فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      في سبيل منهجية جديدة لإعداد شباب التمكين

      (1)

      الفصل الأول

      تقدمة

      إن أخطر الأمور على العمل الإسلاميّ الحركيّ اليوم هم أولئك الذين يتخذهم الشباب المعنيّ بذاك العمل، من رموز وعلماء، يرجعون إليهم في مسائل العلم وطلبه، وفي التوجيه الحركي ووسائله.

      ذلك أن الشباب هم مادة المستقبل، التي يجب الاعتناء بها، وصيانتها من المخاطر الفكرية والحركية، وحسن صياغتها في قوالب سنية بحتة، لا تصْفُ من البدع فحسب، بل وتعرِف كيف يكون التمسك بالسنة، نظرياً وعملياً.

      يجب أن يكون الشباب على علمٍ بكيفية التمييز بين الحق والباطل، فكم من حقٍ رُميَ بباطلٍ فانحرفت عنه الشباب. وكم من باطلٍ تزّين بلباس حق، فاجتمع حوله الشباب، وما ذلك إلا من تقصير العلماء في بيان كيفية الحكم على الأفكار والأشخاص والأحداث، الثلاثيّ، الذي أشار اليه مالك بن نبي، المفكر الجزائريّ. وهي نقطة ضعف خطيرة لدي شباب اليوم.

      فإن قدرات شباب الجيل على استيعاب المواقف المختلفة، ثم تحليلها لعناصرها الأولية، ثم إعادة تركيبها بعد تخليصها من الشوائب والزينة التي تحيط بها، تكاد تكون منعدمة. وهذا هو سبب ما نراه من ظواهر تتمثل في اتباع الكثير من العلماء، لكن هؤلاء الموجهين إما قليلي الغَناء في صياغة العقل العلميّ أو الحركيّ، أو معدوميه! 

      الشباب اليوم يسير بطريق في طلب العلم النظري، يكاد يكون منفصلاً عن الطريق الحركيّ، إلا في نقاط نادرة، تظهر عند الاستشهاد ببعض أدلة هنا أوهناك. لكنّ هذا ليس بمنهج تربية للشباب على الإطلاق، إن أردنا إصلاح الجيل وإعداده للمستقبل، بل وبعثه من تحت ركام الأزمات التي أحاطت به، خاصة في العقدين الأخيرين من الزمن.

      ربما كانت المنهجية العلمية التي سادت في النصف الثاني من القرن السابق هي السبب في هذا الواقع، لكنها تحتاج إلى مراجعة دقيقة لتربط العلم بالعمل، وأقصد بالعمل هنا "الحركة"، من حيث أن مفهوم "العمل" لا يزال في عقول الشباب، بل وكثير من الشيوخ، مرتبط بالتعريفات النظرية التي طرحها السلف، في أضيق نطاق، مثل قولهم "الإيمان علمٌ وعمل" أو "اقتضاء العلم العمل"، وهم يعنون الشطر العباديّ من العمل، أي قيام الليل وحسن الخلق وكثرة التلاوة وسائر ما هو من قبيل العبادات.

      ومعلومٌ سبب هذا القصْر، أو التقصير الحاصل في فهم "العمل" إذ هو تابع لما شاع في المجتمع الإسلاميّ لعدة قرون سابقة، من تفرقة حادة بين العبادات والمعاملات، بين الفقه والحركة، من حيث أن تلك الأخيرة لم تكن مطلوبة أصلاً لوجود الدولة المركزية الإسلامية أولاً، ولانتشار المذهب الصوفي والأشعريّ ثانياً.

      أما اليوم، فإنه يجب أن يُقدّم مفهوم "العمل" بشكل أكثر اتساعاً وشمولاً، يبدأ من أول خطوات تعليم التوحيد والإيمان، الذي هو الأول والأهم في تعليم وتقويم أي جيل من الأجيال.

      إن إعادة النظر في الطرق التي يُقدّم بها الإسلام، للشباب الناشئ، يجب أن تواكب تلك الأحداث التي مرت في الماضي القريب، والاستفادة من تجاربها، وإلا فقد ذهب دماء الشباب عبثاً، سواءً في سوريا أو في ليبيا أو اليمن أو العرق أو غيرها من مواقع الصدام مع النظام العالميّ.

      وباختصار، فإن المرادُ اليوم، هو ربط العلم الشرعيّ بالحركة الإسلامية، وهو ما فعلت ضده الحركات الإسلامية الكبرى المعاصرة، وأقصد بهما التيار الإخواني والتيار الجهاديّ، حيث اتحد كلاهما، على غير ما يظهر، في آلية وتحقيق ربط العلم الشرعي والحركة الإسلامية.

      فقد اتفق التياران على منهجية تقديم الحركة على العلم، ثم اختلفا في موضوع الحركة بعد ذلك. فرأت الإخوان أن تكون الحركة في إطار الأنظمة العلمانية، متواكبة معها، ورأى التيار الجهادي الصدام المباشر مع الأنظمة العالمية، من حيث هي صائل في بلاده، تعيث قتلاً وفساداً في الأرض.

      وقد اختلف التياران في تقديم أهمية العلم "نظرياً". فالحركة الإخوانية، بمفهومها الواسع الشامل لكل من يسير على نهجهم، كحركة النهضة أو ما شابه، لم يجعل للعلم نصيباً إلا أقله وأندره. لكن، كذلك فات الطرف الجهاديّ أن يربط ما يُقدِم من العلم، بالواقع الحركيّ الجهاديّ، فكان سبباً في انهزام وسحق تلك الحركات الجهادية، بدءًا من الحركة الإسلامية في مصر، إلى فصائل المقاومة في الشام، بفارق خمسين عاماً!

      وحين أتحدث عن هذا الربط، فإنني أحمّل العلماء المهتمين بأمر العلم الشرعي والموجهين للحركة الإسلامية معا، أن ينظروا، بعين الخبرة والعلم، في هذا الذي أشرت اليه، والبدء في تطوير منهجيّ، يضع خطوطا عريضة واضحة، تحكم تحصيل العلم وربطه بالعمل الحركيّ، في تلازمٍ متين، يضمن حسن تصرف القيادات الناشئة، والعناصر التابعة، حتى لا تتكرر المأساة التي رأيناها في ساحة الشام على وجه الخصوص.

      والأمر الذي أتحدث فيه هنا أمرُ جدٍّ، لا هزل ولا هامشيّ، بل هو صلب مستقبل الحركة الإسلامية المستقبلية، والتي يجب أن تستفيد مما حدث، وأن يرعاها العلماء القادرون المتصدرون لهذا الأمر.

      والحق أن هؤلاء العلماء ذاتهم، يحتاجون إلى فترة تأمل وتفهم، وعودة للتجارب التي مرّ بها المسلمون في القرن الماضي، لا أن يظلوا سائرين على مناهجهم دون مراجعة أو إعادة هيكلية لمناهج تعليمهم ودوراتهم وشروحهم، لتكون شاملة لحصيلة تلك التجارب.

      وشرح تلك الجمل السابقة يطول. فسنواصل الحديث عن الخطوط العريضة لتلك المنهجية إن شاء الله تعالى.

      (2)

      الفصل الثاني

      أعتبر أن قضية الربط بين التوحيد النظريّ والعمليّ، هي أهم القضايا التي تؤرق الناظر في حال ساحات العمل الإسلاميّ على الجملة. ويليها في الأهمية، عندي، تربية شباب تلك الساحات، لا في الأعمال العبادية فحسب، بل وفي التصرفات حيال الأزمات، التعاملات مع الغير، وتقويم النظر في الثلاثيّ الذي ذكرنا، ونقصد به الأشخاص والأفكار والأحداث.

      وهاتان النقطتان هما ما سنحاول أن نبني بهما ذلك القالب الفكريّ الذي يجب، حسب ما أرى، أن يصب فيه علم الشباب، فتتحد فيه وجهات نظرهم، ووجهة عملهم، ما أمكن للبشر أن يتفقوا!

      أولاً: التوحيد النظريّ والعمليّ:

      مما لا شك فيه أن غرس مفهوم التوحيد، بكل تفاصيله وأدلته، ربوبية وألوهية، ومفهوم الشرك ونواقض التوحيد، سواء في الشرائع والشعائر، وضبط ما يحكم ما يدور حوله من تفاصيل فقهية كحكم المرتد، وأحكام الديار ومثلها. وهو ما نقصد بالتوحيد النظري.  

      وهذا التوجيه ثابت لا يتغير، على مرّ العصور والدهور. فهو الحقيقة الأصيلة في الكون وفي حياة البشر، لا حقيقة أعلى منها، ولا أهم.

      لكنّ ما تعلمناه، من تجارب ومحن، خاصة في العقود القليلة السابقة، أن الحديث عن التوحيد، يختلف عن الحياة بالتوحيد، الفرق شاسع بيّن

      ها هم من ادّعو السلفية، وأطلق الناس عليهم "السلفية العلمية"، ومنهم العبد الضيف في كتابي الذي خرج بطبعتيه الإنجليزية ثم العربية بعنوان "فتنة أدعياء السلفية وانحرافاتهم"، ظلوا يعلمون التوحيد أجيالاً بعد أجيال، ربوبية وألوهية وأسماء وصفات، لم ينقصوا منه شيئا. لكن ماذا كانت النتيجة؟ انهاروا عند أول اختبار للتوحيد العمليّ، وخرج من جعبتهم البرهامي ورسلان ومحمد حسان، وسائر المنافقين الخُلّص، الذين مرقوا عن دين الله، بلا مماراة في الفوق! فما نفعهم توحيدهم!

      لكن كانت هناك مجموعات أخرى، أشرف على تربيته شيوخ، عرفوا الفرق بين النظر والعمل، بين تحقق القلب وتحرك الإرادة، فكان منهاجهم في غرس التوحيد، مرتبطاً بدفعة عملية، تنزله، بكافة قضاياه على الواقع، ولا تخشى عاقبة ذلك، بلا مجاملة ولا مداراة ولا تصنع ولا اجتزاء، كما فعل العلماء من أيام العلامة المودودي، الأستاذ الشهيد، نحسبه، سيد قطب، وتلامذته الشيخ عبد المجيد الشاذلي ومجموعته، ثم في الجيل التالي لهؤلاء ظهر الشيخ المقدسي، والشيخ السباعي وغيرهما ممن له يد في هذا الأمر، ممن تصدى لغرس التوحيد العمليّ بصورة واضحة صريحة.

      وتدريس هذا التوحيد يمكن أن يكون من الكتب المعروفة في هذا الباب، وهي كثيرة.

      وهناك بعض أمور تتعلق بتقديم الإسلام للشباب، سواء جانب التوحيد أو جانب الإيما نختصرها فيما يلي:

      ·      لابد من أن يُقدم الإسلام للشباب بصورة كاملة صحيحة غير منقوصة ولا مبتورة بأي شكلٍ من الأشكال.

      ·      أن يكون هناك مراعاة للجانب الأمني في هذا التقديم، فمثلاً لا يبدأ الشارح بالحديث عن أمور غير مطروحة عملياً، كجهاد الطلب، لكن يكون ذكر مثل هذه المواضيع في غاية الاختصار، مع ربطها بسبب ذلك الاختصار. ويمكن بيانها إبان تدريس مادة أخرى مثل السيرة أو التاريخ.

      ·      أن يناسب الطرح المُقدّم للتوحيد شريحة الأعمار التي يُقدم لها. وهذا يستدعي إيجاد شرائح عمرية، تراعي فرق التطور الذهني للمُتلقي.

      ·      أن يكون الطرح ملائما للبيئة المطروح فيها. وهذه من أهم النقاط على الإطلاق. فالطرح لساكني الشرق غير الطرح لساكني الغرب، من حيث أن مسلمي الغرب قد أتّرت فيهم الحضارة الغربية، شئنا أو أبينا.

      ·      التجديد في وسائل الطرح: وأعنى به أن يكون الطرح مواكباً للتطور العلميّ الذي خطته البشرية، فيعمل الشارح على أن يربط المعنى بالحقائق العلمية الثابتة، والمتعارف عليها، مثل كروية الأرض ودوران الكواكب حول الشمس، وما توصل اليه العلم من موضوع بدء الخلق .. وهلم جرا.

      ·      وهذا لا يعني تقديم الإسلام العلمي أو محاولة استنباط حقائق العلم من القرآن. بل على العكس، يجب دائما أن يكون التركيز على أن الإسلام هو المرجعية، لا العلم .. وإنما الاستشهاد للاستئناس لا غير.

      التوحيد العمليّ أو الحركيّ:

      وهو ما أعنى به مناقشة حقائق الأوضاع القائمة، بعد بناء التوحيد النظريّ بشكلٍ متين. فيقوم الشارح بربط الفكرة الديموقراطية البرلمانية الغربية مع حقيقة شورى الإسلام. ثم ربط البناء الاقتصادي والاجتماعي على أيديولوجيته العلمانية، وربط النظام الاقتصادي والاجتماعي في الإسلام بالتوحيد، كقاعدته الوحيدة. مع ضرب أمثلة تبين أنه لا يمكن الخلط بين النظامين، في مجتمع إسلاميّ على وجه الإطلاق. فهما لا يتمازجان، فإما إسلام أو كفر.

      كما يبين للشباب أن هذا لا يعنى عدم التعايش مع أهل الكتاب أو غيرهم، سواء في مرحلة الاستضعاف التي يمر بها العالم الإسلاميّ، أو في حالة التمكين، حين يأذن به الله سبحانه. ويبين للطالب أن هذا التعايش هو ما حدث منذ عهد النبوة إلى أن سقطت الخلافة. وإنما النقطة هنا أن يبين لهم مواطن الإتلاف، ومواطن الاختلاف، ما يمكن أن نتعايش بصدده وما لا يمكن، ما هو مقبول "في الإسلام" أن تتقبله أقلية خارج المجتمع الإسلاميّ، حين يقوم، وما لا يمكن أن تتقبله.

      وهذا التطبيق يجب أن يراعى فيه أموراً عدة، كما سبق أن بيّنا في طرح التوحيد النظريّ، منها البيئة والعمر ومستويات الفهم، والجنس. واختلاف الجنس بين الرجال والنساء في هذا الجانب مؤثر أكثر منه في الجانب النظريّ، نظراً لاختلاف دور كلا منهماً في البناء الاجتماعي الإسلامي، وطبيعة الوظيفة المقررة له، فطرة وعقلا وشرعا.

      وفي هذا الصدد، يجب أن نبيّن أن فكرة " الجماعة" بمعناها اللغويّ، لا الاصطلاحيّ، تقع في القلب من ضمان تحقق التوحيد العمليّ. وأقصد بالجماعة هي ألا ينطوي الفرد على نفسه، بل يكون وسط "مجموعة" من الشباب الذين يشاركون بعضهم البعض في الإسلام، وفي تعلم وتطبيق معنى الولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما بينهم، والدعوة، خارج مجموعتهم.

      وأكرر هنا، أن الأمر ليس كما سارت عليه الإخوان، أو غيرهم، من تنظيم خلايا تأتمر بأمير، في صورة هرمية. بل هي أقرب ما تكون لمعنى "الرفقاء" أو "الأصحاب". وليس في هذا عيب، إذ أنه مأخوذ من تسمية الصحابة رضي الله عنهم. وهذا ما نختلف فيه عن تلك التجارب السابقة التي أثبتت فشلاً ذريعاً، تحقيق النتائج النهائية، وإن كان لها أثر في تحقيق بعض المكتسبات المرحلية.

      الفصل الثالث

      حين نتحدث عن توجيه المعلم لطلبة العلم، فإننا نتحدث عن طرفين، طرف إلقاء وطرف تلقي، وكلاهما يجب أن تكتمل فيه الشروط التي تجعل الدرس نافعا مفيداً. فعملية التعليم عملية تبادلية، لا تصلح إلا بصلاح طرفيها. وقد يصلح الطرفان، ثم لا تكون نتيجة مثمرة، لسبب من الأسباب كما سنذكر إن شاء الله.

      المعلم – طرفُ الإلقاء

      هناك شروط يجب أن تتوفر في الطرف المُعَلِم لتتم عملية التبادل العلمي بشكل ناجح. وقد تعرض لها عدد من العلماء في كتب خاصة، مثل الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، وآداب العالم والمتعلم للنووي، وما جاء في كتب الأصول من آداب المفتى والمستفتي في باب الاجتهاد.

      وقبل الشروع في ذكر ما ورد على ذهني منها، أود أن أوجه كلمة إلى علمائنا الأفاضل، إذ إن الأغلبية العظمى من العلماء والمشايخ، طهرة اليد من عطايا الحكام، والأرجل من وطأة بلاط السلطان، تجدهم يدورون بعلمهم بين طلبة العلم، يقدمون المادة التي دونها سلفنا، كما ألقوها على تلامذتهم، منذ قرونا عدة! فتجدهم يشرحون المتون، ويعملون على قراءة الشروح، والحواشي، ويدللون بها على وقائع محدثة، قد تُخالف ما وجدوه في كتب السلف، فيعملوا بما هو قريب منه أو ما تظهر فيه صلة شبه.

      وهذا ما أريد أن أتوجه بشأنه إلى علمائنا ومشايخنا، أنهم طالما استوعبوا العلم، وشربوا من بحره الزاخر، وتضلعوا في أصول فقهه، وفي فروعه، وقارنوا أقوال الفقهاء، وما بنيّ على اختلاف الأصول من أقوال، فلابد إذن أن يكونوا قد صاروا من أصحاب الفطرة الشرعية النابهة، والتي صار لها العلم طبعاً ووصفاً لاصقاً، كما وصف الإمام الشاطبي.

      من ثم فإنهم يجب أن يوجهوا شباب اليوم، إلى درس ما يفيد، وأن يقوموا على تدريسه، لا مجرد شرح كتاب أو حواشيه، بل يضعون في الدرس من روحهم واستيعابهم واستقرائهم ما يناسب ذاك الشباب في هذا الزمان. فلا يقرؤون عليهم ما لن يستخدمونه بأي حال، ولن يرد عليهم بحال، لا لشيء إلا لأنه من كتب الإمام فلان في الموضوع الفلانيّ، سواء في علوم الأصول كمبادئ علم الكلام، وكبعض الفروع التي لا خير فيها مثل الحيلة السريجية. بل يكون درسهم فيما يرونه مقدما، وخادماً بين يدي التعامل مع الواقع، لتحصيل مقصد الشريعة.

      ثم إن تلك الشروط التي أشرنا اليها:

      يمكن إثبات قدرٍ منها ها هنا، فمنها،

      1.     أن يكون المُعلم مستوفياً لشروط الاجتهاد في العلم الذي يقوم بتدريسه، على حسب درجته كما بيّنا من قبل. فإن لم يوجد من هو أعلى درجة، تعيّن على الأقل التعليم، حتى لا يندرس العلم رأساً.

      2.     أن يكون المُعلم ممن حاز القدرة على الوصول لعقول المتعلمين، فكم من أصحاب علم، لا قدرة لهم على التعليم، الذي هو موهبة قائمة بذاتها. فإن تصدى من لم يحز على موهبة نقل العلم، كان ضرّه أكبر من نفعه من حيث يؤدى إلى الاضطراب الموقع في الشك.

      3.     أن يكون بشوشاً صبوراً، مع شدة في مقابلة التميع واللعب والاستهزاء، لا يسمح بها في مجلسه، كما روي عن مالك رضي الله عنه. 

      4.     أن يُقبل على طلبته بكلّ نفسه، فلا يرون منه تشتت في الانتباه، أو تحيراً في السرد.

      5.     أن يكون له حضور وشخصية متميزة، ليكون قبول كلامه أولى عند المتعلم

      6.     أن يُقّدم من يجده أقل فهما للمسألة، فلا يتجاوزها حتى يفهمها الأقل فهماً.

      7.     ألا يسمح بمقاطعته أثناء إلقاء الدرس بأي حال من الأحوال، إلا لصلاة حان وقتها.

      8.     أن يداوم النظر في الكتب، ولا يتركها معتمداً على ذاكرته، فالذاكرة تخون في كثير من الأحيان.

      9.     أن لا يستحي من الرجوع لطلبته لتصحيح معلومة نقلها خطأ أو سهواً، حتى لا يلتزمونها، فيقع إثمها عليه.

      10.  أن يبدأ الدرس بسرد ملخص، ولو موجز، لما سبق من الدرس السابق، لينعش الذاكرة، ويصل الموضوع بعضه ببعض.

      11.  أن يأتي بالدليل، حيثما قدر ما أمكنه ذلك، وإلا فليُحِل الطالب إلى كتاب أو مرجع يجد فيه الدليل.

      12.  ألا يُخفي من العلم شيئاً، إلا أن يكون لم يحن حينه، أو لم يكن مكانه، سواء لداع أمنيّ أو غيره. بل يتلطف بالأمر حتى يصل المعنى إلى الطالب فلا يكون علمه خداجاً.

      13.  أن يشجّع طلبته على أن يدونوا ما يسمعوا ولو اختزالاً، فاستعمال القلم يثبت المعلومة في العقل أكثر من سماعها.

      14.  ألا يكون جافا صارما طوال مجلسه، بل يتعهد طلبته بالتفكه حينا، أو برواية شعر أو حكاية، حينا آخر، حتى لا يقع في نفوسهم الملل والضجر.

      15.  أن يكرر المعلومة ثلاث مرات على الأقل، كفعل رسول الله ﷺ، لتبثت في الأذهان.

      16.  ألا يستحى إن سؤل سؤالاً لم يعرف إجابته لتوه، أن يُنظر السائل حتى يعود اليه بالجواب.

      17.  ألا يدخل قاعة الدرس إلا مستعداُ بأوراقه، أو في حافظته، وأن يدخل وقوراً مهيباً ليحفظ للعلم مكانه في النفوس.

      18.  ألا يجعل الطلبة يشتغلون بمأكل أو مشرب أثناء الدرس بأي حال من الأحوال، حتى لا يستهينوا بقدر العلم.

      19.  أن يبدو حسن المظهر والملبس، نظيف، لا تخرج منه رائحة مؤذية، وكلّ هذا من الحرص على هيبة العلم.

      20.  ألا يسمح باختلاط في مجلسه، أو بحضور سافرة، فتؤذي الطلبة وتفتنهم عن درسهم.

      21.  ألا يواجه النساء، إن كان درسه للنساء، مباشرة، بل يكونوا إلى جانب منه، منعا للحرج والانشغال وقطعاً لطريق الشيطان.

      22.  ألا يدخل إلى درس غاضبا مضطرب النفس، مشوش الفكر، بل يجب أن يراعي حالته النفسية التي تنعكس على جودة أدائه.

      23.  أن يحرص على إعطاء أمثلة مما يشرح، تكون من واقع الحال الذي يعيشه المتعلم، لا أمثلة لم تعد تطرق سمعا ولا تحصل واقعاً.

      24.  أن يكون ممن يحسن قراءة الأحداث، دون تعصب ولا حزبية.

      25.  أن يكون ممن يحسن قراءة الأشخاص، ونفسياتهم، والاستدلال على ما في بواطنهم بتصرفاتهم، فلا يسير وراء كلّ ناعق، يجرّ خلفه طابوراً من الطلبة النعاج، ولنا في أمثال المدخلي وياسر برهامي وأبو بكر البغدادي عبرة لمن اعتبر.

      26.  أن يبدأ بصغار العلم وأوائل المسائل، حتى لا يفجأ الطالب بما يوئسه من الطلب.

      27.  والأهم، هو أن يتقى الله، ويُخلص له النيّة في عمله، وفيمن يعلمهم، وليكن على قدر مفهوم الآية " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ "

      الطرف المتلقي – المُتَعلم

      أما عن آداب المتعلم، فهي كثيرة، نذكر منها:

      1.     أن يكون إقباله على العلم، تقوى لله وحرصاً على معرفة دينه، لا ابتغاء سمعة أو شهرة أو مال.

      2.     أن يعرف قدره من العلم، حتى لا يتجاسر على ما ليس له به علم.

      3.     أن يبدأ طريق العلم من أوله، ولا يقفز فيه خطوات، يريد أن يختصر الطريق، فهذا المسلك هو أسرع الطرق إلى صنع الرويبضة.

      4.     أن يسير في العلم على منهج خاص، مرتب، موضوع من قبل أصحاب علم أكبر منه وأسبق، حتى لا يتحير، فينحرف دون أن يعرف.

      5.     أن يكون ملازماً لمن يراه أهلاً للملازمة، في العلم والدين والخلق. سواء كان أستاذاً أو زميلا مرافقا

      6.     أن يحرص على الرفقة، فإنما يأكل الذئب القاصية. وأن يتخيرهم ممن هم على دربه، فهم مرآته المُبيّنة.

      7.     أن لا يترك العلم فترات متطاولة، فالعلم كرائحة العطر الجميل، إن لم تغذيها بالمزيد، زالت!

      8.     أن يكون متبصراً بالواقع، على ما هو عليه، وأن يحرص على السؤال المفيد، دون المجادلة، فجدال المعلم، خسارة في الدنيا والآخرة.

      9.     أن يفرق بين صيغة السؤال وصيغة الجدال. السؤال يكون طلبا للمعرفة، والجدال يكون طلباً للمخاصمة.

      10.  أن يكون لبقاً في صياغة أسئلته، حتى لا يضطر مُعلِمه إلى الإعادة، لعدم وضوح السؤال.

      11.  ألا يتعود مقاطعة مُعلِمه، حتى لو عرف ما سيأتي من قول، فللآخرين حق المتابعة دون مقاطعة.

      12.  ألا يفرّق في معاملة طلبته، فإن ذلك يورث غيرة تشغل عقل المتعلم، وتمنعه من الاستفادة.

      13.  أن يحضر إلى الدرس في ملبس حسن، ونفسية مستقرة، حتى لا يعكس سوء حاله على غيره.

      14.  أن يُراجع الدرس السابق قبل الحضور لدرس جديد، فيصير التواصل بين المعاني في ذهنه، فتكمل الفائدة.

      15.  ألا يسرح بفكره في الدرس، أو يخاطب من يليه، ولو همساً، فإن هذا عيب من أشد العيوب التي تصنع فجوة بين المُعَلم والمتعلم، كما أنها من سوء الأدب وقلة احترام العلم.

      16.  ألا يسبق بالقول بين يدي معلمه، فينطق بما على لسانه، فيقع للمعلم انقطاع ذهن وتلعثم قول. وهذا من أهم أسباب انقطاع المعلم عن الطالب.

      17.  أن يتواضع في نفسه كلما تقدم في العلم، من حيث أنه يرى في كل درس أن بحر العلم لا يُدرك قاعه، فإن طالب العلم النجيب يعرف ما بقيَ عليه من تحصيل، وتتفتح أمامه أبواب يدرك معها أنه لا يزال على شاطئ، لم يُبحر فيه بعد.

      18.  أن يبدأ التدرب على الإنتاج، إن كان من أهل الإنتاج، وجاء وقته. وأن يعرض ما يسطر على معلمه ليصحح له القالب والمعنى.

      19.  ألا يتعالم على غيره بما حصّل فإن الغرور هو سلاح الشيطان، ولا يتحدث بعلم تعلمه قبل أن يستأذن فيه معلمَه.

      ثم نصل إلى تلك المعارف والنقاط الأساسية التي يجب أن يحصلها شباب التمكين، سواء شرعية أو فقهية أو قاعدية، أو عقلية.

      الفصل الرابع

      هناك نقاط ثابتة راسخة، يعمل من خلالها العمل الواعي على أن يقيّم الدليل، ثم الواقع المحيط، ليصل إلى أفضل الحلول الممكنة للوصل إلى الهدف المنشود. وهذه النقاط، كما ذكرنا، منها عقديّ أو فقهيّ أو تقعيدي أو عقلي. وكلها تنبع من مشكاة واحدة، ألا وهي المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله ﷺ كما ورد في الحديث الصحيح.

      وهذه النقاط هي التي تضبط الفكر السنيّ، وتوجهه نحو بناء منظومة متكاملة

      1. القلب المتعلق بالإيمان
      2. العقل المتشوف للمعرفة
      3. مصاحبة العالم الرباني
      4. الصبر على التلقي
      5. تمييز الضرورات عن الحاجيات، وترتيب الأولويات
      6. عدم اليأس حين مرور ساعات العسرة – ساعات العسرة الشخصية والاجتماعية
      7. فهم قوة العقل الجمعي لا الفردي والقدرة على العمل الجماعي
      8. العمل الجماعي لا يلغي التفرد الذاتيّ والاستقلالية
      9. نفي التعصب والتحزب وتحرى الحق
      10. التخلص من الحسد والكفّ عن النظر لما في أيدي الآخرين
      11. تمييز الامتحان والابتلاء، من العقاب والجزاء
      12. البراءة من حب الرياسة والتسلط والتعالم – مع التطلع لخدمة المجموع
      13. الإحساس بآلام الأمة
      14. حسن التوفيق بين العمل العلمي والدعوى والحركي والشخصي
      15. تحديد مناحي القوة والضعف في حياتك وشخصيتك وقدراتك، لتتعامل مع الواقع بشكل لا يؤدي لضرر لك أو لمن حولك.
      16. الولاء دائما لمن تبع دينك
      17. العمل الدؤوب على الاستقلال في الدخل وعدم الاعتماد على دخل من الدعوة إلى الله.
      18. الالتزام بعدد من القواعد الشرعية الأصولية والعقلية التي يتعرض لها المسلم بشكل دائم، للتمييز بين الحق والباطل، والمبينة، قدر الإمكان، فيما يأتي
        • العمل بالظاهر هو الأصل
        • الأمور تعتبر بمقاصدها
        • العبرة بالمعاني لا بالمباني
        • التمييز بين البنود الثلاثة السابقة
        • يؤخذ الكلام على قصد القائل إلا في الحلف أمام القاضي
        • اليقين لا يرتفع بالشك
        • الغاية لا تبرر الوسيلة
        • المصلحة المعتبرة هي ما توافق الشرع، لا ما أفرز العقل وحده
        • الضرورات تبيح المحظورات ومعناها
        • الضرورة تقدّر بقدرها
        • الحاجة التي تعمّ تنزّل منزلة الضرورة
        • لا تصح فتوى العاميّ وإن وافقت الحق
        • لا يصح تطبيق حكم شرعي في مسألة خاصة حتى تصدر بها فتوى من عالم مختص
        • اعتبار مقاصد الشريعة لا يُعتبر إلا من جهة عالم مختص.
        • منع الضرر بإطلاق
        • دفع الضرر مُقدّم على جلب المصلحة
        • الأخذ بأدنى المفسدتين، وبأعلى المصلحتين
        • الاعتبار يقوم بالجمع بين المتماثلات والتفرقة بين المختلفات
        • النادر ليس له حكم في الشرع
        • الطاعة لا تكون إلا في معروف
        • من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه
        • مراعاة السنن الكونية والشرعية الاجتماعية
        • مراعاة الفرق بين المُمكن، والمُحتمل، والمقدور عليه
        • الأحكام الشرعية في مقابل الأحكام الوضعية
        • الفرق بين الشورى والديموقراطية
        • حق الفرد وحق المجتمع، أو أيهما أولى المصلحة العامة أم المصلحة الخاصة؟

      ذلك هو المخطط الذي ارتضيناه لبناء شخصية مسلمة قوية متعلمة، سلاحها الإيمان، وذخيرتها العلم ودافعها رضاء الله سبحانه والجنّة.

      والأمر، كما هو واضح بيّن، ليس بالسهل الهيّن، ولا بالعسير المتعذر. بل يتوقف على مدى قدرة العالم وطالب العلم على الإلقاء والتلقي، الشرح والاستيعاب، ثم الهمة والعزيمة التي لا تملّ ولا تكلّ.

      فخذوها ممن خبرها عقوداً خمسة، الهمة، في كلّ أمر، هي مفتاح النجاح. 

      وقد يكون هناك مزيد من النقاط التي يجب اعتبارها في سبيل بناء تلك الشخصية.

      وسنأتي على كل نقطة مما ذكرنا بشرح، نحاول فيه البسيط لا البسط، قدر الإمكان.

      الفصل الخامس

      بناء الشخصية المسلمة

      النقاط التي تضبط الفكر السنيّ، وتوجهه نحو بناء منظومة متكاملة

      1. القلب المتعلق بالإيمان
        1. وتعلق القب بالإيمان ورسوخ التوحيد فيه هو أول الواجبات الشرعية، في كل وقت ومكان وحال "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ. فالتوحيد هو قاعدة هذا الدين، والفرائض الهمس هم أعمدته، والأحكام الشرعية بعد ذلك كلها هي حجارة البنيان، تُرصّ فوق قاعته، وتمسك بها أعمدته. لذلك لا ينهدم البنيان بغياب بعض حجارته، فهي كالمعاصي، لا تهدم التوحيد. فإن انتزعت كل الحجارة، وبقيت الأعمدة والقاعدة، ظل البناء قائماً، خاويا، لا يصلح لا يصلح لسكنى. فإن انهارت الأعمدة، لم يظل بنياناً، ولا يعلم أحداً إن كانت القواعد قد سلمت أم لم تسلم، فإن تزلزلت القواعد، لم يعد هناك مبنى ولا شبه مبنى!
        2. والتوحيد لا يستقم في قلب العبد حتى يُنتزع منه الشرك الأكبر كافة، بكل أنواعه، فحين يخلو القلب من الشرك، يحلّ محله التوحيد. فهما لا يجامعان لحظة في قلب العبد. إما شرك وإما توحيد.
        3. والتوحيد هو إخلاص الطاعة لله وحده في كلّ شؤون الحياة، ومجالاتها، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا وقانونيا وثقافيا، وكل ما يفرّق جنس الإنسان عن الحيوان. فالحكم في حياة الناس، بكلّ معانيه مصدره كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اشتّق منهما من أدلة وقواعد.
        4. وقد جعل الله للتوحيد عنوان، يجب أن يطابق ما في القلب من طاعة ومقتضى وتسليم، "لا إله إلا الله". لكن الكلمة وحدها، كما سنبين، لا يكون لها مدلول إلا إن حملت معنى ومبنى، لا حرفا وكلمة. فمن تلفظ بالكلمة وخالف مقتضاها، عالما غير جاهل، مُكلفا عاقلا، فيما هو من قواعد التوحيد، لم تُغنه من الله شيئا.
        5. فالتوحيد هو الطاعة، وهي مقتضى العبادة لله وحده. بالتسليم لأمره والكف عن نهيه. وهذا لا يكون حتى يُبنى التصور الصحيح لصفات الله العُلى وأسمائه الحسنى. ومذهب أهل السنة في ذلك سهل ميسر، إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. فنخن نثبت الصفة كما جاءت، لكن لا نعرف كيفيتها، فنثبت السمع بلا كيف والبصر بلا كيف واليد بلا كيف، وهذا في كل صفات الله تعالى. ونحن ننزه الله سبحانه عن الخلق وعن كل ما يمكن أن يصدر عن العقل من تصوّر له سبحانه، لكن دون أن نزعم أن هناك صفات أثبتها الله لنفسه في كتابه، ليست بثابتة له، بل إما أن نأوّلها أو نعطلها! وهذا مخرج البدع والأهواء.
        6. والتوحيد، كما ذكرنا، يستلزم ترك الشرك الأكبر كله. وهذ يعنى، حسب النصّ القرآنيّ، الكفر بالطاغوت. والطاغوت هو كلّ ما، أو من للعاقل وغير العاقل، نازع الله في سطوته على الناس وألوهيته فوقهم. فمن أشكال الطاغوت، كل ما اتخذه الناس طاغوتا من شجر أو حجر أو وثنٍ، يقدمون لها القرابين تزلفا، حتى لو كان التزلف مقصودا به الوساطة لله، قال تعالى حكاية عن الكفار "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ". فلا زلفى إلى الله بشرك. بل بالعمل الصالح، ودعاء الأحياء من الصالحين، أو دعاء الولد لأبويه.
        7. كما أن الطاغوت هو كل من يعطي لنفسه السلطة، أو يخوّله غيره، ليشرّع أحكاماً غير أحكام الله تعالى، التي وردت في كتابه، وثبتت بصحيح حديثه وسنة رسوله ﷺ، وما استُنبط منها بدليل من الأدلة الثابتة المتفق عليها. فهذا التشريع، هز نزع لسلطة الله تعالى، حيث يقول "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ"، وقال تعالى "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، وقوله تعالى "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ " فحذر من بعض الأتباع، كما حذر من كلّه، وكثير غير ذلك من الآيات، يجدها القارئ في مظانها، تثبت الحكم لله، وتنزعه عمن وعما عداه.
        8. كذلك فإن التوحيد يلازمه الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والولاء يعني المناصرة، وسنتوسع في ذكره في النقطة رقم (17) إن شاء الله.
        9. والإسلام والتوحيد، متلازمان، وهما دين الأنبياء جميعا، لا دين لهم غيره، فقد جاء في سورة هود "وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ " وردت بنصّها على لسان كافة الأنبياء عليهم السلام.
        10. كما أنه لا يوجد إسلام بدون إيمان، ولا إيمان بدون إسلام. فكلاهما مكمّل لبعضه البعض. والقاعة في التفريق بينهما هي أنه إذا ورد النص بالإسلام وحجه، فهو عمل الظاهر والقلب، وإن ورد الإيمان وحده، فهو كذلك عمل الزاهر والقلب، فإن اجتمعا في نصٍ، كان الإسلام هو الزاهر، والإيمان هو العمل الباطن في القلب.              
      2. العقل المتشوف للمعرفة
        1. وأمر التشوف للمعرفة من أهم ضرورات حيازة العلم، واستيعابه. فقد رأينا أجيالاً، خاصة في أيامنا هذه، خاصة في زمن الحواسيب، وما رأيناه من تأثير سلبيّ على الساحة الشامية خاصة، رأينا أجيالاً تكره القراءة، ولا تقدر عليها، وتحسب أن قراءة الجمل المتطايرة من هنا وهناك، والنص العابر هنا وهناك، هو معرفة كافية لحصول العلم. وهذا من أكبر الخطأ وأفحشه. فطالب العلم يجب أن يكون شغوفاً بالمعرفة في ذاتها، محباً للاطلاع، متنوعاً في معارفه. وهذا التشوف أمرٌ طبعيّ، لكن يجب تعهده باستمرار القراءة، وحيازة الكتاب، ومحبته. فالكتاب هو مصدر التلقي للمعارف، لهذا جعل الله سبحانه معجزة نبيه ﷺ كتابٌ مقروء، وقال تعالى في أول لفظة فيه "اقرأ".
        2. واقتناء الكتب، لا يجب أن يكون زينة للبيوت، يُظهر بها المرء نفسه بمظهر العارف، بل يجب أن يكون اقتناءً للتحصيل، واهتماما بالمعرفة. فالمعرفة، لذة في حدّ ذاتها، تحصل للقارئ حين يتعهد نفسه بالقراءة والتحصيل. والفرق أنّ المعارف الشرعية يجب أن تكون مصحوبة بالنية للعمل بها، حتى تتم فائدتها. كما أن المعرفة كالأكل والشراب، يتشوق الإنسان لها إن تركها فترة قد تطول وتقصر، حسب شغف المتعلم بها. ولعلك ترى أناساً يمر عليهم دهراً لم يفتحوا كتاباً قط. ومع ذلك تراهم في مجالسهم يتحاورون ويتناقشون ويدلون بآرائهم، فتعجب، من أين يأتي الصواب في قول هؤلاء، وكيف الثقة فيما يقولون، وكيف يرى المرء منهم نفسه حين يخلو بها، يعلم أنها خواء من داخلها! فسبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم.
        3. وهذا الشغف بالمعرفة، يستمر مع المتعلم طوال حياته، لا يفارقه، لكنه يتغير بتغير مراحل حياته. فيبدأ بلون من المعارف العامة، ثم كلما مرّ به الزمن، وجد في نفسه شغفاً بعلم معيّن، فتراه يحرص على اقتناء كتبه، والاطلاع فيها أكثر من بقية العلوم. ثم في وقت لاحق، إن مان من أهل القلم، يبدأ في التلخيص، ثم الشرح والتعليق، ثم التدوين والتحقيق. مراحل يمر بها المتعلم في عمره، لا يكاد يخطئها أحد، أو لا تكاد تُخطئ أحداً. 
      3. مصاحبة العالم الرباني
        1. ولعل الكثير من الشباب لم يحظ بشرف التعارف على، أو مصاحبة عالمٍ ربانيّ، لأسباب عدة، منها ندرة العلماء في قرننا هذا، واختلاف مشاربهم، ونمط الحياة المتسارع، وكثرة الاحتياجات المعيشية التي تمنع المتعلم من قصد العالم.
        2. وفوائد التعرف على العالم أو مصاحبته إن أمكن، هو الاستدلال على صحة الطريق من تلك المصاحبة، وقلة احتمال الخطأ، أو تصحيحه قبل الرسوخ في العقل، وتجنب البدع، وتحديد ما يلزم للمتعلم خاصة من كتب يعينها له معلمه، حسب ما يرى فيه من قدرات وتوجهات. كما أن تلك المصاحبة، تعين على النفس التي تدفع بالمتعلم إلى التكاسل، خجلاً من معلمه، خاصة لو كان اللقاء في مجموعة من المتعلمين. كذلك تفيد في توجيه المتعلم في أمور تُشكل عليه خاصة، قد لا تكون لها أهمية عند غيره.
        3. وصحبة العالم، تؤدى إلى حسن الخلق من احترام الكبير وتوقيره، وتقدير قيمة العلم، خاصة لو كان العالم من الجاهدين في العمل بجانب العلم. كما يعين تلك المصاحبة على كشف أسرار ما قد يكون مغلقاً في بعض الكتب المتخصصة.
        4. والعلاقة بين العالم والمتعلم هي علاقة من لون خاص، فيها من علاقة الأب بابنه، مع التوسع من المتعلم مع معلمه، فهو يرى فيه قدوة، يحتذي بها في سيره، ويلوذ بها إن تعثر في الطريق.
        5. لكن هذه العلاقة يجب أن تكون محكومة بالشرع، فقد وقعت الصوفية، وغيرهم من طرق الباطل، في تضخيم قدر "الشيخ" في عين "المريد" حتى صار الأمر أقرب للتقديس، حتى إن أمره بطلاق امرأته لطلقها، فإن من اعرض انطرد! وهذه مهانة ومذلة لنفس المتعلم، لا يخرج منها إلا الجهل والهوان والانكسار لغير الله. واتباع الشيخ لا يكون إلا فيما وافق الشرع وأقره العقل، فلو طلب منه الخروج للصحراء بلا زاد ولا ماء، فخرج، فقد أثم وعصى الله في نفسه.

      ولجلسة العلم مهابة وأسساً يجب أن يتّبعها المتعلم، فيجب على المتعلم الدخول للحلقة منتبها، متشوقاً، وأن يكون حسن الرائحة لعد إيذاء من حوله، وأن يأتي في موعد البدء لمنع اضطراب الحلقة، ولا يجب عليه كثرة الالتفات حوله، أو الحديث مع من بجواره ولو همساً، أو مقاطعة المُعلم وإن ظنّ أن سؤاله هام، بل يبقيه لآخر الدرس، عسى أن يجيب عنه المعلم في موضع آخر أليق به، وأن يمتنع عن الأكل والشرب أو الضحك بصوتٍ عال، أو أن يسبق معلمه بالقول حتى لو علم ما سيقول المُعلم، فإن في هذا تشتيت لذهن معلمه، كما لا يصح التعقيب على معلمه ولو ظن أنه أخطأ فيما قال، إلا بطريقين، أولهما أن يتوجه بصيغة السؤال لمعلمه عن هذه النقطة بالذات، طالباً إعادة شرحها حين فتح باب الأسئلة، أو أن يسأله عنها في خلوة بعد الدرس. والُمعلم الرباني لن يتمسكّ بخطئه إن ظهر له ذلك، بل سيعيد شرح النقطة في الدرس التالي، فإن غير ذلك يولّد الجفوة بين المعلم والمتعلم، وفي هذا ضرر على المتعلم.

      الفصل السادس

      1.    الصبر على التلقي

      a.    والصبر على التلقي تالٍ للتشوف للمعرفة. فإن العقل الذي تكون المعرفة بالنسبة اليه كالغذاء للجسد، يصبر صاحبه على التلقي، ولا تعجزه عوائق الطريق، وصعوبة المواصلة، وملالة الاستمرار.

      b.    وقد رأينا الكثير من طلاب العلم، بدأوا مشوار التعلم، مقبلين عليه، مشتاقين له، ثم تفتر عزائمهم، ويضمحل صبرهم. وهذا يأتي لأسباب عديدة، يمكن ان يعالجها المتعلم في نفسه.

                                     i.     عدم ارتياحه لشخصية المعلم. وعلاجه التحول إلى معلم آخر، أو محاولة إيجاد الجوانب الإيجابية في معلمه الحالي

                                    ii.     عدم شغفه بموضوع العلم. وعلاجه الصبر، من حيث لا يدرى فلعل ما لا يحتمله اليوم يشتاق لمعرفته بالغد القريب.

                                  iii.     تكاثر المشاغل عليه. وعلاجه سيأتي بيانه في النقطة رقم (14) إن شاء الله

                                 iv.     وساوس الشيطان، بتحسين ما عدا العلم من ملاهي، على صرف الوقت فيه. وعلاجه قراءة القرآن، والالتزام بمجموعته، والدعاء.

                                   v.     استصعاب الطريق: وهو غالبا أهم وأقوى العوائق في سبيل التعلم. وهنا يجب أن يستحضر المتعلم معاناة السلف في طلب العلم، وسعيهم الحثيث الدؤوب العجيب، على مواصلة السير، ففي قراءة تلك الأخبار عبر ودوافع، تحي النفوس الضعيفة، وترد عليها شغفها وصبرها. كذلك استحضار أحاديث نبينا ﷺ في فضل العلم وطلبه والصبر عليه، وفيما جاء في منزلة العلم والعلماء في آيات الله سبحانه، وأنه يسعى ليكون من ورثة الأنبياء، فما الصبر إلا ثمن زهيدٌ لهذا المطلب الشريف.

      2.    تمييز الضرورات عن الحاجيات، وترتيب الأولويات

      a.    وهذا الأمر يتعلق بتربية العقل على التفرقة بين مراتب الأفعال، ومن ثم تقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يمكن تأخيره.

      b.    والأوليات في حياة المسلم بعامة، مرتبطة بمقاصد الشرع في حياة الناس. فأولوية المسلم حفظ دينه بأداء ما عليه وترك ما يبعده عنه، ثم حفظ نفسه بالسعي للرزق والمطالب الأساسية للحياة، وترك ما يؤذى النفس في أي شكل من الأشكال، ثم حفظ العقل بمعرفة خالقه وبتنمية قدراته والانتهاء عمّا يُذهبه من خمور أو غيرها، ثم حفظ النسل والعرض (وهناك من فرّق بينهما)، وذلك بالزواج وحفظ البيضة والانتهاء عما يعرضهما للزوال كارتكاب الزنا وترك الزواج للقادر وإهمال العيال، ثم حفظ المال، وذلك بالعمل وتنمية الثروة بالحق والانتهاء عن الإسراف بلا تقتير.

      c.     ومن هذا نرى أن الشرع قد رتّب أولويات الحياة لتجلب للمسلم أعلى المصالح وتدفع عنه أسوأ المفاسد. ومن غير الخالق يعلم أفضل مما يعلم "ألا يعلم من خلق"

      d.    وهذه الأولويات تأتي على درجات متفاوتة، فمثلاً توفير الغذاء اللازم للحياة، مقدمٌ على توفير الحلوى والمشهيات، فالأخيرة من باب التحسينات. والجهاد في سبيل حفظ الدين مقدمٌ على جلسات العلم والذكر، في وقت الحرب، وهلم جرا. لذلك جاءت تلك المراتب الخمس مقسمة إلى ما ضروري، أي لا تقوم الحياة إلا به، وحاجي، أي تقوم بغيره الحياة بمشقة زائدة، وتحسيني وهو ما يُعتبر من الترفيهيات التي لا تمس أصل الحياة ومشقتها. ثم جاءت الأحكام الشرعية في كلّ من تلك المراتب الثلاث بالأحكام التكليفية الخمسة، فمنها واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام.

      e.    فمثلا معلوم أن الحجاب أو النقاب من حاجيات حفظ العرض، لكن لو تعرضت المرأة لمرض يشق عليها مع عدم توفر الطبيبة الأنثى، رُخص في أن يراها طبيب ذكرٌ في حضور مَحْرَمِها، لأن ذلك من باب حاجة حفظ النفس، وهي أعلى من حفظ العرض.

      f.      كذلك يجب أن يكون معلوماً أن هناك أمور قد حرمها الشارع من حيث أنها وسيلة إلى المحرم بالضرورة، ففي المثال السابق مثلا، قد فرض الله الحجاب أو النقاب كوسيلة لمنع الزنا، وهو أعلى درجة في حفظ العرض، لأن المرأة لو خرجت سافرة، لن تموت! لذلك تجد هذا التحريم يرتفع مؤقتاً للحاجة، مثل تعرضها لمشقة كبيرة في المرض. والقاعدة هنا "ما حُرِّم وسيلة حّلّ للحاجة" وبالطبع، يعود إلى التحريم بعد زوال الحاجة.

      g.    ويقول قائل: قد ثبت في الحديث أن من مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد، أفيعني هذا أن حفظ المال والعرض مقدّم على حفظ النفس؟ قلنا: لا، لأن القتل هنا ليس مقصوداً، بل جاء عَرَضاً في إقامة حفظ العرض والمال، فكانت له منزلة خاصة ارتفعت بصاحبها إلى درجة الشهادة.

      h.    هذه هي منظومة الشريعة بوجه عام. من استوعبها عرف جلال هذه الشريعة، ودقتها وعظمة واضعها، إذ ترى فيها ما تراه في الكون المشهود من تناسق وتناغم يبهر العقول ويحيي القلوب.

      i.      وتفاصيل تلك الجمل موجودة في أصول الفقه لمن رام المزيد. وسنذكر في ختام البحث الكتب التي نوصي بها في كلّ موضوع إن شاء الله.

      j.      وأنبه إلى أن ما أوردت إنما هو نقطة من بحر هذا العلم الشريف، لذلك لا يجب على قارئ البحث هنا، تطبيق أيّ مما ذكرت، إلا أن يدرس العلم مكتملاً، ويُسمح له بالقول فيه أو به.

      3.    عدم اليأس حين مرور ساعات العسرة – ساعات العسرة الشخصية والاجتماعية

      a.    تمر بالمرء ساعات عسرة شديدة، سواء في بيته، مع أفراء أسرته، بسبب شقاق أو مرض، أو خلاف مادي، أو تناحر، أو شدة مع ابن او بنت، من مرض أو طلاق أو دين، أو فقد وظيفة، أو غير ذلك من موجات المتاعب التي لا تكاد تنتهي في حياة الفرد الشخصية، وكذل