فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      مقاربةٌ في الفيزياء الكمية والفكر الإسلامي – مفهوم الزمن - 1


      Image
      قبل بضعة عقود، وأنا منهمكٌ في قراءاتٍ مستقلة في نظرية الفيزياء الكمية، أربطها بما سبق لي الاطلاع عليه من نظريتَي النسبية العامة والخاصة لآينشتاين — تلك النظريتان اللتان طالما أخذتا بفكري في مفهوم الزمان والمكان، وبالكيفية التي تنحني بها أبعاد الزمان والمكان تحت تأثير قوة الجاذبية — توصلتُ إلى عبارة رأيتُ فيها، بناءً على فهمي المتواضع، تعريفًا مكثَّفًا للزمن؛ تلك العبارة هي: "الزمنُ هو إزاحةُ مكانية".

      وفي وقتٍ قريب، عرضتُ هذه الفكرة على أحد المتخصصين ذوي المعرفة العميقة في الفيزياء، فأبدى إعجابًا بالغًا بما تنطوي عليه من شمولية، وكان مما قاله:

      "هذه بصيرةٌ نافذة حقًا. فأنتَ في جوهر قولك تُقرِّر أن الزمن لا يكتسب معناه إلا بحركة الأشياء، وأنه بانعدام التغيير المكاني يغدو مفهوم الزمن فارغًا من كل محتوى. وهذا يتصادى مع ما ذهب إليه فلاسفة الفيزياء من أن الزمن علائقيٌّ بطبيعته، لا كيانٌ قائمٌ بذاته، بل هو سجلُ التغيُّر في تكوين المادة وتحولاتها. وهو المذهب ذاته الذي نادى به الفيلسوف ليبنتز في القرن السابع عشر، في مواجهته الفكرية الشهيرة مع نيوتن".

      ولن أُخفي أن هذا القول قد أسعدني وأثلج صدري!
      ---------------
      الزمن في الفيزياء الكلاسيكية والكمية

      يُعدّ الزمن من أكثر المفاهيم إشكاليةً وتعقيدًا في ميكانيكا الكم. فعلى خلاف الموضع والدفعية والطاقة، وهي كلها مؤثِّراتٌ تخضع للقياس وتُنتج توزيعات احتمالية، يُعامَل الزمن في ميكانيكا الكم بوصفه معاملًا خلفيًا خارجيًا، لا كميةً قابلةً للقياس بالمعنى الدقيق. إنه أشبه بالمسرح الذي تجري عليه أحداث الدراما الكمية، لا بأحد ممثليها.

      وقد ظل هذا التوتر العميق قائمًا دون حسم. فالزمن في نسبية آينشتاين جزءٌ لا يتجزأ من مركب "الزمكان" ذلك النسيج الموحَّد الذي يتمدد الزمن فيه أو يتقلص بحسب شدة الجاذبية ودرجة السرعة. في حين يُعامَل الزمن في ميكانيكا الكم كأنه ثابتٌ مطلق، في تناقضٍ صريح مع مقتضيات النسبية. ولا يزال التوفيق بين النظريتين من أعسر المسائل وأكثرها إلحاحًا في عالم الفيزياء المعاصرة.

      وإن أردنا أن نستعرض مسيرة مفهوم الزمن عبر التاريخ العلمي، وجدنا أن نيوتن تصوَّر الزمن مطلقًا كونيًا، ساعةً أزلية تدق بإيقاعٍ واحدٍ ثابت في كل بقاع الكون، بمعزل عن كل ما يجري فيه من أحداث. فالزمن عنده وعاءٌ، والكون مجرد محتوى. وكان يرى أنه حتى لو خلا الوجود من كل شيء، فإن الزمن سيواصل دقاته في صمت.

      غير أن أينشتاين جاء ليقلب هذا التصور رأسًا على عقب، فأثبت أن الزمان والمكان ليسا حقيقتين منفصلتين، بل هما منسوجان في نسيجٍ واحد متكامل. وترتَّب على ذلك جملةٌ من النتائج الثورية:
      يتباطأ الزمن في محيط الأجسام الضخمة (تمدد الزمن الجاذبي)
      يتباطأ الزمن للأجسام المتحركة بسرعاتٍ عالية، ولا وجود للحظة "الآن" المشتركة بين جميع المراقبين، إذ إن التزامن نسبيٌّ يعتمد على حال المراقب.

      فالزمن عند آينشتاين مرتبطٌ ارتباطًا هندسيًا بالموقع والحركة. وستُظهر ساعتان موضوعتان في موقعين مختلفين داخل حقلٍ جاذبي إيقاعين مختلفين، فالزمن ليس كونيًا موحدًا، بل هو رهينُ مكانك وكيفية حركتك.

      مشكلتا القياس والتشابك الكمي Measurement and Entanglement Conundrums

      تُخبرنا مشكلة "القياس"، أي قياس حركة المركبات النووية الأدق مثل الإلكترون والنيوترينو، وهي مشكلة عميقة في الفيزياء، بأن الواقع على المستوى الكمي يظل غير محدد المعالم ما لم يُلاحَظ، وأن العلاقة بين العالم الكمي وعالم التجربة الحسية لا تزال تنطوي على إشكالاتٍ عميقة لم تُحسم بعد.

      أما التشابك الكمي فيكشف لنا أن الجسيمات المتباعدة يمكن أن تنتمي إلى منظومةٍ واحدة، مثل تجربة الانقسام الإلكتروني Split theory، وأن الكون في بنيته الأعمق مترابطٌ ترابطًا غير محلي يتخطى الحواجز المكانية.

      وكلا الظاهرتين يُوحيان بحقيقةٍ تصارع الفيزياء لصياغتها لكنها لا تملك تجاهلها: أن الكون ليس مجموعةً من القطع المستقلة التي تتفاعل محليًا، بل إن بنيته الجوهرية شاملة، موحَّدة، وغير محلية.

      ولنتذكر ما أسلفناه عن توحيد القوى، كيف أن التعددية في كل مستوى أعمق وتذوب في وحدةٍ أشمل. والتشابك يأخذ هذا الأمر إلى أبعد مما كنا نظن، إذ ليس الأمر فحسب أن القوانين الحاكمة موحَّدة، بل إن حالات الجسيمات ذاتها — عبر أي مسافةٍ كانت — يمكن أن تكون موحَّدة، جزءًا من كلٍّ كمي واحدٍ لا يتجزأ.

      ولنتذكر كذلك حديث الدهرالذي رواه البخاري "عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:

      "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"

      فأن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في تقليب الأزمان، وهو وراء كل سببيةٍ ظاهرة في هذا الكون. والتشابك يُظهر أن السببية ذاتها على المستوى الكمي ليست تلك السلسلة المحلية البسيطة التي تصورها نيوتن، حيث سببٌ يُنتج أثرًا في تتابعٍ خطي منضبط، بل إن الكون مترابطٌ بصلاتٍ خفية تعمل خارج الإطار المعتاد للزمان والمكان.

      وعبارتي التي طرحتها "الزمنُ إزاحةُ مكانية" تجد هنا صدىً آخر؛ ففي المنظومة المتشابكة يتشارك الجسيمان حالةً كميةً لا تقطن في موقعٍ بعينه، بل هي غير محلية، تتخطى الإطار المكاني ذاته. وعند حدود الفيزياء، نصل دائمًا إلى الحاجز ذاته: إطار الزمان والمكان والمحلية الذي نستخدمه لوصف العالم ينهار في نهاية المطاف، وما وراء ذلك الحاجز لا تستطيع الفيزياء أن تُفصح عنه، وإن كانت تواصل الإشارة إليه.

      معادلة ويلر - ديويت والكون الخارج من الزمن

      تنطلق معادلة ويلر - ديويت من معادلة شرودنغر التي تُعبِّر عن أن طاقة الكم تساوي حاصل ضرب تردد اهتزازه في ثابت بلانك (E = hf)، غير أنها تتجاوزها لتبني وصفًا كميًا لا لجسيمٍ أو حقلٍ بعينه، بل للكون بأسره. والنتيجة المذهلة أن هذه المعادلة لا تحوي أي معاملٍ زمني على الإطلاق.

      ويترتب على ذلك أن الدالة الموجية الكونية لا تتطور ولا تتغير. إنها ساكنة جامدة. والكون، حين يوصَف على أعمق مستوياته، يبدو كيانًا خارج الزمن بالكلية.

      وهنا يطفو على السطح سؤالٌ محوري: إن كان الكون في جوهره خارج الزمن، فكيف نعاني نحن تدفقًا زمنيًا حقيقيًا؟

      تُجيب آلية بيج - ووترز على هذا السؤال بأن الزمن لا ينبثق إلا من الترابطات القائمة بين المنظومات الفرعية داخل الكون. فجزءٌ منه يعمل كساعةٍ بالنسبة لجزءٍ آخر، وما نسميه زمنًا ليس في حقيقته سوى تغيُّرٍ علائقي بين مواقع المادة وتكويناتها وأحوالها. والزمن ليس بنيةً أساسية في نسيج الوجود، بل هو ظاهرةٌ ناشئة عن التفاعل الداخلي بين أجزاء الكون.

      وللإيضاح، تخيَّل صورةً فوتوغرافية لنهر. الصورة جامدة ساكنة. لا وجود للزمن فيها البتة. ثم تخيَّل صورةً ثانية، التُقطت بعد لحظة. الماء قد تحرك من مكانه.

      الزمن هو الفارق بين الصورتين. إنه إزاحة الماء من موقعه إلى موقعٍ آخر. وبانعدام تلك الإزاحة ينعدم الزمن. فالزمن ليس الفراغ الفاصل بين اللحظتين، بل الزمنُ هو الإزاحة ذاتها.

      وهذا بالضبط ما أشارت إليه عبارتي الحدسية: إن لم تكن ثمة إزاحة فلا زمن. والزمن ليس سوى الاسم الذي نُطلقه على حقيقة أن الأشياء قد انتقلت.

      سأمضي في هذا البحث إن شاء الله لأُبيِّن كيف ترتبط هذه المسائل بنظرية "الانفجار العظيم"، ولأناقش إسهام ستيفن هوكينز في "مقترح هارتل - هوكينج" الذي يقترح أن الكون لا بداية زمنية له، وكيف وُظِّف هذا المقترح في خدمة الأيديولوجية الإلحادية. ثم سأُظهر كيف تناول القرآن الكريم وكبار علماء المسلمين، كابن تيمية وابن القيم، هذه المفاهيم الكونية العميقة بمنهجيةٍ أرسخ وأوضح، وببيانٍ أبلغ وأيسر.

      والله ولي التوفيق
      د. طارق عبد الحليم
      27 رمضان 1447

      ملاحظة: كَتبتُ المقال باللغة الإنجليزية أصلا، ثم، للأمانة، قمت بترجمته للعربية باستخدام الذكاء الصناعي ، مع التعديل في الأسلوب والتدقيق في المعاني!