فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      (تحميل الملف)

      الجزء الأول

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      مقدمة

      هذا البحث، الذي ستتابع حلقاته إن شاء الله تعالى، هو امتداد لبحوث سابقة، اعتنيت فيها بتصورِ طرقٍ ووسائل لعودة الإسلام إلى مسرح الحياة بعد غياب امتد قرنا من الزمن، وسبقه قرن من الخمود و"تسليم الروح" كما في التعبير الدارج! لكن حاك في الصدر بعض ما يعتري الإنسان حين يُدرك أن عمله ناقص نقصاً معيباً، لا من حيث كمّه، بل من حيث شمول معالجته لقضيته، والنظر إليها من كافة الجوانب.

      فإن من أخطر ما يواجه المفكّر أو الكاتب هو التشظي في التفكير، أو التشتت في المعالجة لمشكلات، قد لا يتبيّن له وحدة مصدرها حيناً، أو وحدة مقصدها وعلاجها حينا آخر. وهذا ما اعتبره، من خلال الملاحظة والاطلاع على الأعمال الجادة في هذا المجال، هو سمة شبه عامة لما ينتج عن عقول المخلصين من الباحثين[1] أو أصحاب الفقه. وهذا أمرٌ ليس بعارضٍ يختص بفرد دون فرد، بل هو سمة نقص في الإنسان ذاته، تدفعه، مع الهمة والإخلاص، إلا أن يكمل صعود سلم الفكر، ويصل النقاط المشتتة في ثنايا كتاباته بعضها ببعض، لينتج منها أشكالاً وأنماطاً قابلة للفهم عند الآخر، ونافعة عن التطبيق، فإن هدف الباحث هو "النفع" بشكل رئيس، سواءً نفعاً معنوياً يعين في مجالات الحياة الاجتماعية والروحية، أو النفع المادي في مجالات التقنية والعلوم الفيزيقية ووسائل الإنتاج.

      من ثم، وجدت أن من المفيد هنا أن أقدم بعض خطوط واصلة، بين معانٍ قائمة، قد نكون قد ناقشنا بعضها من قبل من بعض زواياها، وقد يكون قد تعرض لبعضها آخرون، بشكل مختلف أو لغرض مغايرٍ، لكنها كلها تتعلق بموضع أعتبره من أهم ما يجب أن يشغل العقل الإنسان المسلم في عصرنا هذا، الذي فقدنا فيه الحضارة، والنهضة والقوة والدين، كلها جميعاً ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا عليك من المخربين المخرفين الذين يعدون الناس بفتح القدس في بضع سنين، فإن لأولئك مزبلة خاصة في التاريخ، أظنها أقل قدراً من مزابل أمثال الكثير ممن حاولوا السير ضد تيار السنن الإلهية، فكان مصيرهم مزابل رغم قدر ما بذلوا وقوة ما قدّموا.

      إن التحدي الذي تواجهه الأمة الإسلامية اليوم، إن صح لها وجودٌ حقٌ اليوم، أو تواجهه الطائفة الظاهرة على الحق بوجه أخص، هو تحدٍ هائلٍ عامٍ شاملٍ، يتخطى الرؤية القصيرة التي تنظر لأحداث يومية، تتفاءل بقتل عدة جنود للأعداء هنا، أو تفجير مخزن أسلحة هناك. فالأزمة هائلة، تضرب بجذورها في صميم وجود الإنسان المسلم، كإنسان وكمسلم، معا، فتمحق هويته على المستويين الإسلامي والإنساني.

      وهذه الخطوط تتعلق أساساً بفكرة "النهضة"، وعلاقتها بفكرة "الشريعة". ولعل الله سبحانه أن يوفقنا في تقديم بعض الخطوط، التي قد تعين في ربط النقاط الشتيتة، وإن كنت أرى أن ذلك يحتاج إلى جهد أكبر، وتواصلٍ أعمق بين العقول الراغبة في الفهم والتطبيق.

      د طارق عبد الحليم

      15 رجب 1442 – 27 فبراير 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء الثاني

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (1)

      النهضة والشريعة، مصطلحان يتداولهما طبقتين من المتعلمين، على اختلاف وتباين في الجامع والفارق بينهما، وهما طبقتي "الباحثين" أو من بقي منهم من أصحاب العلوم والعقول، و"الفقهاء" الإسلاميين، أو من بقي منهم من أصحاب الذمة المرضية والنفوس الأبية.

      وهناك الكثير من المشتركات بين المصطلحين، حسب استخدامهما.، وحسب رؤية القاصد إلى أحدهما، في مسار التاريخ الفكريّ والعقديّ، ومن ثم البنائيّ التقدميّ، مع ضبط صحّة التعبير بالتقدم.

      لا شك أن الشغل الشاغل للمسلمين، وأقصد بهم من يهتم بالشأن الإسلاميّ ويريد أن يُحْيِي دينه ويَحْياه، هو تطبيق الشريعة الإسلامية في حياة الناس، وتنحية القوانين الوضعية من مسرحها، إذ إن توحيد الله سبحانه لا يتم إلا بطاعته، وطاعته لا تتم إلا بالالتزام بشريعته، التزام قبولٍ ورضا، في أي مجتمع إنساني رضي بالله ربا بالإسلام دينا وبالحبيب المصطفى رسولاً.

      حين نرصد حركة التاريخ، ومسار الواقع نجد أن الأمر أشدّ عمقاً وأبعد غوراً من هذا التصور الحق، على بساطته، أو على الأصح لبساطته.

      فإن هذا الذي وصفنا غاية، يصلها طالبها بوسائل. وحين النظر في هذه الوسائل تبدأ الأمور في التعقيد والتشابك.

      وكما أن تطبيق الشريعة لن يأتي جزافاً دون أسباب، كما يروّج بعض المخدّرين من مشعوذي الكتاب المنتمين للحركة الإسلامية، فإن تطبيقها فعلياً ليس أمراً جزافياً.

      كذلك فإن الحديث عن النهضة "الإسلامية" حديث خرافة، لا أصل له ولا بعد حق، إلا من خلال عملية شاقّة تتعلق بكافة مجالات الحياة، سواء منها البعد الروحي، أو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري.

      وكلاهما، أي النهضة والشريعة، يستلزمان درجة عالية من الوعي، لا بمجرد ما هو مطلوب الفعل لتحقيقهما، وفهم منافع هذا التحقيق، بل بما هو مطلوب الترك للحفاظ عليهما، ومعرفة المفاسد والاضرار والمؤامرات التي تحاك ضدهما. وعلى رأس هذا وذاك، معرفة العدو من الصديق، والموالي من المعادي، معرفة دقيقة لا تهاون في التعامل معها ومعهم، كما سنبيّن فيما بعد من خطورة الخلط بينهما، سواء على مستويات الأفراد أو الجماعات أو التوجهات، ولعل أوضح مثال سنتعرض له هو ما ذكره الأستاذ مالك بن نبي، الكاتب الإسلامي الجزائري الشهير صاحب الأعمال الرائدة، في كتابه "شروط النهضة “عن المدعو جمال الدين الأفغاني اسماً، الفارسي حقيقة!

      وقد عَلِمْنا، وتعلَّمنا من التاريخ، كيف يتصرف البشر، هي مواجهة الحياة، سواء في مجال الإنتاج الاقتصادي أو التجمع الاجتماعي العمراني أو التصرف السياسي الحزبيّ. عرفنا أشكالاً من طرق الإنتاج ووسائله، من البدائية إلى الأشد تقنية وتقدماً، وعرفنا أنماطا من الحياة الاجتماعية، من الإباحية الجماعية من فكر مزدكٍ، إلى إباحية سارتر، ومن روحانية أفلاطون إلى روحانية برجسون، إلى عصرنا الحديث الذي فكك الأسرة كخلية أولية للمجتمع، وأنشأ اشكالاً من الاجتماع، وإن لم تكن جديدة بإطلاقها، يعيش فيها الرجل زوجاً للرجل، والمرأة زوجاً للمرأة، بلا خجلٍ أو عتاب! ورأينا ألوانا من التحزبات السياسية، تراوحت بين الديموقراطية الأرستقراطية اليونانية، إلى الديموقراطية الغربية الحديثة المنافقة، ومن شيوعية المِلْك التي اقترحها أفلاطون إلى المادية الجدلية لماركس.

      ومن الجدير بالذكر، بعد تحكيم الملاحظة، أنه في كلّ تلك الأفكار والأشكال والأنماط، فإن هناك ثوابت مشتركة بين بني آدم، احتفظ بها في كينونته، وإن اختلفت أشكال تطبيقها من زمن لزمن، ومن نظام لنظام، مثل مبدأ الحرية، ومبدأ السيطرة، ومبدأ الملكية، وكلها تتلاقى في نقطة مركزية وهي الخاصية البشرية، التي لا تختلف بين البشر، مهما اختلفت مجتمعاتهم وتباعدت أزمانهم. وخذ مثالاً من الحرية، فإن النظر السطحي يحسبها معارضة لمبدأ السيطرة، لكن الحقيقة هي أن الحرية لا تتأتى إلى بالسيطرة الكاملة على النفس ومصيرها. فأمر السيطرة والحرية عائدٌ إلى نفس النقطة المركزية.

      كذلك رأينا المسار التاريخي الموازٍ لتلك الحركات كلها، والذي يمثل سلسلة الأنبياء المرسلين من الله سبحانه، يضعون لهم منهج الحياة الملائم لزمانهم، مع الحفاظ على الثابت الأصيل وهو توحيد الله وطاعته.

      وفي كلّ هذه المسارات، رأينا كيف يتصرف البشر في حياتهم، التي لا تزال تتكاثف وتتعقد في كافة الاتجاهات، ثم تسارعت وتيرة التغيير فيها في العقود الأخيرة بما جعل تتبع المتغيرات، خاصة ما يجري وراء الستار من خبايا للجنس البشريّ في غاية الصعوبة.

      يتبع إن شاء الله

      د طارق عبد الحليم

      17 رجب 1442 – 1 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء الثالث

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (2)

      عن النهضة

      يأخذ مفهوم النهضة معنيين أساسيين، يدركهما الناظر في حركة التاريخ. أولهما مفهوم النهضة من المنظور الماديّ، والذي يجتمع فيه مسار اليمين الغربي الديموقراطي الرأسمالي الليبرالي واليسار المادي الشيوعي، وهو أن النهضة هي "التقدم الماديّ والتقنيّ البحت في مناحي الحياة المختلفة، وتعاملها مع مشكلة الإنسانية، سواءً كانت نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية". وبتعبير آخر، مدى القدرة على السيطرة على عوامل الطبيعة لاستخدامها في تفصيل مركبات الحياة الإنسانية، ومنها السيطرة على الإنسان ذاته، كموجود طبيعيّ في الحياة. ومن ثم فإنك، رغم أنه حتى في هذا المسار، كما أشرنا، تجد عامل روحانياً أو فكرة الكائن الأعلى موجودة بصورة أو بأخرى، سواء فلسفياً عقلياً، أو روحانياً خيالياً، أو بصورة المعاندة والتضارب مع هذا الكائن، كما في المسار الماديّ، فإن فكرة معارضة وجود كيان ما، تعنى بالضرورة وجوده على مستوً معين في اللاوعي، والشاهد على ذلك فلسفة نيتشة (الألماني 1900)، الذي أعلن موت الإله (تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيراً)، مع أنه ملحدٌ عتيد، غذ لم يتمكن من محو صورة الإله من العقل الغربي المسيحي دون افتراض وجوده ثم موته[2].

      أما المعنى الآخر للنهضة، فهو المعنى الذي صاحب الفكرة الدينية والمسار النبويّ في تاريخ البشرية، حيث ارتبطت النهضة بالبعد أو القرب عن إدراك أصل الوجود، والتسليم لخالقه، واتباع الهدى والنور الذي أرسله مع أنبيائه ورسله، كأداة لتحقيق نهضة البشر، بتوازن بين الاحتياجات المادية وبين تحقيق فكرة وحدانية الخالق التي تنبني عليها نهضة البشر الحقيقية.

      ويلتقي معنيي النهضة في كلا السبيلين، في بعض الجوانب، مثل تحقيق الرفاه والسيطرة على الموارد الطبيعية واستخدامها، والتوسع في العلوم بشتى أنواعها، ومن ثمّ رفع مستوى الحياة المعيشية للإنسان، على قدر جهده وكدّه، مع الحفاظ على التكافل الاجتماعي الذي نراه في صور مختلفة في الغرب، وإن اختفى مؤخراً من عالمنا الشرقي المسلم نتيجة سيطرة السياسة وعسكرة المجتمعات.

      لكن النهضة في السبيل الماديّ الإنساني بشقيه (اللاديني أو المسيحيّ)، تقتصر على هذا القدر من معاني النهضة، وتجدُّ فيه وتبذل في سبيله كلّ غال ورخيص. بل ولا مانع لديها، بل وما تقوم به فعلاً، من سحق معانٍ ومبادئ أولية ثابتة في حقوق الإنسان المرتكزة في فطرته، التي خُلق عليها، من أجل أن تدفع عجلة تلك النهضة. وهي بهذا تتجاوز كلّ حدود المعقول والمقبول، حتى أصبح الإنسان، في آخر الأمر، سلعة، أو غرضاً، وأو شيئاً، يُتعامل به، كما يُتعامل بالقطع النقدية، مما أعاد حقيقة معنى الرقّ البشريّ بصورة حديثة خفية متدسسة، نشعر بها، ولا نضع أيدينا عليها، لدهاء الأسياد اليوم، ولما طوّروه من وسائل لهذا الاستعباد، حسّنوها في أعين الناس وجعلوهم يشعرون بالحاجة إليها، فقدموا لهم جانب المنفعة فيها، وأخفوا عنهم جانب المفسدة العظيمة التي تحملها.

      وبطبيعة الحال، فإن من يتولى كبرَ هذا التزييف هي وسائل الإعلام، التي لا حرية فيها شرقاً ولا غرباً، على وجه الإطلاق. فكلها تخضع لسيد يمتلك المال ويوجّه الفكر، فيسيّر الناس من وراء ما تراه طبقة معينة من البشر الأسياد، كقطعان الغنم. ولن أضرب مثلاً بشعب عربيّ، ولكن ها هو الشعب الذي يدعي أسياده أنهم أوصلوه لأعلى مراقي النهضة، الشعب الأمريكي، اتبعوا أول ناعقٍ بنظرية المؤامرة، والتفوا حول حركة “QAnan” بشكل يهدد الوجود الأمريكي كله. ولست بصدد اختبار تلك النظرية التي وُظفت لتحصيل أموالٍ طائلة، وبيان ما يصح منها وما لا يصح، لكن أقرر أن الشعوب، كلّ الشعوب، أسيرة مخدّرة منساقة منقادة، بلا حولٍ ولا قوة، شرقاً وغرباً، وإنما أمر النهضة هو أداة للأسياد، لا تحسينات للعباد.

      يتبع إن شاء الله

      د طارق عبد الحليم

      19 رجب 1442 – 3 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء الرابع

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (3)

      التغيرات في ظروف النهضة

      وهناك أمور يجب اعتبارها في معادلة النهضة، تتعلق بالظروف الزمانيّة، كما تتعلق بالظروف المكانيّة وبدون إدخال هذه العوامل في حسبان الباحث، تأتي الثمار فجّة غير ذاتِ أُكل.

      فالظرف الزماني، يتعلق بالتغيرات الزمانية، التي حدثت مع تطور الزمن في القرن الماضي على وجه الخصوص، مثل تطور وسائل النقل بشكلٍ مخيف، وصل إلى وضع سفينة فضاء على سطح المريخ! وظهور الحاسوبات، والتليفونات المحمولة والشبكة العنكبوتية (النت)، وما لحقها من استخدامات تقنية في مجال التواصل الاجتماعي، الذي أحب أن اسميها "وسائل التقاطع الاجتماعي" إذ أفضل تعريف للمُنتج هو ما يؤدي إليه وما يخدمه، وهذه الوسائل لا تخدم إلا قطع الصلات والوشائج الاجتماعية أكثر كيراً من وصلها. ثم ما يتعلق بالتسليح وتطوره من السهام والرماح، إلى الطائرات المسيّرة دون طيار، والصواريخ الموجّهة عن بعد، من سفن نووية تبعد مئات الأميال، أو مما يتحكم فيه رجال يجلسون برفاه في مكاتب تحيط بهم شاشات يوجهون من خلالها الضربات كأنها ألعاب الكترونية على حاسوب صبي، تقتل المئات وتنسف القرى في لحظات! فلم يعد للشجاعة ولا الإقدام ولا التضحية معنى حقيقي في الحروب الحديثة، بل ولا الأيديولوجية في كثير من الأحيان، فالمقتول مجهول، لا يراه القاتل ولا يعرفه، ولا يدري عن سبب هجومه عليه شيئاً.

      ثم التغيير الهائل في وسائل الاقتصاد، ومعاييره ومقاييسه، وتقنياته الخاصة، حتى رأينا ما أسموه "البيتكون" الذي يستبدل الناس العملة به! وتغير الشكل الانتاجيّ إلى مراكز صناعية هائلة، مما سحق الشكل الصناعي العائلي الخاص، وسيطرة المؤسسات الكبرى على الغالبية الساحقة من نسب الإنتاج والتوزيع في السوق العالمي، وحسبك أمازون وميكروسوفت وسامسونج وما شابه ذلك، خاصة في القطاع المصرفيّ، الذي بات يمتلك، امتلاكاً حقيقياً كلّ ما على الأرض من مخزون نقديّ.

      ثم الثورة الهائلة في صناعة التجسس، من خلال التجسس التقليدي المباشر، أو غير المباشر من خلال عملية جمع المعلومات الهائلة التي لا تتوقف لحظة عن إضافة كلّ خصوصيات الأفراد، فرداً فردا، إلى قواعد معلومات خيالية الحجم، تنبئ عن عقليته وتوجهاته ونفسيته، واتصالاته ومعارفه، وما يحب وما يكره، وتحركاته وسكناته. وأقربها مثلا الجي بي إس، الذي فرح به الناس كثيراً إذ يعينهم على الوصول لمحطاتهم بسهولة ويسر، دون خرائك ورقية ومجازفة، لكن الأمر هو أن هذه الأداة هي في حدّ ذاتها تسجل على صاحب السيارة كلّ مكان يتوجه إليه، والمكالمات التي تتم في السيارة ... الخ. وباختصار انعدمت الخصوصية بشكلٍ تامٍ، وأصبح الفرد مشاعاً متاحاً، مثله مثل أي منتجٍ، له رقمٌ محفوظ في قائمة، تحته كل ما في حياته من خصوصيات وما في شخصيته من خصائص.

      ولعل هذا التوغل الشديد في خصوصيات الأفراد هو أحد الدوافع وراء ظهور طبقة من الناس، أرجعوا كلّ شيء لنظرية "المؤامرة" Conspiracy Theory التي حوّلت أمريكا، وكثير من بقاع العالم إلى مواطنين متشاكسين. وهذا أمرٌ آخر له أبعاده التي قد تتقاطع مع أغراضنا في بعض نقاطه، ننظر فيها في موضعها إن شاء الله.

      (4)            

      أمّا عن الظروف المكانية، فإنها ظاهرة للعين البصيرة. فإن النهضة في دولة من دول أمريكا الجنوبية مثلاً تختلف في شروطها ورؤيتها ومتطلباتها عن نهضة في بلاد العرب. بل قد تختلف بين بلاد العرب بعضها عن بعض، من حيث تغير العادات المستقرات. لكن هذا البعد، قد قلّ أثره كثيراً، في العقود الأخيرة، حيث حلّت الثقافة الغربية محل الثقافات المحلية في كثيرٍ من الأمور، كما أن العولمة، ووسائل "التقاطع الاجتماعيّ" قد وحّدت بين نظرات وعادات ورغبات وتوجهات الأجيال الجديدة كلها، بشكلٍ يسير نحو إفناء الهويات الذاتية للشعوب، وانضواءها تحت لواء فكرٍ واحد وتوجّه واحد، يعلم الله ما هو في لحظتنا هذه.    

      وهذه الظروف الزمانية والمكانية، تؤثر تأثيراً أساسياً اصيلاً في طريقة النظر إلى نهضة أمة اليوم. فإنه من البديهي البدائي أن نقرر أنه يجب لتحقيق مثل هذا الهدف:

      1. معرفة ماضي الأمة وتاريخها، خاصة ما يتعلق بظهور حضارتها وعلاقاتها مع الجماعات البشرية الأخرى، وقيمها الخُلُقية.
      2. معرفة حاضر الأمة وما تعانيه، وواقع الناس والأمم الأخرى
      3. تحديد المسار الأمثل لمستقبل النهضة وأولويات خطواتها.
      4. وهو من أخطرها، تحديد الصفات المطلوبة لحاملي النهضة وعبئها.

      هذه المتطلبات هي شروط صحة في التوفيق بإذن الله لنهضة الأمم عامة، وأمتنا خاصة.

      وأود هنا أن أُذكر القارئ الكريم بأن المقال "عن" تطبيق الشريعة وشروط النهضة، أي لن يكون استيعاباً لموضوعه، قدر ما حديث عنه، ذلك أن استيعاب الحديث في هذا الأمر يستغرق مجلداً، بل مجلداتٍ، وعقولاً لا عقلاً واحداً، ليتم على ما يُراد، يصل به أهله إلى ما يحقق نتائجه.

      يتبع إن شاء الله

      د طارق عبد الحليم

      20 رجب 1442 – 4 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء الخامس

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (5)

      شروط النهضة

      ونهضة أمة، بعد غياب قرون، أمرٌ تقف عنده أعظم الأقلام متجمدة حائرة، لا تدري من أين تبدأ.  فإن هناك العديد من الأسئلة التي تسبق إلى الذهن الباحث، وتستلزم إجابة شافية، في ظل الخطوات الأربع التي قدمنها من قبل:

      ما هي نقطة البدء في نهضةٍ مرجوة؟ أهي في تغيير سياسي، أم في قطاع اقتصادي، أم في تقدمٍ تقني؟ أم هي جهد متوازٍ في تلك الجوانب كلها؟

      من هم رواد النهضة تلك؟ أهم قادة وزعماء يعيشون بين الناس اليوم، أم إن الأمة في حاجةٍ إلى توليد زعامات وقيادات تحمل كفاءات وقدرات؟

      كيف يكون التعامل مع القوى المضادة لأي محاولة للنهضة في رقعتنا العربية الإسلامية، مع سيطرة تلك القوى بشكل كاملٍ على كافة القطاعات المنتجة في حياة الناس؟

      من هم المخاطبون بعملية بدء النهضة؟ أهم أفراد الشعب أم مثقفيه، إن بقي فيه من يحمل هذه الصفة حقاً؟ وكما قال علي بيك، أهم من تولوا مهمة التنظيمات الجديدة في تركيا في القرن التاسع عشر "لابد من أمة لهذه لدولة"[3].

      والأخطر والأهم هو: أين تبدأ شرارة النهضة تلك، وهي تحتاج لمن يرعاها إن اشتعلت، يهش عنها الذئاب ويحميها من رياح الفساد والتخلف، وعوامل الفناء والانهيار؟ ولعل في التجربة التركية مثال جيد، وإن شابها عدد من المتغيرات التي لا تتطابق مع ما نقصد به في معنى النهضة، كما سنبيّن.

      ولعل النقطة التي درنا حولها من قبل في موضعين سابقين، هي "الإنسان" المنوط به عملية النهضة. فإن مقولة أن "الاستعمار لن يزول إلا إن زال من أنفسنا القابلية للاستعمار" تصلح هنا لتكون "النهضة لن تكون إلا إن وُجدت نفوساً رافضة للتخلف، قابلة للنهضة، مستوعبة لمعانيها، مستعدة للعمل من أجلها". هذا شرطٌ أولٌ أساسٌ، لا يمكن تجاوزه، ولن تصلح أية محاولة لتغيير أو إصلاحٍ أو "نهضة"، سمها ما شئت، بصياحٍ هنا، وانتقادات هناك. بل يجب أن يكون هناك هدفٌ محدد هو العمل على إيجاد هذه الروح تسري في كيان جمع من أفراد الأمة، أو أكثرها إن أمكن،

      فإن النظام التركيّ، الذي لجأ، مع ظهور أتاتورك، إلى العلمانية الصارمة، وترك الإسلام كله ظهرياً، لم تبدأ فيه نهضة أو تقدم، إلا بعد أن خفّت قبضة العسكر على الساحة السياسية قليلاً، وظهرت التعددية السياسية بعد الحرب العالمية الثانية. لكن التوتر السياسي استمر من خلال عدة انقلابات عسكرية، حتى استقر الأمر في يد حزب العدالة والتنمية التركي وظهور حزب أربكان على الساحة، وصولا إلى أردوغان، الذي، وإن حافظ على الهوية العلمانية لتركيا، وأنكر دخول الشرع في السياسة، فإنه سمح بالحرية الدينية للمسلمين، ولغيرهم، وأعان على إقامة الشعائر وصبغ المجتمع بصورة إسلام صوفيّ شعائريّ يقوم في القلوب والمساجد، بعيداً عن مجالات الحياة العملية في السياسة والاقتصاد وكثيراً من جوانب الاجتماع.

      لكنه من الهام أن نذكر أن بعض الباحثين، وهو ما أظنه حقا لمطابقته للواقع العالمي، فإن الجيش التركي لا يزال له الكلمة الأعلى في القرارات، من خلال مجلس الأمن القوميّ، ويشكله كلّه عسكريون، والذي لا يمكن لرئيس الجمهورية تخطيه.

      ومع ذلك التوجّه، حاول أردوغان أن يوظّف القوى الشعبية للعمل في نهضة صناعية وتقنية حقيقية. كما حدّ الكثير من طرق الفساد السياسي، الذي يقوم على نهب الثروات للصالح الشخصي بدلاً من توجيهها إلى النفع العام. وسنقوم بتقييم التجربة التركية في مجال النهضة في حينه إن شاء الله، لأهميتها القصوى. كذلك يمكن الحديث عن التجربة الماليزية. ولكن الأمر الذي أردناه هنا هو أنّ نوضح أنّ مفهوم النهضة يختلف اختلافاً كبيراً حسب التجارب التاريخية أو المعاصرة التي يتعرض لها الباحث. 

      يتبع إن شاء الله

      د طارق عبد الحليم

      21 رجب 1442 – 5 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء السادس

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (6) عن تطبيق الشريعة

      وحين نتحدث عن الشريعة، في مقالنا هذا، فإنما نتحدث عن منهج حياة متكامل. لا عن تطبيق حدود بعينها، أو إقامة عدة شعائر بذاتها. ومن هنا فإن ما نقصده ينحى منحى مغايراً من ناحية، وأبعد مدى، مما يتحدث عنه سائر من يتحدث عن ضرورة تطبيق الشريعة، من الإسلاميين، سواء القلة المخلصة أو الكثرة المنافقة منهم.

      الشريعة، كما حاولنا أن نقدّم من قبل في بحثنا عن "منهج أهل السنة في النظر والاستدلال"[4] هي طريقة في فهم الحياة، ومنطلقاتها، ومحاورها المتعددة، وتشابك أغراضها، ومنها، وعلى رأسها الكائن البشري، بني آدم، الذي امتحنه الله بهذه الحياة وبما جعل فيها من أقواتٍ وأرزاق، ومن ثم تنافس وتشاكس، ومن ثم تناحرٍ وتقاتل، كلٌّ حسب رؤيته ومقصده.

      ولعلنا هنا نورد هذا التعريف، الذي يتناسب مع غرض هذا المقال، فنقول إن

      "الشريعة هي مجموعة الأحكام والتوجيهات، والعقائد والأيديولوجيات، المستنبطة من الكتاب والسنة، والتي تقصد إلى جلب مصالح العباد في الدنيا والآخرة، والعمل على توفير نهضتهم الملائمة لمقاصد الشريعة العامة ومبادئها، في كافة مناحي الحياة الإنسانية"

      فمقصد الشريعة، إذن، هو مصلحة العباد في الآخرة، ونهضة العباد، في الدنيا، في مجالات الاقتصاد وتوفير المنافع العامة، بما يحفظ القواعد الاجتماعية جارية وفق التصورات والعقائد، من حيث إن التخالف بينهما لن يؤدي إلى النهضة المرجوة، والتي تتوافق مع المقاصد العامة للشريعة.

      فالنهضة في نظر الشريعة، أو حسب أحكام الشريعة وتصوراتها، هي خاص من عموم الشريعة، أي أن الشريعة أعم من النهضة، فهي تشملها. لذلك فالشريعة ليست مجرد تطبيق أحكام، كفرض الحجاب، أو منع الخمر والتدخين وخلافه، أو إقامة الحدود المفروضة في الشريعة. هذه نظرة ضيقة محدودة إلى معنى الشريعة، وإلى مقاصدها العامة في كلياتها، ودورها في الحياة البشرية، منذ أن اتخذ الرسل سبيلهم في الناس، يبينون لهم الحق من الباطل.

      ولا شكّ أنّ هناك أولويات في الشريعة يجب تقويتها والحفاظ عليها، من حيث هي القاعدة التي تبنى عليها تلك العصبة المؤمنة حياتها، وتتمثل فيها هويتها، مهما ضعفت في بقية مناحي حياتها. والتوحيد هو صلب الشريعة وعمودها وقاعدتها. لذلك فإن نهضة العرب لم تتحقق منذ أربعة عشر قرنا إلا بعد ترسيخ التوحيد، أي، بتعبيرنا المعاصر، نشر الأيديولوجية الإسلامية وزرعها في نفوس العدد الكافي من المؤمنين الموالين لها.

      هناك اتجاهان في الوسط الإسلامي، أحدهما يقول بضرورة "تطبيق الشريعة"، وأن في ذلك الحل لأزمتنا التاريخية العظمى. والاتجاه الثاني يتحدث عن ضرورة النهضة ومسايرة العصر والعمل على اللحاق بما استُحدث في زماننا. وكلا الاتجاهين يرى أنه مخالف للآخر مضاد له في الوسيلة.

      الأمر هنا هو أنّه لا فرق بين الاتجاهين على الإطلاق. بل لا يمكن، كما رأينا في واقعنا من قبل، أن يتم أحدهما دون الآخر. فكلاهما لم يفهم معنى تطبيق الشريعة ولا معنى النهضة على حقيقتيهما. إنه:

      "لا نهضة حقّيقية متوازنة وسطية في معاييرها دون شريعة، ولا فائدة من تطبيق الشريعة ظاهراً في عدة نواح كشؤون الأسرة أو مسائل الميراث، دون نهضة تحمل الشريعة إلى كلّ ناحية من نواحي الحياة، فتحميها وتجعلها مسيطرة قادرة على حماية أهلها"

      وهذا التقرير صحيح بالنسبة للبشرية عامة، إن أرادت أن تسير في ضوء الهدى الإلهيّ، لتبني نهضتها التقنية أو الاقتصادية أو ما شئت من مناحي الحياة، وهو صحيح خاصة بالنسبة لأمة العرب من المسلمين، حسب ما رأينا، تاريخاً مدوّنا لا كلاماً مُرسلاً.

      ولنفصلّ تلك الكلمة "الوسطية" تفصيلاً أعمق من حيث إنّ في هذا بيانٌ للتوازن الذي يجب أن تراعيه الأمة حين تتعامل مع واقع الحياة التي نحياها في عصرنا هذا. فالوسطية هي أخذٌ بالأفضل ما أمكن، حيثما أمكن. والأخذٌ بطرف من طرفي معدلة الشريعة/النهضة، ليس من الوسطية في شيء، بل هو من ترك الشريعة أولاً، ومن العدول عن النهضة الحقّة المتكاملة ثانياً. فإننا، كما رأينا، فإن النهضة التي حققتها تركيا، على محدوديتها، وخضوع قرارها النهائي للغرب ولمجلس الأمن القوميّ، كما شاهدنا مثلاً حياً في قضية خاشوجي المعيبة، حيث اختصر الغرب دور أردوغان في هبهبات كلام، ثم أوقفه عند حدّه، تلك نهضة ليست بكاملة في جوانبها ولا مستقلة في قرارها، لإهمالهم الشرع ووضعه جانباً لصالح العلمانية. رغم إنه أفضل من ديكتاتوريات العرب التي لا شرعٌ فيها ولا نهضة، ولا علمٌ ولا دين!

      يتبع إن شاء الله

      د طارق عبد الحليم

      23 رجب 1442 – 7 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء السابع

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (7) "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"

      الوسطية، مفهوم خاصٌ بالشريعة، يشير إلى معانٍ محددة، أساء الكثير من المغرضين والمنافقين الحديث فيها، كما افتاتوا على كثير من المصطلحات الأخرى، كالتجديد، والمواطنة وغيرها من المصطلحات[5].

      ولعل أحداث اليوم تعرض لنا مثالاً حياً، لا يمكن لعاقلٍ أن يتجنب نتيجته الظاهرة، وهي وسطية هذه الأمة.

      لننظر إلى الصراع الأيديولوجي بين اليمين واليسار، في العالم الغربي عامة، وفي أمريكا على وجه الخصوص، حيث المعركة الطاحنة بين الجمهوريين (اليمين المحافظ) والديموقراطيين (اليسار الليبرالي).

      فلا شك أن كلا الأيديولوجيتين تحمل صواباً من الرأي في بعض الموضوعات، إلا أنّ كليهما تحمل مصاراً ومفاسد، عمس ما تحمل الأخرى. ولنعرض بعض التفصيل في هذه المسالة.

      فالأيديولوجية اليمينية، أيديولوجية "محافظة"، حسب المفهوم الغربي طبعاً. فهي تحافظ على الأسرة كخلية اجتماعية أساسية، قوامها الرجل والمرأة، المرتبطين برابط الزواج، إن أمكن! كما إنها ترفض الشذوذ الجنسي بأي شكلٍ من الأشكال، وتعارض الإجهاض محافظة على الحياة. وهذه الأيديولوجية، بطبيعتها، تجعل دور الرجل مركزياً في الأسرة، ولا تعارض هيمنته على الكيان الأسريّ، لصالح الأسرة. كما أنها تقف بقوة ضد الجريمة ولا تتهاون في العقوبة، حسب ما يمليه قانونهم الوضعي، فهم من أنصار "العين بالعين" ولذا يدعمون تنفيذ حكم الإعدام (Capital Punishment).

      لكن، في الناحية المقابلة تجد هؤلاء أصحاب عنصرية مقيتة ضد كافة الأقليات في العالم، بما في ذلك السود والعرب والأسيويين واللاتينيين، واليهود! نعم اليهود، إذ تقف جماهيرهم ضد الوجود اليهودي في مناصرة ظاهرة للهتلرية، على عكس قادتهم، الذين لا ينكرون عليهم، وإن كانوا ينكرون عداءهم لليهود في مجامعهم الخاصة، نفاقاً ورعباً من نفوذ اللوبي اليهودي.

      ويأتي مع تلك العنصرية اللعينة، الإيمان بعلو الجنس الأبيض White Supremacy وبحق سيادته على العالم، وهذا يتسق مع العنصرية بطبيعة الحال.

      كذلك فإن هذا يتسق مع السياسة القومية المغلقة التي يؤيدها قادة اليمين، حيث يريدون أن تنسحب أمريكا كقوة دبلوماسية في العالم، وتحاول التركيز على المصلحة الأمريكية الداخلية، دون العناية بأي أحداث تجري في العالم مما يمكنهم المعاونة في حلّها. هذا إلى جانب وقوفهم ضد محاولات التغيير البيئي.

      فاليمين عامة يتحرك تجاه سياسة الحكم المطلق، والغض من المماسة الديموقراطيّة، والأيديولوجية الديماجوجية.

      فإذا نظرنا إلى اليسار "الديموقراطيّ" الليبرالي، نجد العكس فيما يؤيدون وفيما يخالفون.

      فاليسارية الليبرالية تؤمن بالحرية الفردية لحدٍّ أبعد من اليمين، فيرون أن تصرفات الأفراد الخاصة يجب احترامها وقبولها أيّاً كانت، إذ لا قواعد مسبقة أو مبادئ ثابتة في ثقافتهم. فهم يؤيدون حق الشواذ في العلانية وإقامة علاقات زوجية كاملة (!) ولا يلتزمون باعتبار الأسرة مكونة من رجل وامرأة، بل ومن رجل ورجل أو امرأة وامرأة كذلك، لعنهم الله، ويجرّمون المعترض على ذلك. وهم يعتبرون ذلك جزء لا يتجزأ من مبدأ المساواة في الحقوق.

      وكذلك يمنعون عقوبة الإعدام ويعتبرونها وحشية، ويؤيدون حق المرأة في التصرف في جسدها المؤدي إلى حق قرارها في الإجهاض.

      لكنهم، في المقابل، يساوون بين الناس بلا عنصرية (ظاهرة)، على أساس الدين أو العرق أو اللون، ومن ثمّ فهم يؤيدون الهجرة، ويعينون المهاجرين[6]، ويعادون فكرة سيطرة الرجل الأبيض. كما إنهم من المناصرين لفكرة حماية البيئة.

      ومن ناحية السياسة الخارجية فالليبراليون من أنصر الدبلوماسية والتواجد على مسرح الأحداث العالمية دبلوماسياً أكثر من تواجدهم عسكرياً.

      فالناظر إلى هذين الفريقين، يجد كلا منهما وافق الفطرة السوية في جوانب، وخالفها في جوانب أخرى، وكلاهما يخالف الآخر في كلا الناحيتين.

      وهذا نتيجة أن تلك الأيديولوجيات هي من صنع العقل الإنسانيّ القاصر، الذي، قد يصيب الحق في بعض أموره، من حيث إن الله حباه بهذه القدرة المحدودة بالبشرية، لكن تجدها تخالف الفطرة تماماً، وتسئ إلى المعنى الإنساني، ككائن متحضّرٌ مميّز، في أمور أخرى، حيث تسيطر الشهوة والهوى على أحكام العقل.

      أما أمتنا المسلمة، فهي أمة الوسط في كلّ تلك الموضوعات المطروحة. فشريعتنا تمنع العنصرية على أساس عرق أو لون أو دين، ولا تعترف بسيادة جنس على جنس. كما إنها تمنح الحرية الفردية في حدود عدم الإضرار بالوجود الاجتماعي، فتمنع الشذوذ الذي هو مضاد لأي فطرة سوية، وتحافظ على العائلة كوحدة اجتماعية بين رجل وامرأة وأبناء، ولا تسمح بتخريب الفطرة التي فُطر عليها البشر من أن الرجل خُلق مؤهلاً لمعاشرة المرأة، لا رجلٍ مثله، والعكس كذلك، فإن هذا عملٌ ملعون مخالف للنفس السوية، وهو ملعون حتى في إنجيلهم المبدّل. كما أتت الشريعة بضوابط في شأن عملية الإجهاض، فجعلته مروها أساساً، حتى فترة معينة، ثم يحرم بعدها الإجهاض، كما حببت في الإنجاب ومتعة الولد، ومن ذلك تأتي وفرة الثروة البشرية.

      كذلك فإن شريعتنا تؤمن بمساواة العقاب للجريمة "العين بالعين"، وتفرض الحدود، وتقيم السياسة الاقتصادية على أساس حرية الملكية وسياسة السوق المفتوح، لكن مع احتياطات تعكي الحاكم القدرة على ضبط الأسعار ومنع الاستغلال والغرر وغير ذلك من التلاعب بالمستهلك. وتعتني الشريعة بالبيئة وتحرص على نظافة الهواء والماء والطهارة بوجه عام.

      وتعتني الشريعة بالحياة الإنسانية عامة، وتدفع إلى التكافل الاجتماعي، سواء في داخل بلادها أو خارجها. وهناك سوابق لا تُحصى في تاريخنا تدل على احتضان الأقليات المضطهدة في أوروبا المتوحشة.

      لكن واحسرتاه ... فإن المسلمين اليوم لم يأخذوا لا بعقلٍ يميني ولا عقل يساري، ولا بشريعة وسط بينهما. بل انحرف المسلمون عن كلّ معنى من معاني الإنسانية سواء في ضوء الشريعة أو العلمانية العقلانية الغربية.

      يتبع إن شاء الله

      د طارق عبد الحليم

      24 رجب 1442 – 8 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      الجزء الثامن

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (8)

      القوة وحدها لا تكفي أمة أو شعباً أن يقيم نهضة أبدا، وانظر شرقا ترى مثال التتار، وانظر غربا ترى مثال الفايكنج. وكلاهما فتح وغزا وتوسع، لكن دون فكرة عقدية، تنعقد في القلوب، سواء في المسار الدنيوي أو الرسالي الإلهي، كما بيّنا. فلم تنشأ عن تلك القوى إلا اندفاعات غازية لا تُبقي ولا تذر، حتى استُهلكت قواها، ثم خمدت وزالت.

      فأن تنبت النهضة في ظل أيديولوجية الأمة، خاصة الفكرة التوحيدية الإسلامية الصافية، هو أمر طبعيّ، يخرج كما يخرج العسل من بطن النحل، لكن الخيبة تحدث حين لا يُدرك أهل الأمة معنى ما لديهم من أيديولوجية عقدية، أو يحيدوا عنها، أو لا يدركوا أبعادها، كما هو حال أمة المسلمين اليوم، إن صحّ أن يقال إن للمسلمين أمة لا تزال!

      لكن كانت العرب شتات متفرقات وقبائل متناحرات، لا أمة تجمعها، ولا وحدة تصلها ببعضها، إلا اللغة العربية وقوتها، تلك التي صاغت من بعد حركة نهضتها. ثم جاءت الرسالة المحمدية، على صاحبها الحبيب المصطفى أفضل الصلاة وأتم السلام، فرسمت الطريق، وأرست الأيديولوجية التوحيدية الصلبة، ثم أتت بتفاصيل خاصة، وقواعد عامة تحكم مناحي الحياة كلها، وترسم منهجاً في النظر، لاستنباط الأحكام، وتوجيه العقول.  

      قال عمر رضي الله عنه: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله". وهي كلمة حق أريد بها حق، وشهد لها التاريخ.

      وكما قلنا من قبل، فإن معرفة تاريخ الأمة وفهم ذلك التاريخ، خطوة ضرورية هامة في طريق النهضة. ولكنها يجب أن تتم بعقول تحيا في أيامنا هذه، ولا تعيش في التاريخ، وتحاول إعادته حياً كما كان، دون مراعاة ظروف العصر، فإن هذا مستحيل عقلاً. فإن التاريخ، مهما كان مشرقاً، فإنه ملكٌ لأهله، ذهب بذهابهم. وما بقي لنا منه إلا العبرة وفهم القواعد والسبل والعمل بها، لا التفاصيل والجزئيات.

      ومن أغراض هذا البحث، هو شرح تلك الجملة التي سبقت شرحاً وافياً قدر الإمكان.

      فإن النهضة الإسلامية، والطفرة البشرية، التي نشأت في أوائل العصر الثالث الهجري، وامتدت قروناً، عدة، وانتقل مركزها، ومركز العلم إلى بغداد، لؤلؤة العالم في زمانها، ومحظ علمائه، في العلوم والرياضيات والطب والفيزياء وغير ذلك. كما ترعرعت في الأندلس والمغرب العربي الأفريقيّ.

      ونلحظ أنّ تأسيس العقيدة، أو الأيديولوجية، الإسلامية، راسخة في النفوس، هو ما سمح بالتمدد إلى خارج الجزيرة، بهدف نشر تلك الأيدلوجية العقدية النبوية. وهي ما أوقد شعلة الجها..د لحمل تلك الأمانة، أمانة الكلمة الحق، إلى شعوب الدنيا، لا لاستنزاف خيراتها، بل لنشر عقيدتها. وإنما جاءت سبل النهضة وطرائقها كناتجٍ ثانوي جانبيّ، وإن كانت مُنتج ضروري ولازم، بل وطبيعيّ. فإنّ السلف قد وعوا معنى الشريعة، وشموليتها، وتمرسوا بوسائلها ومنهاجها. ولم يكن هناك أيامها مصطلح اسمه "تطبيق الشريعة"، إذ إن هذا كان من بديهيات العقول وأوليات الحياة، فانشغل الناس في الإنتاج، في كافة المجالات، وفي توسعة رقعة النهضة، أفقياً ورأسياً.

      وحين نتحدث عن النهضة الإسلامية فإننا نتحدث عن نهضة علمية، لا في مجال الفقه والأصول والحديث ومصطلحه لا غير. فإن هذا كلّه وإن كان يعالج جوانباً من جوانب الحياة، إلا أنه كان شعلة لتقدم العلوم الطبيعية التي ذكرنا، والتي وإن لم تشملها كتب الفقه خاصة، إلا أنها مشارٌ إلى ضروريتها في بعض فصوله التي كانت تتبدل فيها الفتوى في شأن العقود وطرق الشراكة وغير ذلك، مما يستجد بجدّة وسائل الحياة، ويقوم الفقه بتفصيل ما يحلّ منه وما يحرم، عملاً بمقاصد الشريعة وكلياتها، واستضاءة بجزئياتها وتفاصيلها، فيما سبق من عصور.

      فإنه ليس مما هو خافٍ أن العرب المسلمين قد بدأوا من الصفر الحقيقي، في مجال النهضة المقصودة، عقدياً ودنيوياً، في المقاصد والوسائل. فلما اكتملت لهم فهم المقاصد التي يرشد إليها دين الله ورسالته، وفهموها حقّ فهمها. وجدوا أن هناك رصيد موجود في الأمم الأخرى، من العلوم التي منا ما يصلح لإقامة نهضة ملائمة لمقاصد الشرع، ومنها ما لا يصلح. لكن في غمرة التشوف إلى نقل كل المعارف، تمّ نقل الغث والسمين، بالترجمة عن يونان خاصة في العصر العباسي الأول. وتصدى علماء السنو لبيان ما يصحّ من تلك العلوم الإنسانية خاصة، كالمنطق والفلسفة والميتافيزيقا وأمثالها، مما لا يصح ولا يتسق مع العقيدة الحقة. وعرف ذلك بالحرب على البدع والضلالات، وهو في حقيقته عملية تخيّر ونخلٍ للوارد المُستجد من علوم الأمم الأخرى.

      عرف العرب علوم اليونان وقوانين الفرس والرومان، حيث نقلوها فيما يسمونه العصور الوسطى أو العصور المظلمة في تاريخ أوروبا الوحشي الطبع. وأعانتهم الشريعة على تلك المعرفة، إذ كم من آية في القرآن تبدأ بقوله تعالى "أو لم يروا ...." ففي هذا توجيه فهمه العرب، وهو النظر إلى ملك الله وآياته في الطبيعة وفي الكائن البشري "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" فصلت 53. فهذه الرؤية لا يمكن أن تتم إلا بعين ناظرٍ محقق. فإن لم يوجد الناظر عدمت الرؤية، أو غشي عليها. فامتثل العلماء للشريعة من كلا جانبيها، تشريعا ونهضة حياتية علمية. فكان العلماء الأفذاذ من أمثال ابن خزيمة والثوري ومالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والزهري والأوزاعيّ والليث بن سعد والكبري والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي، وتلامذتهم، والخليل بن أحمد وسيبويه وعثمان بن جني، ثم غيرهم ممن لحق بهم من تلامذتهم وغير تلامذتهم. في القرون بين الثالث والسابع، حيث ظهر ابن قتيبة الغزالي وابن حزم والعز بن عبد السلام والنووي والجويني وابن رشد، ثم ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن عبد الهادي، وعشرات مما لا يحصيهم العدد من الفقهاء العظام والمحدثين ورجال الجرح والتعديل. وقد كانت هذه الناحية من الشريعة لها الأولوية الأولى في الحياة، أدركها المجتمع بفطرته الجمعية، لحفظ أصول الشريعة وفروعها، وينفون عنها الدرن والفساد والبدعة، وإن اختلف بعضهم في ذلك القدر[7]، وإلا فإن النهضة التي قامت خلال ذلك العصر واستمرت قرونا، لم تكن لتجد المرتكز والأيديولوجية الحق، التي تقوم عليها.

      لكننا، مع الأسف، اعتدنا في واقعنا الحاليّ الأليم، المتعثر المتخلف عن كلّ نهضة، والذي خرج من حلبة السباق البشري، منذ أن بدأ التحول في الخلافة العثمانية تجاه استيراد بعض أشكال النهضة، والاستغناء عن الفكرة والأيديولوجية. ومنذ ذلك الزمن، أو قبله بقليل، صار لفظ "العالم" يعني عالم الفقه، أو عالم الحديث، أو الأصول، أو اللغة. وتاه عن ذهن الناس تلك اللائحة الطويلة من "العلماء" من أمثال الحسن بن الهيثم والفارابي والبيروني وابن البيطار وابن البطريق وابن باجة وأبو بكر العطار وجابر ابن حيان وابن خلدون والخوارزمي وابن جبير، وحتى ابن سينا وابن رشد، ومئات من أسماء العلماء الأفذاذ، الذين سلبت حقوق مؤلفاتهم أوروبا، في عصر أسموه عصر النهضة، وبنوا عليها نهضتهم، التي أساسها علم المسلمين خلال عشرة قرون، والذي في أرجاء أمة الإسلام. وقد شاهدت قريبا تصويرا مسجلاً أذهلني ما فيه، إذ مثّل أكثر ما أريده بهذا المقال دون الحاجة لإطالة، وهو عن مخطوطة ابن البيطار الأندلسي الطبية الفذة، التي وضعها في القرن السابع الهجريّ. تكاد تكون معجزة طبية مصبوبة باستخدام تقنية العرب وقتها، وهي اللغة، إذ هي في شكل أرجوزة من 7700 بيتاً! وصف فيها كافة الأمراض المعروفة آنذاك، وأعراضها ووسائل علاجها بدقة متناهية. فانظر كيف صاغ علماً كاملاً باستخدام المُتاح له من وسائل عصره التي تُعتبر تقنيته آنذاك. وكانت أوروبا وقتها في أسوأ عصورها الوسطي المظلمة، لا علمٌ ولا دين، فسبحان القائل "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" آل عمران 140.

      يتبع إن شاء الله تعالى

      د طارق عبد الحليم

      26 رجب 1442 – 10 مارس 2021

      عن تطبيق الشريعة وشروط النهضة

      د طارق عبد الحليم

      الجزء التاسع

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      (9)

      ونلحظ هنا، قبل أن نعلّق على ما سبق، فكرة قبول ما هو متاحٌ لدى الغير من علوم بشروطها، إذ العلم هو نتاجٌ للعقل البشري الذي يملكه الخالق سبحانه، فهو ليس حكراً على أحد.  لم يتم رفض العلوم الواردة بالكلية، ولا أخذها بالكلية، كما زعم الها