بغض النظر عن موضوع "الإعجاز العلمي في القرآن"، وهو ما قد خرج عن نطاقه الصحيح في كتابات العديد من المغرمين به! فإن البحث والاطلاع في مجال علوم الفيزياء الكمية Quantum Physics، يمثل تحدياً للعقل البشري، واختباراً للإيمان. ولكنك واجدٌ فيه قدراً هائلاً من دلائل الاعجاز الإلهي، في بناء الكون خاصة، لمن أحسن الفقه عن كتاب الله تعالى، والذي أعتبره (وهو كلام الله سبحانه) المترجم الوحيد للعلاقة بين الكون المادي المرئي والعقل البشري الواعِي. وسأضرب مثالاً واحداً هنا، ولعلي أرجع لهذا الأمر في تعليق آخر إن شاء الله تعالى.
يتحدث علماء الفيزياء الحديثة، بأن كمية المادة التي تكوّن كافة المجرات في الكون لا تشكل إلا 5% من الكمية التي "تطابق الحساب الكمي المفترض" حسب النموذج النظري لمادة الكون تبعا لاستقصاء كافة الظواهر والمشاهدات الثابتة. وهناك 10% من الطاقة المكونة للمادة المحسوبة Dark Energy. وهو ما يعني أن 85% من "الكمّ الماديّ المفترض الوجود في الكون" هو ما أسموه "المادة المظلمة/السوداء "Dark Matter" . والسبب في تسميتها بهذا الإسم هو أن الضوء ينفذ خلالها ولا ينعكس عليها، ولهذا لا يمكن رؤيتها، فهي سوداء مظلمة غير مرئية بالنسبة لنا!
وإثباتات هذا التقرير من ورائها عمليات رياضية طويلة، ونظريات(1) معقدة للغاية. لكنها لا تعدو، في النهاية عن هذه النتيجة. وقد ثبتت من خلال براهين عديدة لا مجال للشك فيها (انظر تعليق (1)).
وقد ثبت أن هذه المادة السوداء، موجودة في كل مكان، وتتمتع بجاذبية هائلة، وقوى كهرومغناطيسية، وتتكون من بعض البلوكات الأساسية في تركيب المادة الكونية، كالنيوترونات. وقوى الجاذبية فيها هي ما تحفظ تماسك المجرات داخل مساراتها، وتحفظ مادة الكون المجراتي التي هي 5% من المادة الكلية، كما نوهنا، متماسكة، تجذبها، بل تطويها طياً، لتظل محتفظة بهيكلها!
ثم بعد هذا التطواف، انظر إلى قول الله تعالى الذي خلق وسخر مثل هذه المادة، حتى يبقى الكون على تماسكه فلا ينهار ويتطاير، أو يتبعثر وينفلت!
انظر إلى قوله سبحانه: "وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ" الحج
"هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" لقمان
هدى الله العقل البشري لأن يصل لاستكشاف مثل تلك الدقائق الخفية عن أعين الناس، وقال تعالى:
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ"
انظر في السموات والأرض، وفي الظلمات والنور .. ثم الذين كفروا بربهم يعدلون!
ويسوون غيره به سبحانه وتعالى عما يصفون! والله يقص الحق وهو خير الفاصلين
طارق عبد الحليم
هامش
(1) لتعبير "نظرية" في علم الفيزياء معنى يُخالف معناها في قواميس اللغة. فالنظرية في اللسان هي ما لم يثبت بعدُ بالدليل والبرهان، وإن وافق بعض المعطيات. أما في الفيزياء، فكثيراً ما يُطلق تعبير النظرية Theory على هيكلية بحثية ثبتت بالدليل والبرهان. فمثلاً نظرية النسبية، هي واقع ثابت لا يمكن إنكاره لثبوتها بمئات بل آلاف الأدلة.