فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الأصول والفروع في الشريعة الإسلامية

      • 7644 قراءة
      • 0 تعليق
      • 23:34 - 26 مايو, 2016

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وبعد

      فإن نعمة الفهم عن الله ورسوله ﷺ ، وما تركه علماء السلف من آثار ونظر، هي عين الفقه، وهي ما يميز ناظراً في كتب الأولين بوعي وتمحيص، عن ناظر بغُشم وتقليد.

      ومن أمثلة ذلك التفاوت في الفهوم، ما خرج به بعض من أصابته جراثيم الإرجاء، فاتخذ من قول بعض السلف أنه لا فرق بين أصولٍ وفروع في دين الإسلام، وجعل من قسّم هذا التقسيم مبتدع، بل كافرٌ لا يُصلى وراءه في بعض الأحيان، لما قد يقول به البعض في مسألة الإعذار بالجهل، على أي نحو كان. وسبحان من خلط هراء الإرجاء بغلو الخروج عند هؤلاء.

      والحق أنّ المسألة برمتها، أعنى مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع، لها وجهان من النظر،

      أولهما هو ما ناقشته علماء السلف، وما أنكرته كثير منهم، وهو أنه لا دليل من كتاب ولا سنة على أنّ الشرع ليس فيه ما يميز الأصول من الفروع، ولا يضع حدا واضحاً لهما، يجعلهما من البينات الواضحات، لا المختلفات المتشابهات. ومن هؤلاء العلمء شيخ الإسلام في بعض نصوصه، منها "أما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض. فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟، وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع “.مجموع الفتاوى 23-346.

      وهذا الذي ذكره ابن تيمية حقّ لا ريب فيه[1]، من وجهة النظر التي تدرك خطر هذا التقسيم الذي جاءت به توجهات اعتزالية كلامية عقلية، لتثبت به أموراً معينة في الأسماء والصفات، وتمييزها من مسائل الفقه، بينما كلاهما مصدرهما الكتاب والسنة، وهما على نفس الوزاى من الأهمية.

      ومع إننا نحسب أنه حتى في هذا الأمر، فإنه من الممكن أن نرى في الشريعة أصولاً وفروعاً، إن أمكن الاتفاق عيى معناهما تحديداً، وهو ما نافشه بعض المعاصرين في كتبهم، إلا إنني لا أريد أن أشغب بهذه المسألة على الأمر الذي أود لفت النظر اليه ابتداءً، وهو أن هناك فرق بين ما قصد ابن تيمية بمصطلح "الأصول والفروع" وبين ما نقصد اليه فيما نشير اليه هنا وهو أن "الدين أصل وفروع" أصل مفرد، لا أصول. وهذا الأصل هو ما اتفقت عليه أنبياء الله كافة، وهو ما جاءت به الكتب على اختلافها، وهو عبادة الله سبحانه، أو توحيد الله سبحانه (لا بمعناه عند المعتزلة أو المتكلمين)، أو عدم الشرك بالله سبحانه. هو ما ما صح فيه حديث مسلم "والأنبياء إخوة لعلات". وهذا الأصل هو الذي يفترق عن قول الله تعالى "لكلِّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً" أي طريقاً وسنة. ففي فروع الشرائع اختلاف بين الأنبياء، بمعنى أن شكل الصلاة والصيام والفرائض تختلف بين رسالة ورساله، وبين أمة وأمة.

      هذا القدر لا يمكن أن يخالف فيه مسلم، إلا وخلع الربقة. إذ محصلة الخلاف أنّ لا وحدة بين الأنبياء في التوحيد. كما أنه يقود إلى فهم أنّ صفات الله تختلف من نبي وآخر! وكفى بهذا موبقاً. وهذا القدر المشترك بين الأنبياء هو ما قيل فيه "أصل الدين" ولا مشاحة في الاصطلاح. سمه ما شئت، لكنه يختلف عن فروع الشريعة بأكملها من حيث هي كلّ التكاليف الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة. ولا نفرّق فيها بين قطعيات وظنيات، أو بين عملياتٍ وخبريات، كما يفعل أهل التقسيم المذكور. فالاستشهاد على من قال بهذا الأصل، بمثل تلك النصوص، جهلٌ مطبق، وعدم فهم للمسألة برمتها.

      ثم إن هذا الأصل التي تواضع عليه الأنبياء، التوحيد، عبادة الله إن شئت، له تفصيل، يُستقرأ من آيات الذكر الحكيم، ويمكن أن يرجع إلى أمرين، الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته كما ورت في النصوص الثابتة دون تأويل أو تعطيل، مع مراعاة المسائل الدقيقة والخفية التي لا تتحصل في فهم العامة. ثم طاعة الله المطلقة بالرجوع إلى ما أنزل الله سبحانه في تشريعه المطلق، دون معاندة أو تبعيض.

      كيف يكون هذا غير مقصود لشيخ الإسلام؟ كيف يكون هذا غير ما يدعو اليه كلّ عالم في الشرع، على مدى تاريخ المسلمين؟ أيصعب على الفهم استعمال كلمة "أصل" بحيث يخلطها المختلط عليه بمصطلح الأصول الذي عليه الشغب والردود؟

      والأمر أنّ من قال بهذا التقسيم العقليّ أصلاً، بني عليه مسائل التكفير والتبديع والتفسيق، ومن ثم، رده عليه علماء السنة كشيخ الإسلام وابن القيم. ونحن نوافق على هذا كلّ الموافقة. لكن ما لا نوافق عليه، هو أن ما اعتبرناه من التوحيد، وأطلقنا عليه كلمة "أصل الدين" هو غير هذا المعنى، وهو ما يمكن أن يُطلق فيه القول بالتكفير والتبديع.

      وقد ناقش العلماء أثر الجهل على التوحيد وأخذوا مواقف معروفة في هذا الشأن، وهو ما نحن بصدده حين نناقش عارض الجهل، وهذا ليس بدعاً من القول، بل هو من لب أصول الفقه، وإن لم يُفرد له علماء الأصول من السلف باباً مفرداً، من ثم لم يكن الجهل بالتوحيد وإسقاط بعض مستلزماته القلبية والعملية شائعاً في تلك الأزمنة.

      فمن شغب على هذا المعنى فهو قاصر في الفهم فيما قصد ابن تيمية وفيما قصدنا اليه على السواء. وقد سبق أن كتبت مقال "الجواب الصارم على كتاب حلمي هاشم"[2] الذي وسمه بأصحاب السبت وأصحاب الحدّ، وبينت عوار مذهبه في الفهم عن الله والعلماء، فليراجعه من أراد التوسع في هذه الموضوع .

      والله وليّ التوفيق

      د طارق عبد الحليم           19 شعبان 1437 – 26 مايو 2016


      [1]  ويلاحظ أن ابن تيمية قد استعمل الأصول والفرع في الدين كتعبير في عدة أماكن أخرى في مجموع فتاواه.

      [2] http://tariq-abdelhaleem.net/new/Artical-14054