فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      المصلحة والعقل .. في ضوء الشرع

      • 878 قراءة
      • 0 تعليق
      • 09:26 - 13 يوليو, 2018

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      المصلحة، مصطلح تردد كثيراً، خاصة في العقود الأخيرة، التي زامنت عملية الانكسار التام الذي تعرضت له البلاد التي تقع على الرقعة اإسلامية التاريخية.

      وقد تردد هذا المصطلح في أعمال متخصصين أو باحثين جادين، أو منافقين، كما تلقفته جماهير من المتطفلين الرويبضات المتحزبين ممن لا علم لهم ولا عقل، دعما لأفكار واتجاهات يرونها على حق دون دليل إلا ما يلوكونه على ألسنتهم من "جلب المصلحة" للخلق!

      وقد دونت من قبل كتاباً خاصا في "المصلحة في الشريعة الإسلامية"، تناولت فيها هذا المصطلح بالتفصيل وعلاقته ببقية الأدلة الشرعية المعتبرة. كما نشرت مقالات عديدة تغطي جوانب أخرى من هذا المصطلح، وبيان أبعاده وصلته بالشريعة.

      والأصل الذي يبني عليه من يقول بتقديم المصلحة على النص، أو العقل على النص، من حيث المصلحة لديهم تثبت عقلا لا غير، هو أن العقل البشري قادر على الاستقلال بالحكم، بعيدا عن الوحيّ، سواء قصداً إلى هذا المعني تحديدا كما هو معتقد العلمانية والمعتزلة وبعض منتسبي السنة، أو جهلاً بحقيقته كما هو حال الكثير من جهلة العوام والدعاة الين يخلطون الأمور دون تفصيل.

      و"المصلحة المرسلة" أو الاستصلاح "كما يسميها بعض علماء الأصول، هي دليل شرعيّ معتبر بشروطه عند علماء أهل السنة والجماعة، يقع في باب الاجتهاد، إن عدم النص من كتاب أو سنة أو إجماع، كبقية أدلة الإجتهاد المعروفة، والتي تنبني كلها على الفهم الصريح للنصوص الثابتة الصحيحة، بلا خروج عنها.

      وتعريف "المصلحة" الأصولي أنها "الحكم الذي لم يأت بالشرع ما يدل على اعتباره أو إلغائه، وأن شهدت له أدلة الشرع الكلية العامة". فالمصلحة التي تترتب على حكم ما، يجب أن تكون مرتبطة بشره الله، تفصيلاً أو إجمالاً.

      والفرق بين النظرين واسع عريض، يقع بين الإيمان والكفر أو السنة والبدعة حسب الحال.

      ومعلوم أنّ الوقائع البشرية التي تحدث على مر قرون متطاولة، في حياة البلايين المتشابكة، لا يمكن أن يغطيها أيّ عدد من النصوص التفصيلية المباشرة في الكتاب أو السنة.

      ومن هنا نشأ النظر في كيفية دلالة النصوص على معانيها في مصادرها. فوجد العلماء أن النصوص تستخدم "القياس" الجامع بعلة، فاستخدموه، ودققوا في النظر بطرق الكتاب والسنة في استنباط تلك العلل الصالحة المؤثرة، ليبنوا عليها، كما بنى الكتاب والسنة. كذلك استقصوا دليل الاستصحاب، ومنه أن الأمر يبقى على ما هو عليه لحين وجود ما يدل شرعا على تغييره. وسد الذرائع، الذي رأوها منتشرة في النصوص والأحكام الثابتة، والتي، هي من معناها، ربع الشريعة، إذ هي تحريم ما يؤدي لفعل المحرم. وهكذا أثبتوا الأدلة الشرعية الاجتهادية، والتي يعنون بها اجتهاد من داخل النصوص لا من خارجها.

      ومعلوم أنّ التنزيل لم يقتصر على نصوص تفصيلية في كتاب أو سنة، بل يشمل ما ينشأ عنها من قواعد كلية تثبت باجتماع بعضها تحت معنى واحد، عام أو كليّ، وتكون تلك النصوص التفصيلية هي كلها جزئيات من ذلك العام القطعي الدلالة، بل والأقوى في دلالته من كلّ نصّ تفصيلي منفرد. 

      وفي كلّ هذا الجهد المضنيّ الي لا يعرفه ويقدّره إلا من درسه وعاناه، استخدموا "العقل" الذي له مرجعية ثابتة موحدة عند كلّ ناظر، وهي نصوص الشرع وقواعده الكلية، وإلا فبأي أداة أجروا الاستقراء والاستنباط والاستدلال؟ بأي أداة استخرجوا العلل المنصوصة والعلل المستنبطة، وهي من أدق العمليات العقلية؟ بأي أداة عدلوا في بعض الأحكام عن قياس إلى غيره لمناسبة الحكم لقاعدة كلية مختلفة، وهو ما يُعرف بالاستحسان؟ كم من جهد "عقلي" احتاج العلماء لبذله كيّ ينقحوا السنة المطهرة من شوائب الوضّاعين والكذابين والمبتدعين، ويجردوا صحيحها صافياً، كما لم يحدث في تاريخ أمة أن فعلت لتأمين سلامة وصحة أحاديث نبيها؟

      استخدم العلماء العقل، لكنه العقل المؤمن، لا العقل الشارد الضال في متاهات فكرية تتعدد بعدد عقول الناظرين.

      فإن مصطلح "العقل" عند العلمانيين والمعتزلة "العقلانيين" والليبراليين وأمثالهم، غامض لا حدّ له ولا محدود. فأي عقل يجعلونه حاكما على الفكرة ومؤديا اليها تأدية صحيحة؟ أي مرتكزات تجمع تلك "العقول" التي تُعد بالآلاف، لتقرر ما هو صحيح وما هو سقيم .. ؟ سؤال لم يجب عنه أحد من الفلاسفة ليومنا هذا.

      قد يقول البعض، هو المنطق الذي يمكن أن يكون مرتكزاً لهؤلاء، يتحاكمون اليه. فإن عنوا المنطق الأرسطيّ فإنهم قصروا الدليل على ثلاثة أشكال: القياس والتمثيل والاستدلال[1]. وقد بيّن ابن تيمية معنى تلك وبيّن خطأ الحصر فيها. كما تعرض بتوسع موسوعيّ لمن استلّ علم الكلام من المنطق، وحاجّ كلّ من له فيه حجة في كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل"، وليس هنا محل نقل استلالات وردود في هذا الأمر، لكن مما أعجبني جدا وصفه لحال أهل الكلام، في التطويل الزائد بلا غرض ولا مناسبة قوله "مثل من يريد الحج من الشام فيتوجه إلى الهند فينقطع عليه الطريق فلم يصل إلى مكة!"[2]

      والقصد هنا أنّ استقلال العقل، سواء بطريق المناطقة أو بطريق أهل الكلام، ليس مكتملاً ولا جامعاً مانعاً، لما نرى في خلطهم في أوليات النظر من الحدّ والمحدود[3]، فكيف يُحكم به على ما ثبت يقينا أنه وحي من عند الله سبحانه؟

      والمصلحة المجردة عن الشرع، في هذا السياق، هي تركيبة عقلية، تنشأ في عقل الناظر، تأخذ ببعض معطيات النظر البديهيّ[4]، مخلوطا ببعض النظريّ[5]، فتنشأ بهذا النظر، الذي اختص بعض البديهيات والنظريات دون بعض، نتائج تراها أصلح له مما يُتوصل به عن طريق الأدلة القرآنية التي استخدمها القرآن لتوجيه العقل إلى صحة الاستدلال، مثال اعتماده قياس الأولى على القياس البرهاني المنطقيّ.

      ومن أفضل ما يمكن قوله في شأن اختلاف النظر عند الناظرين من أصحاب الكلام والمنطقيين، ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية[6] رحمه الله:

       وهذا الكلام الثمين هو ما عنيناه أولا في تساؤلنا عن أي العقول تعنون، تلك التي نأخذ بقولها وتصورها؟

       

      فأصحاب القول بالمصلحة لا يدركون حقيقة ما يقولون، ولا مرجعية ما يستندون اليه، إ تشدقا بلفظ "العقل" و "العقلانيين"!

      والمصلحة الشرعية متحققة تمام التحقق، سواء فيما ثبت بالنص، أو ما اسُتنبط بأدوات عقلية مرتكزة على النص كما بيّنا.

      والفرق الحقيقي بيننا وبين من يدّعون المصلحة "بعقلهم" أنهم إما جهلة بالشرع تمام الجهل، أو لا يؤمنون بالوحيّ أساساً، وكلاهما واجب المخالفة. ولهذا وجب أن تظهر كلمة الشرع، على لسان أصحاب العلم، لتكون هي العليا وتكون كلمتهم هي السفلى.

      د طارق عبد الحليم      ذو القعدة 1439

       


      [1]  "الرد على المنطقيين" ابن تيمية 205.

      [2]  درء تعارض العقل والنقل" ابن تيمية ج 3 ص 192

      [3] راجع درء التعارض ج1 ص 74

      [4]  البديهيّ أو الضروري هو ما يمكن تصوره دون واسطة بل يكفي فيه طرفان لتصوره.

      [5] النظريّ هو ما يحتاج إلى نظر وتركيب لتصوره

      [6]  الرد على المنطقيين ص 130