والتعليق على بحث أبي عبد الرحمن الأثري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد
ثار في الأيام القليلة الماضية موضوع "الضرورة"، بين عدد من المتكلمين في الشأن الشاميّ، قاصداً إلى تطبيقها على بعض الاجتهادات السياسية، بطريق التشابه والتأويل. وقد كنت كتبت هذه الفقرات في هامش في كتابي "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" المطبوع عام 1979،(ما بين القوسين)، لمناسبته لذاك الموضوع.
والضرورة هي مرتبة من ثلاثة مراتب تقع فيها جملة الأحكام الشرعية، بأنواعها الخمسة، وهم الضرورة والحاجة والتحسين. ولكلٍّ تعريف وحدود في الشريعة.
ويحدث كثيراً من الخلط، خاصة بين الضرورة والحاجة، نظراً للّغة الدارجة في الترادف الاستعماليّ للكلمتين، وكذلك من حيث أن أحكامها تتغير بين الفرد والجماعة. وموضع هذا في علم الأصول.
وللضرورة شكلان، إما أن تكون بفعلِ قاصدٍ بشريّ، أو بفعل كونيّ قدريّ. وأكبر أشكال الفعل البشريّ هو الإكراه، ومن ذلك ركّزنا عليه في هذا المحلّ. أمّا الفعل القدري الكونيّ، فمثل أن يخرج رجلاً عارياً من بيته، هارباً من حريق هائل، فهذا مكره على الخروج عارياً. أو أن يأكل الخنزير ويشرب الخمر في صحراء التيه، وهذه الأمور لا جدال فيها. وننقل الهامش فيما يلي، حتى يمكن الله من إخراج بحث أكثر اكتمالاً، إن دعت الحاجة.
(نظرًا لأهمية عارض "الإكراه" فيحسن بنا أن نُجمل فيه القول لبيان معناه الشرعي ودائرة تأثيره :
- تعريفه: وهو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته لو ترك ونفسه .
ويتضح من هذا التعريف الفرق بين الإكراه والضرورة، وهو أنه في حالة الإكراه يدفع المكره إلى إتيان الفعل شخص آخر ويجبره عليه. أما في حالة الضرورة فإن الشخص يوجد في ظروف ضرورية تحتم عليه فعل المحرم دون تدخل من أحد.
أنواع الإكراه:
ينقسم الإكراه إلى نوعين:
(أ) الإكراه الملجئ: وهو الذي ينعدم فيه الرضا ويفسد الاختيار. فلا يكون المكره فيه راضيًا عما يفعل ولا يستطيع اختيار غيره، وهو معنى الضرورة.
(ب) الإكراه الناقص: وهو الذي ينعدم فيه الرضا ولا يفسد الاختيار. والإكراه الملجئ أو التام هو موضوع بحثنا.
حدود الإكراه : وهو ما يخشى معه هلاك النفس أو تلف عضو من الأعضاء أو الضرب الشديد المؤدي إلى أحدهما. هذا إذا وجه الوعيد إلى نفس المكره، وأما إذا وجه إلى غيره فإن فيه خلافًا:
- ـ إذا وجه لأجنبي: فيرى المالكية وبعض الحنفية أنه ليس مكرهًا ، بينما يرى البعض الآخر من الحنفية أنه إكراه.
- ـ وإذا وجه إلى الأب أو الابن : فيرى الحنابلة والشافعية وبعض الحنفية أنه إكراه.
- ـ وإذا وجه إلى اتلاف المال : كان ذلك إكراهًا عند مالك والشافعي وأحمد إذا كان المال كثيرًا . وليس إكراهًا عند الحنفية لأن محل الإكراه عندهم الأشخاص لا الأموال.
شروط الإكراه:
- أن يكون الوعيد بأمر حال أي سيقع على الفور، فإن كان بأمر بعيد الوقوع فلا إكراه لإمكان دفع الضرر عن المكره.
- أن يكون المكره قادرًا على إنفاذ وعيده، كأمر الزوج لزوجته ، أو أمر السلطان إن علم أن المخالفة له يترتب عليها حالاً الإهلاك والإتلاف.
- أن يغلب على ظن المكره أن الوعيد سيحل به إن لم يفعل ما أكره عليه. ومن الحنابلة من اشترط وقوع بعض العذاب ليثبت الإكراه وإلا فلا إكراه هناك.
ما يباح بالإكراه :
يباح به كل فعل محرم ، كأكل الميتة وشرب الخمر ، والتلفظ بكلمة الكفر باللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان. فإن ثبتت عوامل الإكراه الملجئ لم يحكم بكفره لمجرد تلفظه، وإن لم تثبت عوامل الإكراه الملجئ ، فيحكم بكفره ظاهرًا حتى لو ادعى وجود الإكراه ، فإن التلفظ بالكفر يعتبر أصلاً عملاً مكفرًا، ولا يستثنى من ذلك إلى من ثبت وقوع الإكراه الملجئ عليه فعلاً، فإن لم يثبت الإكراه عاد الفعل إلى تأثيره وحكمه الأصلي.
قال تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم} [النحل : 106] . يقول ابن تيمية "صار من تكلم بالكفر كافرًا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان" (الصارم المسلول صـ 524) .
ما لا يباح بالإكراه ولا الضرورة:
- القتل أو الضرب المفضي إليه: فلا يباح إجماعًا .
- الزنا ، فلا يباح للرجل المكره على قول المالكية والحنابلة، ويباح على قول الشافعية والحنفية.
- وعند مالك لا يصح النطق بكلمة الكفر إلا عند التهديد بالقتل فقط ، أما قطع الأعضاء أو غيره فلا يعتبر إكراهًا عند المالكية للنطق بكلمة للكفر.
- وفي الإكراه على الكفر عموماً، فإن التقية تكون باللسان وليست بالعمل، فإن التكلم بما فيه معصية جائز للتقية ، وليست المشاركة في عمل الكفر بتقية.
يقول ابن كثير نقلاً عن ابن عباس "ليست التقية بالعمل وإنما باللسان" وذكرها عن العوفي والضحاك وأبي العالية وأبي الشعثاء، والربيع ابن أنس.
وقال الطبري نقلاً عن الضحاك "التقية باللسان: من حمل على أمر يتكلم به فيه لله معصية فتكلم به مخافة على نفسه ، وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه. إنما التقية باللسان".
وقد روى هذا عن الحسن البصري والأوزاعي وسحنون ومحمد بن الحسن وهو قول ابن عباس.
وقد روي عن مالك والشافعي أن الرخصة تكون في القول والفعل معاً.
وقد يكون ذلك فيما يختص بأفعال المعاصي ، فإن ارتكابها أخف من احتمال القتل مثلاًـ بشرط عدم القتل أو الزنا بالغير كما ذكرنا، أما في أعمال الكفر فيبدو أنها خارجة عن مقتضى قولهم فلا تحل بإكراه كغيرها من الأعمال ، على تفصيل في المذاهب المختلفة . فليس بتقية مثلاً أن يدل الرجل على عورات المسلمين ومقاتلهم من مجرد التهديد ، بزعم أنه مكره.
نعم، اعتبار الأمر الواقع وتقديره ضروري في مثل هذه الحالات ، فهناك حالات مثلاُ يتعرض فيها المرء إلى درجة من التعذيب الشديد الذي يبلغ حدًا يفقد معه المرء إرادته تمامًا ، فيتحدث أو يقوم بما يملي عليه وهو غير مالك لنفسه ولا عاقل لما يصدر منه. ففي حق مثل هذا قد يكون دخول الرخصة على الفعل تحت باب الإكراه .
وعلى كل فإن تقدير عوامل الإكراه ومدى تأثيرها لا شك تختلف من حالة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر، وقد يصعب كثيرًا الحكم بصحة وقوع الإكراه المبيح لقول أو فعل ما هو كفر.
وقد ذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى القول بأن من أظهر الشرك، حتى لو كان مكرهاً، فإنه مرتد في ظاهر أمره، حتى وإن كان فيما بينه وبين الله ما زال مسلمًا[1]. ولسنا نرى هذا القول بمنصور بأدلة الشرع.) اهـ
أمّا عن تطبيق هذه الأحكام على مناطاتها في الأزمة الشامية، فيحتاج إلى تفصيل ما يدعيه البعض بصلة تصرفاتهم بموضوع الضرورة.
تعليق على بحث أبي عبد الرحمن الأثريّ
وقد اطلعت على بحث للباحث الشرعيّ، أبو عبد الرحمن الأثريّ، عونوان البحث "أثر الضرورة في مسائل التكفير".
والحق أقول، إنني لم استوعب ما يريد الكاتب اثباته في البحث إلا بعد عناء، حين وصلت إلى ترجيحه بين المذاهب المختلفة فيما قرر أنه قاعدة أصولية. فإن الحديث متداخل، وليس فيه، كما في الأبحاث الأكاديمية، مقدمة تشرح الهدف وتقرره، بل مجرد ثبت للموضوعات التي تأتي في سياقه، وسؤال في قاعدة ذكر أنها من قواعد الأصول، ولم أرها بعنواها الذي وضعه لها في القواعد الأصولية. ولعل الباحث أن ينتبه إلى هذا في بحوثه التالية، فهو عرف مستقر عند الباحثين الأكاديميين، وهو مفيد بذاته لمنع الاضطراب في فهم الغرض من البحث.
والمسألة التي أراد الباحث أن يناقشها تقع في باب الإكراه بدرجاته، وهو في كثير من أبواب الفقه، وفي مباحث أهلية الوجوب، سواء كانت أهلية كاملة أو ناقصة، في علم الأصول.
والحق أنني وجدت الباحث قد تعسّف تعسفاً شديداً في جرّ الأدلة التي يستدل بها على ما أراد، مع ضعف واضح في الردّ على مخالفيه، ويكاد يكون كلّ ردّ [اء به إما مردود عليه، أو ليس في موضع المسألة.
وقد حاول الباحث، جاهداً أن يثبت أن الضرورة غير الإكراه، حتى يُخرج مدلول الآية الكريمة" من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم"، من أدلة معارضيه فيما أرا إثباته. والآية نصّ في أنّ المقصود هو الإكراه الملجئ في أعلى درجاته، وهو ضرورة بطبيعة الحال والعرف والاصطلاح. ثم إن الأمر فيه يقع بين القول والفعل، وفعل الكفر غير مباح كما هو معروف من ثوابت العقيدة وأدلة الشرع وإجماع العلماء، الذين نقل عن أمابرهم ثم ردّه! بل ولا حتى ما هو من الأعمال التي هي أقل من أعمال الكفر مثل أن يُكره المؤء على قتل نفس مسلمة، وحتى فعل الزنا قد اختلفوا في إمكان وقوعه والإكراه عليه، فالمقصود هو التلفظ بكلمة الكفر، لا عمل الكفر بلا خلاف. وقد حاول الباحث عبثا أن يثبت غير ذلك. انظر إلى استدلاله بحادثة محمد بن مسلمة رصي الله عنه، فإن رسول الله ﷺ قد أقره على التحدث بما يؤذيه، لا على فعل ما يؤذيه، صل الله عليه سلم، أي القول بكلمات كفر، فأين موضع الاستدلال هنا؟ إن كان يريد إثبات أن ذلك يعني إنه صلى الله عليه ويلم أباح التلفظ بالكفر دون إكراه، بل لضرورة مصلحة، فلا مشاحة، ولم يخالف في ذلك ابن تيمية ولا غيره، إلا في ذهن الباحث، لكن وجه الاستدلال لا يتعدى أنّ الإقرار ةالضرورة يترادفان، وأنه في كليما لا يكون الكفر إلا باللسان، لمع اطمئنان القلب، لا بالعمل.
لكن، ما أن وصلت إلى نهاية البحث، حتى أدركت أن البحث برمته، لا قيمة له على الإطلاق! فإنه قد قام على فرضية لا وجود لها، افترضها الباحث، ثم بات يستدل عليها، فخدع بها القارئ غير المتبصر، وأوهم أنه هناك في أقوال العلماء فريقان، فريق يقول باعتبار الضرورة في مسائل التكفير، كما وضع لها عنوانا، واعتبره من قواعد الأصول!، وفريق لم يعتبر الضرورة في مسائل التكفير. ثم ذهب يستدل من أقوال الإئمة، يختار ما يشاء منها، ينسبه إلى فريق منهما، ويتخير ما يجد فيه تشابه في الكلمات، فيلحقه بالفريق الآخر. ومن هنا تجد أن من استشهد بهم على أدلته في إثبات أن الضرورة معتبرة في مسائل التكفير، أقل عدداً، وأقل شأنا من الذين سرد أقوالهم الشهيرة في غير ذلك، حتى إنه تنتى في الاستشهاد إلى ما كتب أحد رويبضات العصر، المعروف بأبي بصير الطرطوسي! ومن يستشهد بما دوّن مثله، فقد خلع ربقة العلم من عنقه!
هذا تدليس خطير، غاية في الخطورة. فإن موضوع البحث موضوع مزوّر. فليس في الأمر قولان، على الإطلاق، بل إن ما عناه المشايخ عبد الرزاق عفيفي وعبد العزيز بن باز، والسبكي وغيرهم هو عين ما عناه ابن تيمية وابن القيم والسبكي وكافة من نقل عنهم الباحث، بالتمام. الفرق هو في اختلاف مقاصد الكلام واختلاف الكلمات، لا أكثر...
انظر في تلك الأقوال التي نقلها "قال الإمام السبكي رحمه الله في الأشباه والنظائر:" قد علم أن لبس زي الكفار، وذكر كلمة الكفر من غير إكراه كفر؛ فلو مصلحة المسلمين إلى ذلك، واشتدت حاجتهم إلى من يفعله، فالذي يظهر أنه يصير كالإكراه"، وهذا هو عين الضرورة، فهي معتبره عنده رحمه الله .
قال الفيروز آبادي الإمام اللغوي الفقيه في "بصائر ذوي التمييز" وهو يعدد معظم ما اشتملت عليه سورة النحل، فذكر منها:" والرّخصة بالتَّكلم بكلمة الكفر عند الإِكراه والضَّرورات". اهـ
فما الذي ينكره ابن تيمية أو غيره ممن صنفهم في التقسيم الذي اخترعه (من يعتبر الضرورة ومن لا يعتبرها)، من هذا الكلام؟
أولاُ، فإن قول السبكي يعني أنه إن كانت هناك مصلحة للمسلمين، تشتد اليها حاجتهم، فهي "كالإكراه" من ثمّ تأخذ حكم الإكراه، فهي والضرورة سيّان عنده، بدلالة كاف المماثلة، فإذا بالباحث جعلها الباحث أمر غير الإكراه، قال "بل هي الضرورة عينها"، فهما بلا فرق في حقيقة الأمر ،إلا عند من تمسك بتقسيمه الذي اصطنعه.
كذلك قول الفيروزآبادي، فقد جمع بين الإكراه والضرورات، والإكراه الملجئ، كما عرفنا،أحد أشكال الضرورة، فهو منطقيا من باب ذكر الخاص والعام وعطف أحدهما على الآخر، بلا فرق. كما أنه تحدث عن النطق بكلمة الكفر، لا غير ذلك.
لكن الرجل يستميت في أن يجعل هناك فرق أصليّ بين الأمرين، ويدعم ذلك بفرض أن هناك قولان فيه، ومن سوء حظه أن أدلة من جعلهم في القسم الأول هي المحكمة، وما جاء في القسم الثاني، أفضل أحوالها التشابه، كما يحدث في أقوال كثير من الأئمة، لسبب أو لآخر.
ثم انظر إلى أيّ هاوية تردى الباحث ليصل إلى نتيجته التي قررها، وهي إثبات أن الضرورة لها أشكال أخرى، وأنها لا تقع تحت أحكام الإكراه فلا يُكتفى فيها بالقول، ما قاله شارحاً لكلام ابن القيم في حادثة محمد بن مسلمة "وهذا ليس من الإكراه المتعارف عليه عند الفقهاء بل هو من جنس الضروريات، وعليه فإن أصحاب هذا القول يرون جواز الكفر اذا اشتدت الحاجة إليه حتى أصبح ضرورة لابد منها" اهـ ...سبحان الله، ما هذا التخريف والانحراف؟ أيقال أن هؤلاء الأئمة يرون جواز الكفر، لسبب من الأسباب؟ أين التقييد في أشكاله؟ أيرون الكفر مطلقاً؟ أيرونه بالقول والعمل؟ أيرونه بالقول فقط؟ أيكون مع عدم اطمئنان القلب بالإيمان؟ أين موضع هذا في كلام أيّ ممن قال بأنهم من القسم الذي اخترعه، من القائلين باعتبار الضرورة في مسائل التكفير لديه؟ من يجرؤ على مثل هذا القول؟ نعوذ بالله من الخذلان.
انظر إلى محاولة الباحث تلفيق التفريق بين أقوال العلماء حين ينكر أقوال ابن تيمية وابن القيم في نقل إجماع العلماء على أن النطق بالكفر لا يكون إلا في حال الإكراه، نقل الباحث " قال ابن تيمية:" لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز الأمر ولا الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، بل من تكلم بها فهو كافر إلا أن يكون مكرها فيتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان". وقال ابن القيم : "ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمئن قلبه بالإيمان "اهـ
من قال إن ابن تيمية لا يقصد أن الضرورة تدخل في كلمة الإكراه التي ذكرها؟ الإكراه الملجئ والضرورة الملجئة مترادفان. الفرق بينهما في منشئهما، لا في مسماهما أو حكمهما. فمنشأ الإكراه هو 1) بالنسبة للفرد: إملاء فرد على غيره، وهو ما يجعل نطقه بالكفر ضرورة. ومصدر الضرورة، التي لا يتسبب فيها فرد، هو إما ما يقع على فرد قدراً، ويكون معه فقد النفس أو الولد أو العرض، أو ما يقع مخلاً بأي من ضرورات الشريعة في مقاصدها الخمس، 2) أو ما يقع على جماعة، وهو ما يتغير بحسب درجة الحاجة أو الضرورة، فالحاجة الشديدة تنزّل منزلة الضرورة في حالة النوازل العامة، ويكون بالتعرض لأذى شديد، أو لفناء أو استئصال هو حكم الضرورة في حقها. ولا يكون بعمل الكفر، إذ لا يصح عقلا عمل الكفر أصلاً من جماعة. لكن ما يكون فيها هو الرضوخ السلبيّ لما هو كفر، مثل السكوت على حكام الكفر، والرجوع اليهم بصفة فردية، لاسترداد حقٍ، مع عدم اطمئنان القلب لتلك الأحكام السائدة والرضا بها. أما أن يقال إن الجماعة إذا قعت عليها ضرورة، جاز لها أن تدخل في النصرانية كافة، وأن تدعو اليها وتتبناها، فهذا في حدّ ذاته كفر قائم بنفسه والعياذ بالله.
وأما ما جاء من أقوال عن أنّ من ضاع حقه ولم يجد إلا المحكمة الوضعية تأتي له به، وهذا ما نصرناه وذهبنا اليه في بحث سابق لنا، فهذا لا دخل له بما يريد الكاتب إثباته، إلا متشابها. فإنه، بالتسلسل المنطقي وعملية "التكامل" الرياضي لهذا المنطلق، فقد يُسلب أحد ثوباً، فيرجع إلى محكمة وضعية لاسترداده، لعدم وجود المحكمة الشرعية، وهذا يعتبره الباحث ارتكاب مكفّرٍ لضرورة!!! استرجاع ثوبه المسلوب ضرورة! يجوز الكفر لاسترجاع الثوب المفقود! أي منطق هذا؟ المخرج الوحيد من مأزق الكاتب أن هذه الصورة لا تنتمى لما نحن فيه أصلاً، ولا تكفير فيها، إذ هي ليست صورة الرضا بالأحكام الوضعية، ولا تشريعها ابتداءً، ولا نصرتها. إنما هي استخدامها في موضع فرديّ جزئيّ لتحقيق مقصد شرعيّ سواء استرجاع درهم، أو إنقاذ نفس.
ولا يحتاج التنويه إلى أن الباحث قد رخص لكافة طواغيت العصر، بهذه الأقوال المشتتة المفتتة، ادعاء إنهم واقعون تحت ضرورة تبيح لهم الكفر كما عبر بنفسه وكفاه عبثا في العلم.
لا أريد أن أطيل عن ذلك، فليس من داع أصلاً للإطالة، بعد أن رأينا أن البحث كله مؤسس على تقسيم وهميّ، ليصل به الباحث إلى نصر قول على قول، وليس هنالك إلا قول واحد، تتلاعب به المساقات وتنحرف به العبارات لتصل به إلى غرض غير مناف للشرع.
د طارق عبد الحليم.
25 محرم 1438 – 26 أكتوبر 016
[1] راجع في موضوع الإكراه : الطبري ج 3 صـ 229 طبعة الحلبي ـ التشريع الجنائي لعودة ج 1 صـ 563 .
ابن كثير ج 2 صـ 24 طبعة الشعب ـ الجريمة لأبي زهرة بند 530 ـ 549 . القرطبي ج 10 صـ 180 طبعة الهيئة العامة ـ نظرية الضرورة الشرعية لوهبة الزحيلي ص 82 . بدائع الصنائع الكاساني ج 9 صـ 4479 طبعة زكريا على يوسف .. وغيرها من كتب الفقه كثير