الصهيونية لا تقبل حتى هذه الانبطاحية التامة كما أعلنت بوضوح. إذن فإن ما يريد أن يعرفه المواطن الفلسطينيّ أو العربيّ هو ببساطة: ما الذي تريده السلطة إذن، وما الذي تخطط له مع العدو الصهيونيّ؟ ليس هناك - مع الموقف اليهوديّ – إلا احتمال أن يتحول الفلسطينيون إلى نوع من أنواع العبيد على أرضهم، دون أي حق للمواطنة بأي شكل، وهو في التحليل النهائيّ إعادة لعصر العبيد بشكل واضح صريح. ذلك هو الحلّ في شكله النهائيّ بالنسبة للصهيونية والغرب. وهو ما يرفضه عباس علناّ وإن لم يقدم حلا بديلاً يأخذ في الاعتبار رفض الصهاينة لكل القرارات الدولية وتصورهم لحل الاستعباد الفلسطيني كحل مآليّ. ولعل الحلّ الذي يسعى عباس لتمريره هو "بقاء الحال على ما هو عليه"، إذ إن في ذلك تحقيق للمصالح الشخصية الآنية، وفيه ترحيل للمسألة برمتها حتى حين، وكما يقال "وربنا يحيينا!"

      الحلّ البديل فيما نرى، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع المرير الذي وصل فيه التغلغل والاختراق الغربيّ لحكوماتنا ومؤسساتنا، بل أقول وضمائر الكثير ممن هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا ، أبلغ مداه، ومن ثم اعتبار أبعاد الممكن والمستحيل، وما هو من قبيل الحلم وما هو من قبيل العلم.

      والحلم هنا هو أن يستمر الأمر على ما هو عليه، والمستحيل أن يلقي الفلسطينيون بأوراقهم ويعلنون الاستسلام التام. كذلك فإنه من الحلم أن نعوّل على إمكانية التغيير المفاجئ في ميزان القوى العالمية، ولعل أوباما هو أوضح دليل على استحالة هذا الأمر.

      ولكن التعامل مع هذا الواقع يجب أن يكون دون مبالغة أو انبطاحية، فإنه من الواقع كذلك أنه "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون"صدق الله العظيم، وهذا هو عين الواقع الذي يجب أن لا يغيب عن ذهن العامة والخاصة. وعدم اعتبار هذا البعد يسلب الفلسطينيين من ميزة هائلة وهي القدرة على الصبر والمصابرة من ناحية، وأن يكونوا على وعيّ شامل بموقف الأعداء من جهة أخرى.

      الحلّ البديل يجب أن يكون ثلاثيّ الأبعاد، فبعد شعبيّ يشرح الصورة الحقيقية لما ينطوي عليه الاستسلام التام الذي تعرضه العباسية الدحلانية، رغم رفض اليهود له، حتى يفيق أتباع فتح على ما يراد بهم، سواء منهم المسلم أو العلمانيّ على حد سواء، فالهوية العربية تجمعهم وإن أبوا.

      وبعد سياسيّ يجند السياسة لخدمة القضية من شرحٍ لما يعنيه سقوط فلسطين واستعباد أهلها وهو التحول إلى بقية الشعوب المحيطة لقيادتها إلى ذات المصير، وانعكاس ذلك على الحكومات الحالية التي ستفقد سطوتها، بل وحياتها، مهما قدمت من تنازلات، وما مقتل ياسر عرفات ببعيد! وبعد روحيّ يتمثل في غرس مبادئ التوحيد ومعالم الولاء والبراء بين الناس ليسهل عليهم فهم الدوافع التي من وراء الكثير من القرارات المسيئة للعقيدة الإسلامية، من دون العلم بهذه المعالم والمبادئ، قد تبدو غير مفهومة أو مسؤولة.

      "والله من ورائهم محيط".

      نقلاً عن موقع "قاوم"