فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      القيم العقدية والأخلاقية في التوحيد

      (1)

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      التوحيد، كما يعلم كلّ مسلم وإن لم يبلغ الطوق بعد، هو لبّ هذا الدين، أساسه وقاعدته المكينة. بل، كما يعلم كلّ من تحلى بصفة العلم الحقّ، سواء في علوم الشريعة أو العلوم الفيزيائية أو البيولوجية الأحدث، هو أساس هذا الكون الفسيح، وجوهر قوامه، وحقيقة وجوده.


      وما كان هذا شأنه، في شأن الكون والأحياء، ليس بالأمر الذي يستهين بعلمه عاقل، ولا يستصغر شأنه عالم أو جاهل. بل هو أو واجبٍ أوجبه خالق الكون والناس عليهم جميعا، معرفة التوحيد والقيام بحقه. قال تعالى في شأن الكون "ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" فصلت 11. وقال تعالى في خلق الناس "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ 172 أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ 173" الأعراف.

      ولهذا كان التوحيد هو رسالة كلّ رسول ونبيّ أرسل الله إلى الناس، "إنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ " آل عمران 19. وهو مضمون كلّ كتاب أنزل إليهم، فأنت تسمع، في عديد من آي القرآن، حكايات الأنبياء، وأنباء دعوتهم الواحدة "، " إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ"، "أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ"، "وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ".


      وعبادة الله هي حقّ توحيده، وتتمثل في أمور ثلاثة، يقوم بعضها على بعض، لا تصلح إحداها دون الأخرى. ولكل أمرٍ منها أصل وثمرة.


      معرفة الله بأسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه، والتي نفاها عن نفسه سبحانه، في كتبه وعلى لسان رسله، بلا تشبيه له بخلق، ولا تعطيل لصفة أوجبها لذاته "لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ" الشوري 11. وثمرة ذلك الإجلال والإكبار والتعظيم والتبجيل والتسبيح والتهليل له سبحانه، ومعرفة قدره الذي لا يضلّ إلا من من عميّ عنها "مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ" الحج 74. " قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ﴿٣﴾ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ " سورة الإخلاص، إخلاص الربوبية لله نقياً وإثباتا.


      معرفة آياته التي بثها في الكون وفي الحياة "سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ" فصلت 53. وثمرة هذه المعرفة هي الشهادة بأنه ربُ العالمين، الذين رباهم بنعمه، وأولاهم بآلائه وأطعمهم وأسقاهم ورزقهم من خزائنه. فلا يضل بعد ذلك إلا كلّ كفار أثيم "أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ" الطور 37.


       

      عبادة الله وهي طاعته، فيما نهي وأمر، وفيما أوجب وزجر. وهي ثمرة ما تقدّم، من التحقق من أسماء الله وصفاته، ومن النظر في خلقه وآياته، التي توقر في القلب أنه الإله المعبود دون غيره، إذ لا إله غيره ابتداء وانتهاء.. فلا يصبح أمام العاقل صاحب الفطرة السوية إلا أن يطع الله ويتبع رسله وينزل على أحكامه وهديه. وثمرة هذا هي أن يكون هَديَ الله وحكمه نافذ في خلقه، كما هو نافذ في أمره وقضائه "أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ" الأعراف 54. وعلامة ذلك التحاكم إلى شرعه في كلّ أمر من أمور حياة المخلوق الضعيف الذي خلقه من طين، ثم جعله من ماء مهين "وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا" النساء 28. وقد استفاضت آيات الله بتلك الثمرة في القرآن، ألا وهي أن طاعة الله تعني الرجوع إلى حكمه وحده لا شريك له في ذلك " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا" النساء 65، "أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ " النساء 60 ، "وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ " الأحزاب 36، كما لم يكن لهم الخيرة في خلق أنفسهم ولا اختيار رسلهم "وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ " القصص 68، "وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ" المائدة 44، "وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ " المائدة 49، " فَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ" المائدة 50. وغير ذلك مما تواتر في القرآن، نصاً ومعنى، فصار قاعدة عامة كلية لا يشذّ عنها شئ "إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ ". واقرأ إن شئت "قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴿١﴾ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ﴿٣﴾ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ﴿٤﴾ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ" سورة الكافرون، إخلاص العبادة لله وحده.


      ثم من ثمرات عبادة الله وعلاماته اليقينية، هي الولاء له وحده سبحانه، ومن ثمّ، الولاء لرسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وللمؤمنين. وكيف لا، فإن من يحكم بشريعة لا يمكن أن يستقيم حاله إلا إذا والى وعادى عليها، وإلا فهم إما منافقٌ وإما جاسوس دخيل. قال تعالى "قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ " الممتحنة 4. "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ" المائدة 55، "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ " المائدة 51، " يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ" التوبة 28. وغير ذلك كثيرٌ مما بيّن الله به أن صحة الولاء لله والبراء من كلّ ما عداه، هو فيصلٌ في حدّ الإسلام وتحقق التوحيد.


      ثم من ثمرة تلك الطاعة، أن يكون توجه المسلم كلّه لله، في كلّ عمله، فهو طائعٌ في صلاته وصيامه وحجّه ومناسكه وزكاته، وهو طائع لله تعالى مُخبتٌ له في قلبه، خوفاً وطمعاً ورجاءً ورهبة، وتوكلاً وارتكاناً "قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ" الآنعام 162.


      هذا هو إسلامنا. توحيدنا، عقيدتنا. وهنالك يتبين أين يقع ولاءنا وبراءنا، ولمن ندين بحبنا وتعظيمنا، ومن نتبع في قوانيننا وشرائعنا. ذلك هو دين الإسلام، دين المؤمنين على مرً تاريخ البشرية، منذ خلق الله آدم عليه السلام.


      وهذه العقيدة تُنشأ مسلماً، مؤمناً يزيد إيمانه بزيادة يقينه واستقامة عمله، وينقص إيمانه بنقص ذلك. تلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة بلا خلاف في ذلك.


      فما هي ألأسس الإخلاقية المبنية على هذا التوحيد؟

      *****

      (2)


      أجمع علماء السنة والجماعة على أن المسلم هو من عرف معنى كلمة التوحيد، ونطق بالشهادتين، اللتين تحملان كلّ ما ما ذكرنا آنفا، فقَبِل من الله سبحانه أمره ونهيه ،وخضع له قلبُه واستسلمت جوارحه. وهو المؤمن الذي تساوى ظاهره وباطنه، في معنى هذا القبول والعمل، وذاك الاستسلام والخضوع والاخبات. ولذلك تلحظ أن الله دائما يخاطب "الذين آمنوا" في القرآن، من حيث أن المصطلح فيه ترادف وتخالف. فالكلمتان، مسلمٌ ومؤمنٌ، يحملان نفس المعني إن ذكرت كل منهما مفردة في سياق ما، فإن اجتمعتا، فإن الإيمان هو عمل الباطن والإسلام هو عمل الظاهر. لكنهما، في التحليل النهائي، واحد في معناهما وثمرتهما "فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴿٣٥﴾ فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ" الذاريات 36.


      ولونظرنا إلى هدي القرآن وإلى هدي رسول الله صلى الله عليه، لوجدنا ثروة هائلة من الأوصاف التي ترسم لنا طريق الإسلام والإيمان، دون شغب أو ضبابية.

      فالمؤمنون في القرآن، هم أفضل أصناف المؤمنين وأرفعهم مقاماً، ذلك أن الله سبحانه أورد في القرآن أفضل ما يكون عليه المومن الموحّد، ليكون مثالاً يحتذى، ومناراً يسترشد، كذلك في وصفه للكافرين، فقد أورد أخس صفاتهم وأحبطها للعمل، ليحترز منها المسلم، فيكون أبعد الناس عنها، وهو ما عناه الشاطبيّ رحمه الله في قوله أنّ القرآن يأتي بالغايات تنصيصاً عليها، وتنبيها على ما هو دائرٌ بين طرفيها "الموافقات ج3"، وذلك من وصية أبي بكرٍ الصديق، وما أعلَمه بحكمة القرآن وفهم مراميه، في حديثه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :" "ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيده إلى التَهلكة، أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيئ أعمالهم، لأنه رد عليهم ما كان من حسن، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخشى أن أكون منهم، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم، لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيئ فإذا ذكرتهم قلت أني مُقصر أين لي من عملهم؟". لذلك لما نزل قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يَلبسوا إيمانهم بظلم} الأنعام 82 قال الصحابة أينا لم يظلم فنزلت:{إن الشرك لظلم عظيم} لقمان 13.


      اقرأ إن شئت عن ثمرة التوحيد في نفس المؤمن، وكيف صاغته في صورة إنسان بكل ما تحمل الإنسانية من معان، لا بما يلبّس به شياطين الغرب من كذبٍ وتدليس عن حقوق الإنسان. يقول تعالى "قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ﴿١﴾ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ﴿٢﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ﴿٤﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ﴿٧﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ﴿٨﴾ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ".


      في صلاتهم خاشعون، مخبتون، عرفوا قدر الله، وتحققوا من ربوبيته، فأطاعوه وخشعت له نفوسهم، في مناسكهم وشعائرهم.


      ثم هم عن اللغو معرضون، فكيف لمن عرف الله سبحانه، وفهم عنه مراده، في كلماته، أن يتحدث في التافه من الأمور، ويشغل عقله بما لا طائل تحته، لا يجتمعان.


      ثم هم ممن يعطي الفقير والمسكين حقه من زكاة ماله، إذ يعلم إن المال مال الله، وما هو إلا راعٍ له حتى يرثه منه الوارث سبحانه.


      ثم هو طاهر الجسد، كما هو طاهر الروح، فلا يعتدي على الأعراض التي حرّم الله، بل يعرف إن الحفاظ عليها من مقاصد الشرع الحنيف، وأن النسب وطهارته من أصول الحضارة وثوابت الفطرة.


      المؤمن الموحد هو من عدل وحكم بالقسط، ولو كان ذلك على عدوٍ له يبغضه قلبه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ " المائدة 8، فهل هناك أقوم من ذلك وأرفع خُلقاً؟


      المؤمن الموحّد هو من يتقي العدوان ويتعاون على الخير "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ "المائدة 2. انظر، يا رعاك الله، كيف ربط الله سبحانه بين القيمة العقدية، والقيمة الخلقية، فجعل التعاون على البرّ وتجافي الإثم، ثمرة لتقوى الله، لا مجرّد حسّ اجتماعيّ، يصح تارة ويكذب تارات، يهدى تارة ويضل تارات!


      ثم، انظر يا رعاك الله، إلى الموحّد، المؤمن بالله ورسالاته، يتحلى بأعظم ما يميّز الإنسان الأصيل عن المتدلّس الدخيل، حفظ العهد، ورعاية الكلمة. وكيف تقوم حضارة أو ينشأ إنسانية يخان فيها العهد، ويُكذب الوعد، ولا يكون للكلمة التي تخرج من فيّ الرجل وزنا ولا قيمة!؟


      ثم اقرأ إن شئت في سورة الإسراء أو الحجرات أو الممتحنة أو غيرهم، ما جاء من توجيهات أخلاقية، هي من ثمرات التوحيد الخالص، وعلامات الدين القيم، من شكر الوالدين، ورعاية الأيتام، وحفظ حقوقهم، وحفظ حق النساء في ميراثهن، وإيجاب مكاتبة العبد لتى تنتهي صفة العبودية عن كلّ البشر، وخفض الصوت عن الحديث، والتفسح في المجالس، والاستئذان عند دخول البيوت، والاصراف دون تلكأ أو تصنت، عدم الكبر والترفع على الناس، مما عبر عنه القرآن بقوله "ولا تمش في الأرض مرحاً"، وعدم الاستخفاف بالفقير "وما يدريك لعله يزّكى"، وإمضاء المعاهدات مع العدو إلى مدتها، وعدم العدوان إلا على الظالمين.


      وإنك ترى كلّ هذه الصفات والقيم الأخلاقية، نابعة من عقيدة التوحيد، التي تدفع المؤمن إلى أن يتحلى بها، إن كان ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا مفر للمؤمن من الالتزام بها، ما استطاع "فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ" التغابن 16. انظر كيف جعل الله سبحانه الإنفاق وعمل البر والخير، من لوازم السمع والطاعة، ثم، لم يحمّل الناس من ذلك إلا ما استطاعوا، حسب قدرتهم الحقيقية، لا حسب ما يتوهمون أنهم غير قادرين على أكثر منه، والفرق شاسع، وفيه الفتنة والبلاء، فالميزان ميزان الله لا ميزان كلّ فرد حسب مزاجه وهواه.


      ثم انظر إلى ما جاء من قيم أخلاقية مبنية في معنى التوحيد، مرتبطة بثوابته، مما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في وصفه للمسلم والمؤمن الموحد.


      ******

       (3)

      أجمع علماء أهل السنة والجماعة على أن سنة رسول الله الله صلى الله عليه وسلم، الصحيحة المدونة في كتب علمائهم، المحررة من الموضوعات، المنخولة من الشذوذ والعلل، ومن أقوال ضعاف الرجال، هي المصدر الثاني للتشريع في ديننا الحنيف، وهي، في أصح الأقوال، الحكمة التي صاحبت الكتاب، وهي المبيّنة للقرآن، المفصّلة لمجمله والمخصصة لبعض عامّه و المقيدة لبعض مطلقه. فلا جرم أن يأتي فيها من قواعد التوحيد وقيمه العقدية والإخلاقية ما يؤكد ما في القرآن، ويتوسع في بيان تفاصيله.
       

      واقرأ إن شئت حديث جبريل، الذي قال قال فيه القرطبي "يصلح أن يقال إنه أم السنة" لما تضمنه من جمل علم السنة [1] ، عن أبي عبد الرحمن عبدالله الله بن عمر، قال "حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ ، وَيُصَدِّقُهُ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ ، قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ ، قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ ، وَيُصَدِّقُهُ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ ، قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ ، قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" متفق عليه.

      وكما أشار الإمام الطيبيّ، فقد افتتح به الإمام مسلم صحيحه، تيمنا بافتتاح القرآن بسورة الفاتحة، التي جمعت قواعد العقيدة، كما جمع هذا الحديث الجليل كليات العقيدة، علماً وعملاً، ظاهراً وباطناً.

      فالإسلام هو الإقرار بالشهادتين، إقراراً قلبياً ولفظياً، متضمناً لمعناهما ومستلزماتهما، مما بيّنا من قبل في مفهوم التوحيد، إذ هما عنوان التوحيد، لا التوحيد بذاته. فمن تحدث بالعنوان ولم يأت بالمضمون، أو أتى بما يضاده، لم يتحقق بهما، وبطل عمله، مهما كان.

      فالمؤمن الموحد، في المصدر الثاني للتشريع، بعد أن ثبت في المصدر الأول، هو من أقرَّ بألوهية الله وربوبيته سبحانه، وبرسالة محمدٍ الخاتمة صلى الله عليه وسلم، ثم أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحجّ البيت إن استطاع لذلك سبيلا. وهذه الأركان الخمسة، منها ما هو ظاهر للعيان، ومنها ما هو باطن، متضمن في النية والمقصد، كظاهر النطق بالشهادتين، فكيف يعتبر الناطق بهما مسلماً وهو يحارب دين الله، ويعطّل شرعه، ويخرّب مساجده، ويقتل أولياءه والدعاة إليه، ويهين صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعترض على أوامره ونواهيه؟! لا يصح عمل هذا المخلوق، نطقاً بشهادة، أو صلاة أو غير ذلك، مع تلك النيات المبيّتة لأذي هذا الدين وكراهته وإهلاكه.

      ثم، هو، ذاك المؤمن الموحّد، من تخشش في قلبه الإيمان الركين الثابت بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وكلها وثيقة الصلة ببعضها، لا يمكن الإيمان الصحيح ببعضها والكفر ببعضها، فهي كلها بعد الإيمان بالله سبحانه، مستلزمات ونواتج عقلية وكونية من ذلك الإيمان، عند ذوي الألباب.

      ثم تأتي كلية تجمع أطراف الأمر كلّه، سبباً ومسبباً، أصلاً وفرعاً، فعلاً ونتيجة، بداية ونهاية، وهي أن حقّ العبادة هو أن تعي، وعياً تاماً، أنّ الله يراك، وإن لم تكن تراه، فتكون عبادتك وعباداتك، مبنية على هذا الوعي العميق الأصيل المتغلغلِ في النفس "أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ" العلق 14.

      تلك هي كليات العقيدة التوحيدية، جاءت في حديثٍ واحد، جامع شامل مستوعبٍ، تؤكد ما نزل به القرآن العظيم في مُحْكَمِه، فسبحان من أرسل رسوله بالكتاب والحكمة.

      ثم تعالوا نرى القيم الأخلاقية للتوحيد كما بينتها السنة المشرّفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام.

      يا من بحبِ المصطفى قد أُوْلَعوا ** ‏زِيدوا عليه من الصلاة وأكثروا

      ‏يكفيــــــــــك فخرا يا محبَّ محمدٍ ** ‏أن المحبَّ مع الحبيب سيُحشرُ

      *****

      (4)

      يعلمنا علماء العقائد أنّ المسلم، أو المؤمن، الموحد، هو من قام بالتوحيد، معرفة وتصديقاً والتزاماً، مقتضى وفعلاً، فجتنب الكفر، ويصحح الإيمان بما جاء من كليات العقيدة، كما رأينا في الكتاب والسنة، ثم عمل على اتباع الأوامر والنواهي، اتباعا فعلياً تطبيقياً، بزيادة فيه ونقص منه حسب ما تيسر له. ووضعوا لنا تعاريف لتلك المصطلحات كي لا يذهل عنها الناس في خضم الفكر البدعيّ المضلل الذي انتشر منذ القرن الثاني للهجرة، وزادت طينته بلّة تلك العلمانية الملحدة والليبرالية الكافرة الفاسقة، التي حوّلت الكافر مسلماً والمسلم خارجياً إرهابياً، وأباحت، بحجة الاختفاء وراء مجرد الإقرار اللفظي، دون غيره، كلّ محرّم، من تشكيك في العقائد وتخريبٍ في الشعائر والمعاملات، وإهانة للصحابة، بل وتتسور على مقام النبوة، ولمَ لا، وهم مسلمون ينطقون بالشهادة، تخرج مهموسة من بين شفتين غلاظ جفافٍ لم يبتلتا برحيق إيمان!
       

      ثم رأينا كيف أنّ لهذا المسلم المؤمن الموحدّ قيم أخلاقية، وتصرفات دنيوية، يجب مراعاتها، حيث ذكرت في الكتاب والسنة، متضمنة مع القيم العقدية، في نسيجٍ واحد متين، هو الدين المقبول عند الله دون غيره، قال تعالى "ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)" الروم، ويقول تعالى "وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ" البينة 5. والتي خُلقت الجنة لأهله المخلصين دون غيرهم " جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" البينة 8، وخُلقت النار لأعدائه المُنْكِرين للرسالة دون غيرهم، ولو كانوا تسعة أعشار أهل الأرض "هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ" يس 64. فلا مكان في الجنة لكافر أبداً، ولا مكان في النار، لمؤمن أبداً، إلا ما كان من خصوص نار الموحدين التي تطهرهم من ذنوبهم، وهي خلاف نار الكفار المشركين.

      فإذا نظرنا في خُلُقِ التوحيد، سمعنا أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولنا الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم يقول :" الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" متفق عليه. وهي كلها أعمال يتحلى بها المؤمن، تتدرج من أعلاها، وهو القيام بحق التوحيد على العبيد، ثم إلى اتباع الأوامر والنواهي، مثل إخراج الزكاة، عدم لمس النساء في الصيام، وآداب الاستنجاء، كفارة اليمين، حسن الجوار، خفض الصوت عند الحديث، حسن آداب الزيارة، وغير ذلك كثيرٌ حتى أنّ إماطة أذى عن الطريق ورفع حجر من طريق المارة هو من الإيمان. فهل أروع ولا أكثر وعياً وحضارة من هذا الدين؟ ثم يأتي من يترك شعر إبطيه وعانته مرسلاً كالحيوان، ولا يتطهّر من بول، ذكر أو أنثى (!) ولا من براز بماء ينظف به نفسه، فيعلمنا معنى الحضارة، ويرمينا بالتخلف والإرهاب!

      ومما يؤكد ذلك حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" مسلم، وهو نصّ في المسألة. وقد ذكر الإمام المباركفوري أنّ (هذه الأمة) أي أمة الدعوة وهم الخلق جميعا (مرعاة المفاتيح).

      ثم اسمع قول الحبيب المصطفى، فيما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" مسلم. وهذا بعدٌ جديدٌ وتعريف فريدٌ، لم يتعرض له علماء العقيدة، حين علمونا عن مصطلح الإسلام والإيمان، في الصورة المعروفة المنشورة في كتب العقائد. ذلك إن هذه التعريفات تتعلق بخُلق المسلم، وكيف يكون في حياته، وهي شديدة الصلة بتلك الحدود والتعاريف التي علمتنا أن الإيمان "قول وعمل يزيد وينقص"، لكنها تطبيق عمليّ لم ينتبه له الكثير، فاقتصروا في العقائد على ما أوردوا من مصطلحات.

      فالمسلم، ليس فقط من نطق الشهادين، إقراراُ وتضميناً، بل هو من فهم الولاء للمسلمين ومحبتهم والعطف عليه والإحساس بمصيبتهم وحرمة ممتلكاتهم وأرواحهم وعرضهم، فلم يتعرض لهم بأذي، لا بالكلمة بالشتم واللعن والغيبة والوشي للسلطان، ولا باليد بالبطش والضرب والركل. ذاك هو المسلم الموحّد، بنصّ رسولنا الحبيب صلوات الله عليه. وقد يقول قائل "هذا المسلم الكامل" فيجيب الإمام الخطّابي إن "القصر فيه باعتبار تنزيل الناقص منزلة المعدوم فلا داع لافتراض الكمال" (مرعاة المفاتيح للمباركفوري كتاب الإيمان ج 1 ص 47).

      ثم المهاجر في سبيل الله، إن انقطعت سبل الهجرة المادية لأسباب دنيوية، فإن من تعريف الهجرة، أن يهجر ما نهى الله عن إتيانه، فيجتنب فعله، ويترك بينه وبينه مسافة احترازاً من الوقوع في المحارم.


       

      وعن أبي بردة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران " البخاري. فانظر يا رعاك الله كيف مشج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كليات العقيدة وكليات الخُلُق. فأولا عدل الله سبحانه في أن النصراني أو اليهودي المولد، إن آمن برسالة نبينا فقد اكتسب أجرين، أجر إيمانه بنبيه أولا، ثم هجر الدين المبدّل والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فله أجران. ويستوي معه من كان عليه حق لسيده (وقت أن كانت العبودية لا تزال قائمة في البشر)، أو من كان عليه حق لصاحب عمله أو غير ذلك فأداه كاملاً، ثم من اعتنى بجارية لديه، فعلمها (انظر كيف جعل تعليمها شرطاً، بينما هؤلاء الأدعياء من الكفار يرمون الإسلام بأنه لا يدعو لتعليم المرأة في حدود الشرع)، ثم أعتقها، ففك بذلك رقبة، ثم تزوجها، فأحصنها، فله أجران. وهذا من تمام العمل الصالح.

      ثم انظر إلى الحديث الجامع المانع الذي رواه سفيان بن عبد الله الثقفي قال يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه احداً بعدك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل آمنت بالله ثم استقم" مسلم. انظر في كلية هذا الحديث وجمعه ومنعه. وربطه بين العقيدة والعمل والخلق والتصرف. آمنت بالله، تشمل كلّ ما ذكرنا من عقيدة التوحيد بكلياتها وعموماتها. "ثم استقم" فالاستقامة هنا دالة على اتباع الخير الذي هو على صراط مستقيم، واجتناب الشرّ الذي هو على التواء وتميع وتضارب أبداً. فمن استقام فقد فاز، قال تعالى "وألوْ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا" الجن 16، "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ" هود 112.

      ثم انظر إلى المودة والتآخي والولاء في حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه" متفق عليه. وهذا قمة الإحساس بالمساواة والعدل، والتحقق بمعنى البشرية، لا ما ينعق به كلاب الأمم المتحدة والمؤسسات الغربية التي تجمع الأموال تحت شعار نشر العدل والمساواة، وهي أداة في يد المستعمر الآثم. ديننا الحنيف يربط بين الإيمان بالله، والمساواة والعدل ومحبة الأخ المسلم، على ألا يكون من أهل البدع والإصرار على المعاصي طبعاً.

      ولو ذهبنا نتتبع أحاديث المصطفي التي دلتنا على خُلُق التوحيد وقيمه، لخرج الحديث بنا عما أردنا بيانه هنا، لكننا نختم بحديث أجمع ما يكون. حديث له شجون خاصة، يضرب على نياط القلب شوقاً للحبيب، ورغبة في لقائه.

      عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم "لاَ يؤمِنُ أَحَدَكُم حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنّاسِ أَجمَعِينَ" مسلم


       

      وهذه هي العلامة الفارقة في عقيدة المؤمن، وخُلُقه، أين يكون حب رسول الله منه، كحبه نفسه، أو أولاده، أو أهله، أو الناس، كلّ الناس؟ فوالله إن هي إلا إجابة واحدة قاطعة، ومقياس نادر أصيل بيّنه لنا الحبيب المصطفى، بل هو أحب للمسلم الموحّد من كل هؤلاء وأولئك.

      وحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس من نوع حبّ الآخرين، بل هو حبٌّ عميق مغروس في النفس، ينمو مع المسلم كلما عرف المزيد من فضله وعظمته وتضحيته ونصيحته له وللناس أجمعين.

      فإن فضل رسول الله ليس له ** حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفمِ

      ووالله من لم يهتز من أصل كيانه، حين يقرأ قول الله سبحانه ، وهو يمنّ علينا بفضل إرسال الحبيب المصطفى لنا، فإنه لا يزال في درجات سفلى من الإيمان

      "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" التوبة 128.

      انظر إلى المِّنة، وانظر إلى النعمة! "مِّنْ أَنفُسِكُمْ"، فيا للشرف ويا للكرامة ..

      انظر إلى الإشفاق والمحبة والعطف الذي في قلب الحبيب المصطفى "عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم"، يعزّ على نفسه ويشقّ عليها ما يعنت أمته ويرهقها عسرا، فما أحنّه من قلب وما أروعه من خُلُق. وهو، دائما وأبداً "بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" ، وهما مشتقتان من صفات الرحمن جلّ وعلا، فالمصطفى بنا رؤوف رحيم، في كلّ أمرنا، لذلك في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها في صفة الحبيب المصطفى "ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما" البخاري.
       

      ثم ألم تلحظ يارعاك الله، أن هذه الآية هي آخر آيات سورة التوبة، التي لم يبدأ الله فيها بالبسملة، لما فيها من ويلٍ وثبور وعظائم الأمور تقع على الكفرة المعاندين، فإذا هو سبحانه ينتهي بها إلى أقصى معالم الرحمة وردرجات الحبّ، للموحدين المؤمنين، بمنته عليهم بإرسال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ويبشرهم بما في قلبه تجاه أمته. فتعالى الله سبحانه.
       

      وحبّ المصطفى ليست كلمات تُقال بلسان، ولا حسّ يعتمل في قلب أو أركان، لا، بل هو طاعته والالتزام بأمره ونهيه، فحب الله ومن ثم حب رسوله المصطفى، هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ" آل عمران 31.


       

      ذلك هو توحيد المسلمين، الذي عنوانه "لا إله إلا الله"، وذاك هو المسلم الموحّد، كما جاء في كتاب ربنا جلّ وعلا، وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، عقيدة وخُلقا. فأين نحن من هذا كلّه؟ أين أنت وأنا من هذا كله؟! "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ" الحديد 16، خاطب بها الله سبحانه "الذين آمنوا" .. فأين نحن من هذا!؟ لا يسعنا إلا أن نقول ما علمنا ربنا "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" البقرة 286
       

      وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
       

      د طارق عبد الحليم

      26 رمضان 1441

      19 مايو 2020

       

      [1] (انظر شرحه في مرعاة المفاتيح، كتاب الإيمان ج1 ص 37 وبعدها)