الفكر الحركي، تنظيراً وتطبيقاً (1)!
سردية الحركات الإسلامية - واستراتيجية الهدم والبناء
(1)
عادة ما يبدأ الباحثون في مثل هذا الموضوع، وهو ما هو المدخل الذي يجب أن يتبناه العمل الإسلاميّ ليتيح فرصة للتخلص من العدو القائم بين أظهرنا، وهم الحكام، ومن العدو المتربص بنا من الخارج، لتكون بداية للنهضة واستعادة كرامتنا أولا ثم مكانتنا ثانيا، أقول عادة ما يبدأ الباحث بالحديث عن دور الجماعة، وهل يقوم التغيير من الفرد إلى الجماعة، أم من الجماعة إلى الفرد! أي هل يكون التغيير من أسفل إلى أعلى، أم من أعلى إلى أسفل. وهل تكون الجماعة هي الموجِّه الأصيل، أم يجب أن يكون الفرد الفذَ هو من يقيم الجماعة التي تتولى التغيير.
وهذا حوار قديم قدم قرنٍ من الزمان، سواء كان في دوائر العمل الإسلامي الحركي، أو في الدوائر الأكاديمية.
وأذكُر هنا ذاك المقال الذي دونته قبل أعوام طويلة بعنوان "الطريق إلى إنقاذ الأمة - بين محمود شاكر و سيّد قطب"، عن الفرق بين توجه كلٍّ من سيد قطب و محمود شاكر رحمهما الله تعالى في أمر التغيير، هل يقوم بالفرد اولا، أم بالجماعة ثانيا. قلت في ختامه:
"فمذهب الأستاذ محمود إذن ينبني على أن الإصلاح موقوف على "رجل" يقود الشعب ، وهو مستلهم في هذا للمنهج الرباني في إرسال "رجل" نبي أو رسول إلى قومه ثم إن هذا الرجل - في غير حالة الرسول أو النبي - لينشأ من براعم ذلك الخليط المتجانس من النخبة العالية التي تتربى على أرفع المبادئ وأقوم الأخلاق.
والأستاذ سيد يذهب في هذا الأمر مذهباً آخر، إذ يرى أن الفرد الملهم ليس بحتمية تاريخية يتوقفُ عليها إنقاذ الأمة، بل على العكس من ذلك، فإن النجاة تتحقق بمجموع الأفراد ذوى المبادئ والأخلاق الذين يقوم على جهدهم المجتمع المثالي. وفي هذا الصّدد يتحدث الأستاذ سيد عن تلك "الفئة" أو "الطليعة" التي تستعلي بالإيمان و"تقود البشرية"[1] .
ومن المهم هنا أن نحدد مفهوم "الجماعة التي ترمز إليها تلك الكلمات.
أهي الجماعة بمعنى الكتلة المسلمة التي هي المجتمع المسلم، في قطر من الأقطار؟
أهي الجماعة، بالمعنى الدارج في وسط العمل الإسلامي، بمعنى المجموعة التي أخذت بيعة على العمل معا، سرا أو علناً.
أهي الجماعة بمعنى "المجموعة من الناس، الذين اتفقوا في رؤيتهم، ويعملون لهدف إقامة دين الله، متكاملاً، في مجتمعهم، دون إعطاء بيعة لأحد!
والغالب الأعم في كتابات المعاصرين، أنها "الجماعة الحركية التي لها بيعة وأمير". وهو اتفاق جاء نتيجة فرض الواقع نفسه على المستو الأكاديمي الفكري.
ومن هذا نرى أن سعة مفهوم المصطلح تعطي مجالا لفكر أن يجد محلا للتغيير والتصور حتى على مستو أصل المصطلح ذاته، كما سنرى إن شاء الله تعالى.
(2)
والباحث في أمور الجماعات الإسلامية، وحركات "المقاومة"، بل وفي أحوال المجتمع "المسلم" اليوم، يرى أن المشكلة ليست في تحديد صفة القائم على التغيير، بل هي أبعد وأعمق من ذلك بكثير.
ولنبدأ في الحديث عن مدى نجاح "الحركات الإسلامية" بالمعنى المُعاصر الذي ارتضيناه، وارتضاه الوسط الإسلاميّ منذ عام 1928، من حين قيام جماعة الإخوان المسلمين في مصر تحت قيادة حسن البنا رحمه الله، وحتى فضيحة حركة "هيئة تحرير الشام" وعميلها أبو محمد الجولاني.
السؤال الذي أود أن أطرحه هنا: هل نجحت أي من تلك الجماعات أن تنتهي بعملها إلى الهدف الذي بدأت بإعلانه!؟
والسبب في ذلك السؤال، هو أن نجيب على سؤال آخر أبعد منه أثراً، وهو: هل تلك الاستراتيجية الفكرية/الحركية التي نشأت عنها فكرة “الجماعة" بمفهومها وتركيبتها المعاصرة، والتي باتت تحكم الفكر الحركي المسلم كأنها مُدمجة في السائل الحمضي النووي (DNA) للتركيبة العقلية الإسلامية الحركية، صالحة، أو عادت صالحة، بلا فرق، في خوض العقود القادمة من المواجهة مع الغرب الذي رأينا كيف يتحرك في بلادنا، وكيف يتحكم في مفاصل العالم كله؟!
ومن ثم: هل يمكن أن يعاد النظر في الاستراتيجية العامة للحركة التي تبغي إعادة حكم الله تعالى في الأرض، وكيفية عملها وقواعد حركتها ومجالات عملها؟!
هذا ما أريد بهذا البحث كله أن يقدم تصوراً عنه، لعل في تجديد التصور الحركي ما يمكن أن يدفع بعجلة استعادة القوة الإسلامية، يوما ما، عسى أن يكون قريبا!
وحتى يكون التساؤل مُبرراً، فإن من الواجب أن نتعرض لبعض الحركات الإسلامية التي قامت في رقعتنا المسلمة، التي خلفتها الخلافة بعد انهيارها، لنرى مدى نجاحها من فشلها، وكما يُقال "ثبت العرش ثم انقش".
ومن المهم أن نبين أن الغرض هنا ليس سرداً لتاريخ تلك الجماعات، لمن هو تقييمٌ لمآلات حركتها ومدى تحقيق أهدافها، مع بيان شرعية تلك الأهداف ومطابقتها للسياسة الشرعية.
كذلك، يهمني أن أبين أن البناء العقدي لأي تجمعٍ إنساني، هو ما يحكم حركته بين الناس، سواء حالاً أو مآلاً. فالحركة هي وليدة الفكر، والفكر هو دافع الحركة.
وقد دونت في عام 2000 مقالاً بعنوان "حركة الفكر وفكر الحركة"، جاء فيه:
"من هذا المنطلق ، فإن أية "حركة" إصلاحية تقصد إلى إعادة الأمور إلى نصابها – ورد الحقوق إلى أهلها – يجب أن تدرك أن حركة الفكر هي المنطلق الحقيقي والوحيد لبلوغ الغاية المقصودة.
حين تنعزل الحركة عن الفكر فإنها تصبح شبيهة بالتشَنّج العصبي ، الذي لا يحكمه عقل، ولا يوجهه منطق، وحين ينعزل الفكر عن الحركة فإنه يصبح أشبه ما يكون بأماني الأسير في الحرية، وجود خيالي لا يدعمه واقع، ولا يتجاوز عقل صاحبه، فالفكر والحركة – إذن – هما وجهان لعملة واحدة، نتاجها الإنجاز الإيجابي.
إن الفكر هو حركة العقل التي ينبني عليها تفاعل الأحداث وحركة المشخّصات لتحقيق أهداف مرسومة. والحركة هي تجسيد الفكر في وقائع وأحداث تجري على ما رسمه الفكر وحدّده.
والحركة بلا فكر لا ينشأ عنها إلا الفوضى، التي لا تقضي أمراً، ولا تصيب نجاحاً، بُلَهَ مجافاتها للمَقاصد الشَّرعية التي تبني عليها اجتهادات المسلم على غالب الظن، وما هو إلا نتيجة النظر الفاحص الذي يدرك أن غالب الظن متحقق في نفس الأمر.
والفكر بلا حركة لا ينشأ عنه مجتمع حقيقي واقعي، يعالج مشاكل الناس، ويدفعهم لحيازة نصيبهم من الدنيا، وابتغاء الدار الآخرة ، بل هو أقرب إلى "اليوتوبيا" – أو هكذا سموها – حيث يتخفف المفكرون من عبء الواقع ومعالجته، ويركنون إلى وهم الخيال ووَهَنه.
فالفكر والحركة متلازمان، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر إلا في فترات الهبوط الحضاريّ، حين يغشى على أعين المخلصين ما يغشى، فتتوه عنهم تلك العلاقة الوثيقة التي تجعل الانفصال بينهما بداية الانحطاط ووسطه ونهايته."[2] اهـ
وهو بيت القصيد في هذا التعليق الذي أوردت عن التلازم بين البعد العقدي/الأيديولوجي وبين توجه الحركات، أيا كانت أهدافها، ثم مدى نجاحها في تحقيق ما قصدته من الحركة.
أمر نود أن نشير إليه هنا، ونراه عاملاً مشتركاً بين غالب الحركت "الإسلامية"، إن لم تكن كلها، هو أن الاختراق الذي تعرضت له كافة تلك التنظيمات، كان اختراقا حتى النخاع، وفي حجمٍ لا يخطر على بالٍ!
وهو أمر في غاية الخطورة، لما له من دلالات وآثار على ما سنصل إليه من محاولة إيجاد الصيغة الاستراتيجية للتعامل مع الواقع القائم، دون خضوع لعاطفة، أو انسياقاً وراء تقليد أو هوى.
أمر آخر، لعله من أهم ما يجب مراعاته هنا، وهو الفرق بين نوعين من الحركات:
الحركات التي نشأت من أجل القتال والجهاد من الوهلة الأولى، وليس لتحقيق أي شكل من الإصلاحات الاجتماعية أو المدنية، إلا ما يأتي في سياق ذلك الغرض الأساس، مثل طالبان والقاعدة، وتنظيم الدولة إن اعتبرناه تنظيما إسلاميا أساساً.
الحركات التي نشأت للإصلاح ابتداءً، وإن شمل ذلك في بعضها النظر في الجهاد والقتال، كجانب من جوانب الدعوة، وليس كهذف أولٍ للحركة، مثل الكثير من الحركات كلإخوان وغيرها مما نهج نهجها.
ومراعاة هذا الفرق هو أمر جوهري في تقييم ما نسعى للوصول إليه من تقييم أداء تلك الحركات، ومن ثم، محاولة الخروج بتصورٍ للحركة بالدعوة في واقعنا المعاصر.
والحركات التي يمكن أن يقال أن لها أثرٌ واقع في العمل الإسلامي المعاصر، سلبا أو إيجابا، كثيرة جدا، منها:
- حركة "الإخوان المسلمون" في مصر والأردن وسوريا والعراق واليمن.
- حركة حزب التحرير
- جبهة الإنقاذ بالجزائر
- حزب السلامة بزعامة أربكان في تركيا
- حزب النهضة التونسي الغنوشي
- حزب المؤتمر الوطني في السودان، عمر البشير
- حزب العدالة والتنمية في المغرب
- حركة مروان حديد بسوريا
- حركة صالح سرية
- حركة شكري مصطفى
- حركة الجهاد المصرية
- حركة الجماعة الإسلامية المصرية
- حركة الجماعة المسلحة الجزائر
- حركة القاعدة، وقاعدة الجهاد
- حركة خطاب في الشيشان
- حركة طالبان
- حركة الشباب وحركة أنصار الإسلام والمسلمين في أفريقيا
وسنتناول كل منها بتقييم مختصر، لا يرمي إلى تأريخ لها، فلذلك موضعه من الدراسات الموسعة التفصيلية للحركات الإسلامية، وإنما يوفي فقط بالغرض الذي نقصد إليه.
كذلك سنتناول بالنظر السريع بعض الشخصيات المنتمية لجماعات، أو المستقلة والمؤثرة عالمياً أو إقليمياً، والتي كان لها يدٌ في تكوين الشخصية الفكرية والحركية في عصرنا الحاضر، إيجابا أو سلبا، فهي كلها جزء من البناء الذي نسعى لقيامه، أيديولوجياً وحركياً وتطبيقياً.
ومن أهم تلك الشخصيات:
- حسن الترابي
- يوسف القرضاوي
- ناصر الوحيشي
- أنور العولقي
- رشيد البليدي
- محمد عبد المجيد حسن قائد، أبو يحي الليبي
- عاصم العتيبي، أبو محمد المقدسي
- مصطفى عبد القادر مصطفى، أبو مصعب السوري
- د هاني السباعي
- د سيد إمام
- أبو قتادة الفلسطيني
وقد تركت الحديث عن الشخصيات الكبرى الرئيسة، سواء في الجماعات الإصلاحية أو الدهادية، مثل سيد قطب، ومحمد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وأسامة بن لادن، ود أيمن الظواهري، ومن هم في صفهم، لشيوع العلم بتاريخهم، وإن كنت سأحتاج للرجوع لسيرهم ومواقفهم لماماً في بعض ما يأتي إن شاء الله تعالى.
يتبع إن شاء الله تعالى
طارق عبد الحليم
24 سبتمبر 2025
2 ربيع ثان، 1447
[1] كتاب "أنوار البرق في بيان الحق - معالم في فكر سيد قطب" للكاتب
[2]https://tariq-abdelhaleem.net/ar/post/72989