فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      جيل Z وما بعد الحداثة: تحذير وتوجيه

      ???? من المقرر عند جمهرة الباحثين المسلمين، من أصحاب التوحيد، أن الحرب التي يخوضها المسلمون اليوم ليست مجرد عدوان عسكري هنا وهناك. وليست كذلك هجوما شرسا على مصادر ثرواتهم الطبيعية، واستغلالها، بينما هم يرزحون تحت خط الفقر، بمالأة الحكام الطواغيت.

      ✍️ لكنها، وهو الأهم والأعمق أثراً والأشد فتكاً، هي المواجهة الفكرية، التي تسيطر على البيئة الثقافية الاجتماعية، ومن ثم الموروث الحضاري والخُلُقي والعرفي لبيئتنا العربية المسلمة، والإسلامية بشكل أعم!

      ???? وهذه الهجمة، حتى نكون منصفين في أحكامنا، ليست موجهة للمسلمين، بشكل خاص، وإن كان تاثيرها على المسلمين هو الأهم والأخطر، من حيث أن بقية الثقافات، والأديان، لا تعدو سخافات لا ترقى لمستوً عقلي حضاري، يناسب معطيات العلم الحديث، الذي طوَّره الغرب من رَحم الحضارة الإسلامية العريقة.

      ✍️ ظهرت حركة الحداثة Modernization في أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر فيما أسموه بعصر التنوير، محدثةً تحولاً جوهرياً في المجتمع الغربي، ثم انتشرت عالمياً في نهاية المطاف. وكان الادعاء بأنه يمكن حل المشكلات المجتمعية وتحسين الحالة البشرية، باستخدام العقل البشري والبحث العلمي والتقدم التكنولوجي، بديلا عن الدين والتقاليد والأعراف!

      ???? نادت الحداثة بالعقلانية بدلاً من التقليد، والتجريبية بدلاً من الخرافة، والمبادئ الكونية بدلاً من العادات المحلية. وعجّلت الثورة الصناعية هذا التحول، حيث أعادت الميكنة والتحضر وصعود الرأسمالية تشكيل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية.

      ???? وقد تميزت الحداثة بالإيمان بالسرديات الكبرى—النظريات الشاملة التي تفسر التاريخ والتقدم والطبيعة البشرية—سواء من خلال الماركسية أو الليبرالية أو الوضعية العلمية (الإلحادية المبنية على معطيات العلم، مقابل الوضعية المنطقيةهي الإلحادية المبنية على الفلسفة، ورائدها في العالم العربي الهالك د زكي نجيب محمود) .

      ???? وقد شهد هذا العصر تقدماً هائلاً في الطب والتكنولوجيا ومراسم مكتوبة، لا تطبيقية في حقوق الإنسان،

      ???? إلا أنه لما كانت الأسس التي قامت عليها حركة الحداثة هي أسس باطلة، فكان ولابد أن يبين كذب أطروحاتها! فكانت الحركات الاستعمارية والتدهور البيئي وأهوال حربين عالميتين، مما أدى تدريجياً إلى تآكل الثقة في وعد المشروع الحداثي بالتقدم الحتمي. هذا خلاف ما ظهر من كذب ادهاءاتها عن حقوق الإنسان في العديد من مناظق سيطرة الغرب في العالم الثالث خاصة، وآخرها ما جرى، ولا يزال، في غزة!

      ✍️ حركة ما-بعد-الحداثة Post Modernization

      بحلول منتصف القرن العشرين، أدت خيبة الأمل من إخفاقات الحداثة— خاصة بعد الحرب العالمية الثانية والمحرقة والقنبلة الذرية— إلى ظهور ما يسمى بحركة "ما بعد الحداثة"، وهي حركة شككت في أسس الفكر الحديث ذاته، وفي أطروحة الحداثة ككل!

      ???? وقد رفضت ما بعد الحداثة السرديات الكبرى والحقائق الكونية التي روجت لها الحداثة، مجادلةً بدلاً من ذلك بأن الحقيقة نسبية، وتعتمد على السياق، وعلى الفرد ذاته، وتتشكل بفعل أهل السلطة واللغة والثقافة. وقد رفض مفكرون مثل جان-فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو وجاك دريدا فكرة المعرفة الموضوعية، مؤكدين بدلاً من ذلك على الطبيعة المجزأة والتعددية للواقع، ونسبية الحقيقة وعدم وجود حقائق مطلقة!. احتفت ما بعد الحداثة، إذن، بالتنوع والذاتية وتفكيك التسلسلات الهرمية القائمة، لكنها أدت إلى النسبية الأخلاقية والعدمية الفكرية. فمن حيث سعت الحداثة، إلى الوحدة من خلال العقل والعلم، ولو على حساب الدين، احتضنت ما بعد الحداثة التعددية والسخرية والشكوكية والذاتية الأنانية والتوحد في الفكر والمصلحة. وقد كتبت في مقدمة كتابي الأخير "المفيد في أصول الفقه والتجديد" الصادر عن دار المحبرة إسطنبول، 2024 - وهو كتاب يبحث في نظرات أصحاب الفكر المقاصدي الحداثي والتقليديين على السواء، ويضرب الأمثلة من ذاك الفكر وخطله ونقاط ضعفه، كتبت أقول:

      "وكان مما دفعني إلى هذا البحث، بجانب أهميته الذاتية، أن هذا الموضوع رغم أهميته القصوى، وتعلقه الوطيد بالتغيرات التي تجري على رقعتنا الإسلامية، والهجوم السافر على ثقافتنا وتقاليدنا وحضارتنا، وثوابت ديننا، إلا إنني وجدت أن كافة من تعرض لهذا الأمر هم من "الأكادميين" الجامعيين، ولم أجد منهم من ينتمي إلى الفكر الأيديولوجي/الحركي، المنظِّر لطائفة أهل السنة والجماعة، على وجه الخصوص. فرأيت أن في هذا لون من التقصير من جانبي، وأن لابد لمحاولة سد الفجوة وإكمال الثلمة في البناء الفكري الحركي لحركة أهل السنة والجماعة. فإنه كانت من آثار هذا التوجه التجديدي، بكل مدارسه، آثار على الحركة الإسلامية، وعلى التطبيقات الفقهية في أبواب السياسة والحكم والتصدي للمؤامرات والمعاملة مع العدو، ما يجعله من أهم الأمور التي يجب الالتفات إليها وتدارسها داخل الحركة الإسلامية." ص 18

      ???? ونحن نرى اليوم انعكاس هذا التحول في عالمٍ يدرك بشكل متزايد تعقيده الخاص، مجتمعاً معولماً ومترابطاً بشكل كبير، دون أركان ولا زوايا، حيث بدت اليقينيات المطلقة، كالدين، والبناء الأسري، ليس فقط غير قابلة للتحقيق، بل غير مفيدة أو واقعية في ذاتها.

      ✍️الأثر الاجتماعي على بلاد المسلمين وأبنائهم:

      ???? كان دخول القرن الحالي هو بداية انقسام الدنيا بين معسكري الحداثة، وما بعدها.

      ???? وكان ميلاد الجيل " Gen Z" هو ميلاد أول جيل ينشأ في عصر "ما بعد الحداثة". فظهرت فيه نكبات الجيل الحالي الذي وجدنا أبناءَنا وأحفادنا يعيشون في وسط معتركه الفكري.

      ???? ومع الأسف، فلا "وضعية الفكر الحداثي"، ولا "شرعية الفكر الإسلامي"، استطاعت أن تسيطر وتحجِّم أثر فكر "ما بعد الحداثة" في هذا الجيل التعيس!

      ???? فإن من نتائج هذا الفكر العبثي، الناشئ عن هزيمة الفكر الغربي حضاري كله، وكردة فعل لانهياره، أن:

      ???? عملت الماكينة الخفية الخبيثة التي تُدار باليد الصهـ* ـيونية ذاتها، التي أدارت الفكر الحداثي من قبل، على:

      ????تفتيت المفهوم العائلي، وفكرة العائلة كوحدة اجتماعية أصيلة، فصارت الدعوة إلى الفردية، وعدم حاجة الرجل للمرأة أو المرأة للرجل، بدعوى الاستقلالية.

      ????ترسيخ مفهوم الشذوذ الجنسي، كما لم يكن من قبل، على أنه أمر طبعي لا غرابة فيه، وأنه يمكن أن يكون بديلا للعائلة الأصلية، بحيث تصبح عائلة غير منتجة لوليد، أي عائلة عقيمة! وهو ما يدفع إلى انهيار المنظومة اسرية بشكل عام.

      ????ترسيخ معاني الفكرة "النسوية" التي تمجد المرأة وتجعلها هي الأعلى، وهي المسيطرة، وهي التي يخدمها الرجل، إن سمحت له!. وقد شرعت العقوبات وسنت القوانين لترسيخ هذه الفكرة في كل أنحاء العالم، بما فيها مجتماعتنا العربية!

      ????ترسيخ مفهوم الفردية، والتميز الفردي، والخروج على التقاليد والأعراف، بله الديانات. وصا مبدأ "you do you" أي أنت تفعل ما تراه لنفسك، هو المبدأ السائد لدي الجيل الجديد، سواء منهم الكافر أو المسلم، الفاسق أو المتدين، على حد سواء.

      ????نحن اليوم نحصد ما زرعت فكرة "ما بعد الحداثة" في عقول أبنائنا وأحفادنا، من ذاتية واستقلالية مفرغة من التوجيه والهدف، حتى عند من هم من المتدينين. ولا ننسى أن هذا الجيل لا يعدو عمر أكبرهم سناً ال الخامسة والعشرية، فهم لا يزالوا جميعا في طور التكوين، والتلقي من الخارج الفاسد.

      ???? الأهم هنا هو أن نعرف نحن أولاً، طبيعة المشكلة وأصولها ومرجعياتها، وتحدياتها، قبل أن نواجهها، بله أن نبدأ العلاج.

      ???? فالعلاج الأعمى دون تشخيص دقيق للداء، لا يكون إلا ضرب من الخرافة أو الكهانة أو طلب المستحيل!

      ???? ولعل هذه الورقة قد ألقت بعض الضوء على ماهية المشكلة وخلفياتها.

      وبالله التوفيق والسداد

      طارق عبد الحليم

      29 جمادى الثاني 1447

      20 ديسمبر 2025