فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      تحليل الخلاف القائم في تقييم وضع الساحة بالشام

      • 668 قراءة
      • 0 تعليق
      • 03:38 - 28 يوليو, 2018

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      من اللازم أن يحدد أحد المهتمين بأمر الشام مناط ذاك الخلاف الناشب بين فرقتين يناصر كلاهما تصوراً معينا، ينشأ عنه دروسا تختلف بذاك التصور. والحق واحد لا يتحدد، بغض النظر عن الثواب والعقاب. كذلك بغض النظر عن سفهاء المخلوقات التي "تحشر" نفسها في زمرة الناظرين.

      ولنحدد المناط هنا نستعمل طريقة السبر والتقسيم ما أمكن. فالخلاف ليس على التفاوض مع الأتراك، مثلا التفاوض ليس حراما في بعض حالات تستلزمها مصلحة المسلمين. والخلاف ليس بسبب السماح بدخول قوات تركية، فقد يكون ذلك مما لابد منه، إذ وصلت مرحلة الضعف إلى وضعٍ يستحيل فيه التصدى، داخلياً وخارجياً لها. ففيم إذن الخلاف؟

      الخلاف يدور حول نقطة واحدة تتفرع منها بلاءات وطوام، وهي الإغراق في المغالاة في الأشخاص، كما تفعل الصوفية والرافضة. ويتبع هذه المغالاة تصويب تصرفاتها وأفكارها، وإن خالفت شرعا مُحكماً أو إجماعاً علمياً.

      ولن أتحدث عن سبب هذا التعظيم والتبجيل، فهو أمر نفسيّ معقد، وإن كانت أصوله معروفة محددة في الجهل، الغرور، تضخيم الذات، الاتسام بتفاهة الشخصية ابتداءً. لكن ينصب الحديث عن موضع التعظيم وأثره.

      والتعظيم قد وقع على مستويين، مستو من المشايخ يُفترض فيه العلم والحيادية (الشيخ أبو قتادة الفلسطيني هداه الله)، فجاء تعظيمه في صورة مباركة لتصرفات المُعَظَّم (الجولاني) تبعا لتوجه جديد نشأ عنده، حسبه هو الحق الذي لا معدى عنه، ومن خالفه فيه، فهم كلهم مصابون بأمراضٍ نفسيةٍ! ولا يخفى ما في هذا من خطلٍ ومخالفة لقواعد الشرع والعقل جميعاً. فقد تكلم هذا الشيخ بكلام يملؤ صفحاتٍ بما يُضاد ما يقوله اليوم، بدعوى اختلاف الفتوى باختلاف الحال. ونحن إنما نتحدث في مبدأ لا يُختلف عليه مسلمان عاقلان، وهو عدم التجاوز في الثناء، وتجويز الخطأ دون تبريره. وهذا الموقف قد جرّ شراً عظيماً على ساحة الشام، مؤخراً، منذ نبع ذلك الاتجاه "التجديدي" في عقل الشيخ.

      والمستوى الآخر هو تعظيمٌ مجرد، للشيخ وللعسكريّ معا (أبي قتادة والجولاني)، وهو ما تبناه فتية يظهر أنهم في سنّ الرجال، ويعلم الله أنهم في عقول الصبية الأحداث، فتراهم يلاقون النقد بالسباب والشتم الذى لا يجرى على لسان من تربى ولو تربية حوارٍ مظلمة. وتراهم يعقدون الولاء والبراء على أقوال الشيخ وأفعال العسكريّ، فمن نقدهم تبرؤوا منه، ومن وافقهم والوه! ولا يخفى ما في هذا من شركٍ خفيّ تحدث عنه العلماء في باب تعظيم غير الله والموالاة والمعاداة فيه.

      والجولاني قد حظي برضا الجميع ومباركة الجميع يوم كانت تصرفاته تُنشأ عنها نتائج في مصلحة المسلمين، لكن حين انحرف نهجه منذ بداية سلسلة نقض تحالفه مع القاعدة، ثم فشل كافة تحالفاته التي تبعت ذلك والتي فشلت كلها بلا استثناء، كالاحرار من خلال كتيبة الطحان، والزنكي، حتى وصل الأمر لقتالهم. ثم إذا بنا نراهم اجتمعوا أخيراً على التفاوض تحت نفس الشروط، والخروج بنفس البنود، بعد أن أن أذاعوا بيانات مدوية أن لا تفاوض مع الأتراك العلمانيين، أو تنازل عن حكم الشريعة... حسنا، لم تتمكن من ذلك، فماذا كان الداعي إلى الحرب بينكم وشق الصفوف، إلا حب السيطرة والرئاسة، حتى نبذتك تلك الاتجاهات بعد أن رأت أن الجولاني لا يدع هامشاً لغيره في السيطرة وصنع القرار الخاطئ! أمر  يدركه العاقل المنصف لا الغرّ الأهطل.

      وتناسب هذا مع التوجه الجديد للشيخ المُقدّس من الشباب الأهطل ومن الجولاني المُستغِل، فاستثمره كلاهما أشد الاستثمار. وهي سياسة لا تليق بمن يدعى اتباع هدي الإسلام بأي شكلٍ من الأشكال.

      وكان من وراء هذه المباركة والتعظيم من المستويين، أشر نتائجهما، أمران أحلاهما مرُ. أولهما، أن المُعظّم قد استغل هذه المباركة وهذا التعظيم من الشيخ وحاشيته، لتثبيت مواقف كان من الأولى والأصح الاعتراف بخطئه فيها وبخيبة سياسته فيها التي أوصلت هيئة النصرة في عز مجدها وشعبيتها حين ارتباطها بالقاعدة، إلى جماعة مهتزة القواعد داخلة تحت الوصاية التركية من حيث الالتزام بأستانا، وعدم مواجهة النظام بتاتا. وبالطبع هم، بعدما أوصلهم الجولاني لهذ الوضع قد يعجزون بالفعل عن أي تحرك. لكن كما حمّلنا عبد الناصر النكبة في 67 كقائد عام، وحمل الألمان هتلر نتيجة الهزيمة النكراء، يتحمل الجولاني نتائج فعله التي أودت بالساحة إلى الخراب، عدا أثر داعش بالطبع.  

      ورُمي الناصحون الناقدون بالجهل والعنصرية من طبقة المهاطيل، هو درع مُخترقً يتخده الشيخ أبو قتادة، هداه الله، إتقاء لرد علمي مباشر فيطلق حراس مزرعته العلمية نباحا على من لم ولن يصلوا إلى كعوب أحذيتهم العلمية، خاصة إدعاء القومية، الذي ينطبق أول ما ينطبق على الفلسطينيين المعنيين. وهل كان الشيخ أسامة مصريا، أم الملا عمر، أم أبو مصعب السوري، أم الجولاني نفسه قبل أن يظهر أن ولاءه وبراءه وتعاهداته مبنية على السيطرة التامة المطلقة؟

      هذ ما أراه مناط الخلاف في تلك المسألة برمتها، لا غير. التبجيل والمباركة والمغلاة في التعظيم .. وهي أمراض لا ينشأ عنها خير مهما كان قدر من يتولاها من العلم بل هي خافضة رافعة، وما أراها ، في هذا الحال إلا خافضة لمن اتسم بها.

      د طارق عبد الحليم      ذو العقدة 1934