فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      البيان والإيضاح في الأزمة الإدلبية وتوابعها

      • 1180 قراءة
      • 0 تعليق
      • 16:22 - 03 ديسمبر, 2017

      نظرة شاملة للوضع الداخلي والخارجيّ

      الحمد لله والصلاة والسلام على ؤسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

      تقدمة:

      ابتليت الساحة الشامية، آخر ما ابتليت به، بأزمة إدلب التي وقعت داخل صفوف هيئة تحرير الشام، وشملت من هم خارجها ممن انتسب اليها يوما ما، بل ممن كان في أعلى مراتبها الشرعية والعسكرية.

      أعلم أنّ نهج البعض هو "وأد الفتنة" ومحاولة الإصلاح، لكن نهجي معروف لا أخفيه، وهو أن أبيّن ما أراه حقا مما أراه باطلا أولاً حتى لا يتيه الحق أو يتلبس به الباطل، ثم أسعى لإصلاح ذات البين بعدها. وهذا النهج واضح لمن يفقه القرآن لا من يتلوه بلسانه. ألم تر أنّ الله سبحانه حين قال "لا خير في كثير من نجواهم إلا أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" النساء 114، فقدّم الأمر بالمعروف على الإصلاح، من حيث أنّ وجوب الإصلاح لا يأتي إلا بعد الأمر بالمعروف وعلى رأسه تبيان الحق وكشف الباطل.

      وكما ذكرت من قبل، فإنّي أحَمّل الهيئة مسؤولية هذه الأزمة، حتى وإن كان لديها تبريرا أو تأويلا. فإنه من المفترض أن تكون قيادتها الشرعية والسياسية أكثر حيطة وصبراً وحنكة وتقديراً لعواقب الأمور.

      وليس معنى هذا أننا ننسف أعمال الهيئة وتضحياتها منذ أن كانت "النصرة" من قبل، فإن هذا من جحد الفضل وازدراء الجهد. لكننا كذلك لا نرفعها لمرتبة من لا يخطئ، فإن هذا فيه لون من التقديس المتحمس، الذي لا نحب أن نرى قيادتها وعناصرها تحاكي فيه حرورية البغدادي، لعنة الله عليه. وهاكم أسباب ما أرى مفصلة واضحة.

      أصل القضية وفروعها:

      ذكرت من قبل، في موضع آخر، أن هذه الأزمة ليست قضية واحدة مفردة، لكنها متعددة الجوانب. وهذا من أحد أهم أسباب فشل قيادة الهيئة في معالجتها. وتلك القضايا لها أصل وثلاثة فروع. هي:

      أصل القضية: نكث البيعة والكذب بشأنها. 

      فروع القضية:

      1. a.    إعادة البيعة من عدمه
      2. b.    إعتقال مشايخ من ذوي السبق
      3. c.    مواجهة الأتراك حاليا

      وسنتحدث عن كلّ منها بتفصيل فيما يلى إن شاء الله تعالى.

      أصل القضية: نكث البيعة والكذب بشأنها:

      وهذه هي أم القضايا المتعلقة بهذه الأزمة، وأصلها. والنظر أو الحديث في فروعها التالية هو مجرد تشويش عليها، وصرف الأنظار عن جديتها، وخطأ مرتكبي جرمها، وسوء القرار الصادر بشأنها، سياسيا وشرعيا.

      القرار الذي اتخذته قيادة الهيئة، وقت الضغط المحلي والدولي عليها، لنكث بيعتها لجماعتها وأميرها، بدعوى توحيد الصف، كان قراراً صحيحا شكلا، باطلا موضوعاً. فإن كلّ من سمع بخطوات الاتفاق وقتها "أوحي اليه" أنه تم بموافقة قيادة الجماعة الأم وأميرها. وهو ما لم يتخيل أحدا أنه يمكن أن يتم دون وضوح وتأكيد صريح بيّن على تلك الموافقة.

      لكن ظهر أن الأمر فيه تدليس وتلاعب بالشخصيات والتعبيرات والتأويلات، كما قيل في آخر ما كتب عبد الرحيم عطون في رده على أميره، أنهم قد فهموا من كلمته الأولى ما أوحى لهم بأنهم يسمح بفض البيعة إن حدث أي تلاقٍ أو اتفاق مع فصيل أو فصائل! وأنهم لم يسمعوا كلمته الأخيرة التي وضّح فيها مقصوده بأن ذلك مشروط بأمرين. وهذا التعلل فاسد سخيف، إذ إننا نحن، ممن هم خارج الساحة، ولا اتصال لنا بأميرهم العام أو المحليّ، عرفنا وفهمنا ذلك بوضوح وجزم! فكيف بمن يعيش داخل الحركة وفي غرفها المغلقة؟ هذا حديث لا يخيل على عاقل ولا يصدقه أحد.

      ثم تحججّوا بعد ذلك بأقوال للشيخين أبي الفرج وأبي الخير رحمهما الله، كلها محل شبهة، لا يصح أن يُبنى عليها قرار نكث بيعةٍ سعوا هم اليها أصلاً، دون تحرٍ وتأكد. ثم إن شاهديهما قد استشهدا فلا محل للتثبت بما قصدوا أو قالوا أو فعلوا.

      فلما سقط هذا الدليل، نحوا منحى الأخذ بالمصلحة! ويا عيب من تجرأ منهم على هذا! فكيف يفترقون، في هذه النقطة، عن الحرورية أو الأحرار أو جيش الرياض!؟ هل يقول أحد من العلماء بتقديم المصلحة على النص الشرعي الثابت القطعي، عدا الطوفي الذي فند قوله كل عالم عاصره أو جاء من بعده؟

      وقد جاءت كلمة الأخ عطون شاهدا على ما نقول، كما ذكرنا حينها، فقلنا "ما قاله عطون في محاولة التبرير والترقيع، بعد كل ما حكى من حكايات لم نخرج منها إلا بأنهم كانوا حتى حينه في بيعة حقيقية، وفشل مشروع الجبهة، إذا به "يكعبل" أخطر نقطة في المسألة وهي "لماذا تحولت البيعة الحقيقية  إلى نكوث ونقض" فيختصرها بعد صفحات لا لزوم لها في سطرين يتيمين لا غير لتبرير فعلتهم التي فعلوها! قال "مرحلة هيئة تحرير الشام: ذكرنا أن أصل مشروع الهيئة هو عبارة عن فكرة توافقت عليها معظم الفصائل خصوصاً فصائل جيش الفتح، وأن الأحرار تراجعوا عن توقيعهم وأننا لن نتراجع التزاماً منا بما وقعنا وتعهدنا به، ثم قام مشروع هيئة تحرير الشام. في هذه الأثناء طلب الشيخ النائب -والذي كان مسروراً جداً بالمشروع- طلب أن يجلس مع مجلس شورى الهيئة ويستمع إليهم، وقد حصل هذا فعلاً، وقام الشيخ أبو الخير بكتابة رسالة على إثر ذلك للشيخ الظواهري وأرسلها الشيخ وهي آخر رسالة منه حيث استشهد بعدها بأيام قليلة تقبله الله تعالى، يذكر أن الشيخ أبا فرج كان قد استشهد عقب رسالته تلك بأيام أيضاً. رحمه الله وتقبله في الشهداء. وبتشكيل هيئة تحرير الشام يكون الارتباط قد فك بشكل حقيقي بناء على ما قلناه للشيخ النائب ابتداء، وبناء على ما بينه الشيخ الظواهري نفسه من أن الفك لو نتج عنه اندماج فتنتهي المشكلة من أصلها، وهذا ما كنا نسير عليه.”هكذا خبط لصق كما يقال! "وبتشكيل هيئة تحرير الشام يكون الارتباط قد فك بشكل حقيقي"! طبخة لم تكتمل تعتمد أساسا على من رحمهما الله وتقبلهما في الشهداء"، فليسوا هنا ليشهدا، ثم على تأويل لا دخل له بنص ما قاله الظواهري وهو ثابت مدوّن، من أن ذلك يكون بشرطين: قيام حكومة اسلامية، واتفاق أهل الشام على إمام، ولم يقعا. تأويل على طريقة الروافض والباطنية لا علاقة له بالظاهر.حتى من عطون، على أنه غدر وخسة وإثم. كما أنه متفق على أن تبرير المعصية بالمصلحة المصادمة للنص هو طريق الزائغين. فما قدمه المبررون لا يرقى أبدا لما أرادوا من أنه سوء اتصال أو فهم مُبرر، بل كلامهم شَغْب واضح إلا لمن وافقهم هواه" اهـ

      الحل: ذكرنا وقتها أن الحلّ يكمن في أن "يُقر قادة الهيئة وشرعييها بأنهم قد زلّوا في هذه النقطة، وأنهم تائبون إلى الله منها، وأنهم بصدد مراجعة موقفهم لتحديد المسار الصحيح، وأن ذلك سيتم بتدارس الموقف مع أصحاب الشأن فيه"، بهذه الكلمات الفضفاضة التي لا تعطي أحدا حجة في الرجوع للقاعدة ولا تهيّج العناصر المنتمية إلى القاعدة في صفوفهم، وهم كثرُ، ولا تجعل مشايخ الساحة يدينونهم بفعلتهم هذه، والأهم هو الخروج من معصية اقترفوها وإن ظنوا لها تأويلاً محجوجاً. كما أن هذا يرضى قادتهم وأمرائهم، الذين خرجوا عن بيعتهم، ويعطى مساحة للنظر في الأمر واعتبار جوانبه الشرعية والسياسية. ولا بأس أن يّذكر أن ذلك التواصل وتلك المراجعة تحتاج إلى وقت لصعوبة الإتصال وحساسية الموضوع والوضع معا.

      ثم نذكّر الإخوة بأن البيعة ليست دوّاراً للعمدة، مفتوحا للزوار، يدخله من يريد وقتما يريد، ثم يغادره بلا عتب ولا مسؤولية. هذا مصادمة للنصوص الصريحة، والإثم لا يًنتج عنه إلا إثما وضرراً. والقصد الحسن لا يبرر سوء الوسيلة.

      ماذا كان عليهم لو فعلوا هذا؟ هذا ألف باء السياسة، لا اعتقال وإصرار وكبر وتبرير!

      الوضع العالمي والساحة الشامية والقاعدة:

      من المفيد الآن أن نشير إلى حقيقة الوضع العالميّ عامة، وإدلب خاصة، ثم علاقة القاعدة بذلك الوضع.

      اتفق العالم أجمع على نقاط محددة بشأن سوريا، واختلفوا في بعض. أمّا نقاط الإتفاق فهي:

      ·      إقرار بشار على وضعه في حكم الشام، بما في ذلك تركيا، التي قال رئيسها منذ أسبوع واحد أنّ بقاء بشار "فرض محتمل"!

      ·      إنهاء الوجود "السنيّ الإرهابيّ" بكل فصائله، وعلى رأسها تحرير الشام (بغض النظر عن القاعدة)، وداعش. وفي هذا الصدد، لا يظنن أحدٌ أن الأحرار والجيش الحر وجيش ابن سلمان سيكونوا في منجاة من هذا المصير، فهم يعلمون، كما نعلم، غدر أسيادهم الذين يرتكزون عليهم جميعا "وما يعدهم الشيطان إلا غرورا".

      أما ما اختلفوا فيه:

      تركيا: تريد عدم تقسيم سوريا لضمان عدم وجود دولة كردية في الشمال. وكلّ ما عدا ذلك خاضع للتفاوض حسب مصالحها القومية. ولن يعيق تركيا في هذا الصدد أن تتخلى عن الهيئة إن رأت إجماعا دوليا على تصفيتها.

      أمريكا: تريد إضعاف النفوذ الروسيّ والإيرانيّ في الشام، ولذلك لا تعارض تقسيم سوريا. كما أنها تسعى لإضعاف تركيا بالسماح للأكراد بالبقاء في الرقة بل وتسليحهم.

      روسيا: لا همّ لها إلا قواعدها في الشام، ومن هنا تتشبث ببشار، إذ ليس لها وكيل غيره في المنطقة. ومن ثم تقف ضد التقسيم، وستعين النظام على استرداد إدلب يوما ما.

      إيران: تعلم ضعف موقفها اليوم بسبب وضع حزب الله والأزمة اللبنانية وما يحدث في اليمن والموقف الترمبي المعلن من الإتفاق النووي، فهي تميل إلى جانب التقسيم ليكون لها ولو حظا يسيرا في سوريا، تضيفه إلى رصيدها في العراق، مع إبقاء بشار في الحكم

      النظام: وقد تغلغل النظام في كافة الأراضي السورية، ولم يعد باقٍ إلا عدة مواطن، منها إدلب في يد السنة، والرقة في يد الأكراد، ثم هاهم يدكون الغوطة وحلب والشرقية. فلن يسكتوا عن إدلب في يوم لاحق.

      فها نحن نرى أنّ الموقف الدوليّ في غاية التعقيد. وفي ظلّ تلك المتغيرات والأغراض يجب أن تُدرس القرارات، وأن يؤخذ في الاعتبار ما هو مُتوقع من كل طرفٍ في الأزمة دون وهم أو خيال أو أمانى وردية خدّاعة.

      فهل يا ترى تلعب القاعدة، أو الانتماء اليها أي دور فيما نرى؟ اللعبة في سوريا أبعد ما يكون عن القاعدة والانتماء اليها. أبعد ما يكون من أثر لها في عواقب الأمور، التي ترتبط بأوضاع أكبر مرات من القاعدة وعناصرها. لقد أوهم الإعلام الغربيّ المسلمين، بما فيهم الفصائل، ومنها الهيئة مع الأسف، أن القاعدة هي مرتكز عداء أمريكا للمسلمين، فيا حسرتاه على ضعف النظر السياسيّ بله الشرعيّ، وما أخيبها من سياسة تعتمد ذلك النظر ركيزة لها.

      القاعدة شماعة يستخدمها الغرب ليضرب حين يريد، من يريد أينما يريد. ولو لم تكن القاعدة، لكان غيرها. ألا يرى قادة الهيئة من البراعم الشابة قليلة الخبرة أنّ وضع النصرة كان أعلى وأقوى ما يكون حين كانت منتمية علما للقاعدة، ثم انتكست وارتكست وحوصرت في إدلب وفشلت في كافة ما خططوا لها من توحد بعدما نكثت بيعتها!؟

      المصيبة أن هؤلاء القادة و"الشرعيين" من مبتدئ العلم والتجربة، لا يرون يد الله تعمل في جريان سننه. ما من وسيلة تناقض أمراً شرعيا إلا وفشلت في تحقيق مقاصدها. وتنظيم البغدادي يصرخ في وجوههم بذاك! لكن صموا وعموا .. مع الأسف. إن الاستخفاف بالأمر الشرعي (ولا أقول بالتوحيد أو بتسفيه التوحيد)، أقول هذا الاستخفاف لن يؤدى إلا إلى مزيد من الانشقاق والتشظي والفرقة. وهاهم قد رأوا تلك الهبّة في وجوههم من داخل صفوفهم ومن خارجها.

      كما أود هنا أنّ أميّز بين فريقين، داخل الهيئة في ساحة إدلب اليوم. 1) فريق يتبع الجولاني في غيّه وصلفه ، 2) وفريق مبايع للقاعدة، محتفظ ببيعته لا يقيل ولا يستقيل، ليس لديه من فكر الغلاة نصيب.

      والفريق الثاني، وهم كثرة في صفوف الهيئة، يجب احترام توجههم وحفاظهم على بيعتهم، وقبولهم في الصفوف، والامتناع عن الحديث عن القومية السورية البغيض الذي ورثه قادة الهيئة وشرعييها، ومنهم مظهر الويس، من الطرطوسي مع الأسف. وهؤلاء لم يفرقوا بين أنفسهم وبين عناصر الهيئة، تماما كما يفعلوا جند القوقاز والتركستان. فلم الحملة عليهم دون تمييز بين الفريقين؟ إن هناك للقاعدة علما مرفوعا لا يزال في الشام، رضي عطون أم أبى، فالقاعدة أكبر منه وممن معه، لكن قد تدسس تحت هذا العلم من يتمسح به، فلا تكون ردة فعلكم أن تكسروا العلم ذاته، وهو الذي انتميتم اليه يوما، بل تمسحتم به واستجديتم رضاه أيام حمل عليكم البغدادي، إن نسيتم.

      هذا التمييز هو من واجب قيادة الهيئة وشرعييها إن كانوا ممن يتحلى بعلم حق وبفهم للسياسة الشرعية، وهو ما ظهر أنه محدود للغاية!

      فروع القضية:

      الفرع الأول: العودة لبيعة القاعدة من عدمه:

      وهو أمر له شقان، شقٌ لازم للتوبة من معصية الغدر، وهذا واجب لا يرتفع لسبب، ولا يُشترط فيه علانية، كما أرى، وقسم هو معرفة الصالح اليوم حسب مقتضيات الأحوال بمناقشة من بيده حل البيعة، دون مماطلة أو كبر ومعاندة، فلا تكونوا كالغوريلا تضرب على صدرها: أنا الأقوى!

      وكما قلنا، فإن ترويج إشاعة أنّ الانتماء للقاعدة دمّر الجهاد الشامي، كما ذكر بعض صبية الهيئة، وأنّها كانت وبالاً على الساحة، بل وتجاوز بعضهم إلىى مطالبة أميرها بترك الإمارة، بعد خمسين عاماً قدّمها في خدمة دينه وقومه، مضحياً بكل شئ، جامعا لخبرة لا يباريه فيها من في الهيئة مجتمعين، لايماثله اليوم علي الأرض أحدُ على الإطلاق، يشهد الله، بعد أن ذهب الملا عمر وابن لادن، بل أزعم أنه أقدمهم جميعا بلا خلاف. وقد اتبع صبية الهيئة، شرعيون أو غير شرعيين، ما قاله من قبل الخِرْنقان الحصم والجلاهمة[1]، الذين ردت عليها مرتين وقتها، كما تبجح به الطرطوسي الأجبن القابع في لندن باختياره، تاركا أهله وأمه في ساحة القتال، وما ردده صبية الأحرار شريفة العفيفة وهاروش وطبقتهم من قبل. للأسف تابعهم شرعيو الهيئة في هذا النظر البارد السقيم العقيم. ثم تابعهم بعض متعاطفي الهيئة من الشباب المتحمس المسلوب العلم والعقل، من علماء تويتر.

      لسنا هنا بمخوّلين ولا براغبين في تحديد إن كانت العودة للقاعدة، بعد التوبة من نكثها، مطلوبة أو غير مطلوبة، ضرورية أو غير ضرورية، فهذا أمر متروك لأهله، وعلى رأسهم صاحبها. ولسنا بتابعين للقاعدة ولا للهيئة بأي شكل من الأشكال، لكننا نوجه ونرشّد في مجال الحكم الشرعي والنظر السياسي العام لا غير، ليقوم من بيده العقدة بالتنفيذ أو الإغفال، كما يشاء.

      وكما اقترحت حلاً من قبل (ص3)، أن يكون هناك تصريح بأن الموضوع قيد المراجعة والتباحث مع أهله والموكلين به.

      الفرع الثاني: مواجهة الأتراك حاليا:

      وهو أمرٌ كما ذكرت سابقا، يجب أن يُقدّر فيه الوضع الحاضر والمستقبل في ضوء الماضي، فلا أحد يُجرّم اتفاقا مؤقتا، لكن، على ألا يكون ركوناً، وألا يكون غفلة عن حقيقة الغرض الأردوغاني المتمثل في القضاء على الأكراد أولا ثم الهيئة ثانيا من حيث هي مصنفة بالفعل.

      وقد رأينا أن السياسة التركية ليست معتمدة على النظرة الشرعية ولو بأدنى درجاتها، ولا يقول بهذا إلا بعض مغفلي الساحة ممن لا يعرف حقيقة الإسلام العلماني الأردوغاني، الذي يفصل تمام الفصل بين الشرع وأحكامه، وبين السياسة الوضعية ومقتضياتها.

      وتركيا لن تجد حرجاً بأي شكل من الأشكال، إن جاء وقت إنهاء الوجود "الإرهابي" حسب التصنيف الأمريكي، سواء كان قاعدة أو هيئة، بل وإن كان ممن انبطح لهم مسبقا ووقع في أستانا وحضر جنيف ووضع خدّه على التراب إرضاء لهم! لن تجد تركيا حرجاً أن ترفع يدها عنه، وتنقض اتفاقاتها معه. بل أزعم أن تركيا ما اتفقت مع الهيئة في إدلب إلا لتكون ورقة في يدها ضد بقية اللاعبين في الساحة تطرحها يوما مقابل تخليهم عن الأكراد، وإلا فستتركهم في إدلب، لتقوّض حلم بشار وروسيا وإيران، وتنهي حلم أمريكا في القضاء على مجاهدي السنة، المنبطحين وغيرهم، كانوا قاعدة أم لم يكونوا. هم ورقة مفاوضة على طاولة الترك، لا غير.

      الفرع الثالث: إعتقال مشايخ بالشبهة

      وهو خطأ وحرام لا يقول به من له أدنى علم بقضاء شرعي أو وضعي، بل هو شرعة الطغاة من حكامنا. فالرأي ما لم يسبب ضرراً ثابتا ليس بجريمة، وافتراض الضرر هو محض نظرٍ قائم على "إننا الجماعة الوحيدة التي يجب أن تكون في الساحة" نحن القوة والعلم والتمكن!! وهو تصور بغدادي بحت. والقول بأن البعض قد ترك مراكزه أو حرض على قتال جند الهيئة، رمي في عماية، يحتاج إلى دليل قطعي، بل جاءنا ما يؤكد أن أصحاب فريق الحق في موقعهم لا يزالون..

      والاعتقال ليس بحل، بل هو مشكلة جديدة تفرض نفسها على الساحة. ومن الواضح أن الجولاني يقوم بمثل هذه التكتيكات ليلفت النظر بعيداً عن أصل القضية، وهذا يلحظه من له أدنى معرفة بالسياسة الوضعية. فإن انشغل القوم بها، بدأ في حلها على خطواتٍ، فيفرج عن المعتقلين واحدا تلو الأخر، ويراه الناس في هذا قد أنصف ونصر العدل، فيمدحونه، مع أنه هو من أوجد المشكلة أصلا فلا يجب أن يُمدح على حلِّها! ويتوقع أن ينسى الناس القضية الأصلية، فهو يعلم أن ذاكرة الناس سمكية، لا تتعامل إلا مع ما هو أمامها لحظيا، وماضيها لا يزيد عن أسبوع أو أسبوعين على أكثر تقدير.

      لكن الله سبحاه لا ينسى ولن تخِيل علي أحد أدلة عطون الذى نسجها من ظنون. ولن تنفعهم ضعف ذاكرة الناس، ففي الساحة من لا ينسى ولا يتهاون بسهولة .. كما فعلنا مع من أنكر حرورية البغدادي من قبل.

      خاتمة

      لعلنا أوضحنا قدر الطاقة، أبعاد المسألة الإدلبية، سياساً وشرعياً، ولم نحيف على أحدٍ ولم نطالب أحداً بفعل يخالف الشرع، ولا حتى المصلحة بعد اعتبار النص، وتركنا الباب مفتوحاً للإجتهاد ضمن الإطار الشرعيّ الذي لا يتخذ من نكث العهود ونفض اليد من البيعات وسيلة لتحقيق ما يتصوّر أنه مصلحة شرعية! هيهات هيهات، فإن ذلك لن يكون إلا في السبات! المصلحة تأتي بعد النص لا قبله كما هو مقررعند جميع علماء المسلمين، خلافا للدغيم وهاروش وعطون .. !!! ولا حرج في بعض التهكم هنا لضرورته في هذا المقام.

      اللهم وفق الهيئة للصواب، وأعدها على طريق الحق في هذه المسألة وفروعها، ورشّد لها طريقها، واجعل شبابها يستمع لنصح الشيوخ ممن هم لهم قدوة ونبراساً. آمين

      د طارق عبد الحليم      3 ديسمبر 2017 – 15 ربيع أول 1439


      [1] http://tariq-abdelhaleem.net/new/Artical-72950