الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد
الجزء الثاني
(3)
من العدو الأصلي ومن الثانوي في تلك المواجهة؟
يتبين مما قدمنا، أنّ الغرب الاستعماريّ كانت، ولا زالت له مصالح كثيرة في بلاد المسلمين، تجعله، من الوجهة الاسلامية والقومية، عدوا لدوداً. لكن ما يجب أن نجيب عنه هنا، هل الغرب، وأقصد حكوماته، هو العدو الوحيد، أو العدو الأول والأصيل؟
الحق إنّ هناك عدوٌ مماثل، إن لم يكن أشدّ خطورة من الغرب، للمسلمين، ألا وهو حكامه وحكوماته. فإن العدوان الغربيّ على بلاد المسلمين، سواء كان عسكرياً أو ثقافيا أو اقتصاديا أو اجتماعياً، أو مجتمعٌ من هذا كلّه، لم يكن ممكنا إلا بتدبير وتعاون وثيق من الداخل. لم يكن ممكنا إلا بوجود رؤوس تدير تلك البلاد، لعبت بها الخيانة والعمالة والغدر، وحب السلطة، وكراهة الدين، ما جعلها أداة طيعة في أيدي المعتدي الأصيل، فشاركته في الأصالة، بل تفوقت عليه في هدم الإسلام وقتل دعاته وترويع أهله ونهب ثرواته ومعاداة أوليائه وموالاة أعدائه وحجب شريعته والطعن في علوه ورفعته. هؤلاء هم حكام المسلمين اليوم، ومنذ قرنين من الزمان، بداية بمحمد على باشا الكبير في مصر، وتبنيه للاستشراق الفرنسيّ، وآل سعود مع المحتل البريطانيّ، حتى السيسي كلب اليهود المدلل، مروراً بكلّ من عرف التاريخ الحديث من حكام بلا استثناء.
هذا قدرٌ لا محاجة فيه.
إذن، فالعدو الأصليّ، ليس بالضرورة هي الشعوب الغربية. بل تلك الشعوب هي محلّ الدعوة الإسلامية. وهل اعتبر عمرو بن العاص وقتيبة بن مسلم وموسى ابن نصير وأضرابهم كانوا يعتبرون أبناء الشعوب المفتوحة أعداءً لهم؟ لا، بل كانوا يرونهم كفاراً لا يؤمنون بالله تجب دعوتهم إلى الله، بتهيئة القوة أو ما يمكن لتحقيق الغرض حسب الزمان.
وما نراه هو أنّ هذه الشعوب، كأفراد، تحتاج إلى جهد عظيمٍ، لا تقدر عليه إلا حكومة إسلامية مركزية، لتنشر الدعوة في تلك البلاد، وتزّيف ما تقوم به حكوماتهم من تشويش وإضلال وإفساد لمعاني الاسلام وترويج مفاهيم مثل الارهاب والتخلف وقمع المرأة، لمنع الرؤية عن شعوبها، إلا ما كان من جهود فردية لسنا بصدد الحديث عنها.
فالعدو هنا هي الحكومات، التي تمتطي ظهور أبنائها، شرقاً وغرباً، وتجنّد الجنود، وترسل العتاد، وتميع القضايا، وتدير المؤامرات، لصالح تدمير الإسلام وأهله، وابقائهم عبيداً للاقتصاد الغربيّ، الذي يصب في صالح حفنة من كبار أصحاب رؤوس الأموال، وإبقاء شعوبهم راضية خانعة قانعة في الغرب، أو مطحونة مقهورة ذليلة في الشرق.
والعدو، إما قريب وإما بعيد. والعدو الأقرب، واليد المنفذة هو الأولى بالاستئصال من العدو البعيد، حتى إن كان هو داعمها ومصدر قوتها. فالعاجل قبل الآجل، والأقرب قبل الأبعد، وقطع اليد يترك العقل المدبر بلا قدرة على التنفيذ. من هذا الباب، كانت وجهة نظرنا، على الدوام، هي أن العدو الأولى بالمواجهة هو العدو الداخلي، أي الحكام والحكومات، والملوك والأمراء، وجيوشهم ونظم أمنهم ومخابراتهم. هؤلاء هم الصائل الحقيقي المباشر. هؤلاء هم من يسمح للعدو الخارجيّ بالتدخل وإعاثة الفساد في الأرض. يستخدمون أجواء بلادنا بإذنهم، وأرضها لقواعدهم بتصريحات منهم. والخليج كله شاهدٌ على ذلك، خاصة مستعمرة اليهود الكبرى، دويلة الإمارات الصهيو-عربية، بلد العهر والفجور، وحماية الفارّين من العدالة من قاتلي الشعوب وأعداء الدين.
(4)
ما هي حدود المواجهة؟ وما عوامل تصعيدها؟
تتخذ المواجهة بين الشرق والغرب، أو بين الإسلام، كقوة ذاتية حضارية قائمة، وبين الغرب كحضارة معاصرة قاهرة، الشرق الأوسط، وغرب الدولة الفارسية في افغانستان السنية حلبة لها، باختيارها أولا، ونتيجة عدم وجود دولة مركزية تدافع عن الإسلام، وتسخير الجيوش العربية لقهر المسلمين داخليا. لذلك يرى المتتبع للتاريخ أن المواجهة قد تحولت من عسكرية في عهد نابوليون، إلى ثقافية حتى أواخر القرن التاسع عشر، ثم عسكرية حتى منتصف القرن العشرين، ثم ثقافية حتى منتصف القرن العشرين ثم عادت عسكرية مع بدايات القرن الحادي والعشرين.
وهذا التغير في أساليب المواجهة، قد قام على عوامل عدة، منها، قوة سيطرة الحكومات المحلية العميلة أو ضعفها، ومدي الاحتياج إلى وجود قوى عسكرية في المنطقة لحماية مصالح معينة، ضد الكتلة الشيوعية سابقا، أو لحماية مصادر النفط لاحقا. ولهذا نرى تسارع التدخل العسكريّ تحت مسمى الارهاب منذ أواخر القرن العشرين في حرب الخليج الأولى لضعف دول الخليج عن مواجهة صدام، ثم أوائل القرن الحاليّ بعد سقوط افغانستان في يد طالبان ثم تسارع أشد في حرب الخليج الثانية، ثم بعد ظهور ما أسموه بالربيع العربي، والذي كشف ضعف الحكومات العميلة، مما أدى إلى التدخل العسكري الغربيّ.
لكن أرض الصراع لم تتغير، وهي أرض المسلمين. واليد المنفذة المانحة لسلطة التدخل هي دائما أولئك الحكام الخونة ملوكا وأمراء ورؤساء.
فالعدو الصائل الأصلي، حالياً وعملياً، هو هؤلاء الخونة ملوكا وأمراء ورؤساء، الذين يعملون أصالة دفاعل عن مصالحهم، ونيابة عن العد الصهيو-صليبي.
(5)
ما نوعية المواجهة الواجبة في كلّ حالة على حدة؟
من هذا المنظور، فإنه من الأفضل، والأكثر عملية، أن يبدأ التغيير في منظومة العدو بالقضاء على المنفّذ، وقطع اليد المعينة على العدوان، كأولوية مطلقة. ولن يكون ذلك بتبني مفاوضات عقيمة تُملى شروطها على المتفاوضين قبل وصولهم لطاولة المفاوضات، أو تبني سياسات مثل "سلميتنا اقوى من الرصاص" أو "المشاركة لا المغالبة" وهذا اللون من ترهات الإخوان، ووليدتهم السرورية، الناشئة عن انحرافهم العقدي الأصيل، فإن القوة هي ما يستخدمه الصائل الداخلي، من حكومات العرب على وجه الدوام.
والقضاء على تلك الأنظمة العميلة يستلزم وعياً بلإسلام عند الشعوب، ويتغير شكل المواجهة وطبيعتها حسب ظروف كل دولة، وطبيعة الحاكم المسيطر.
فمن الدول ما لا يصلح فيها المواجهة المسلحة كمصر، لطبيعة شعبها، بل يلزم في المواجهة أسلوب الحشد الجماهيري المدعوم ببعض القوة المعينة له. وهناك وسيلة المواجهة المسلحة الكاملة، كما هو الحال في الشام وليبيا. وهناك ما قد يصلح فيه الطريقان معا كما نحسب الحال في تونس والجزائر إن وفق الله أبناءهما.
وقد انقسم المجاهدون إلى أنواع عدة في استراتيجيتهم نحو المواجهة، على النحو التالي:
فطالبان، آثرت حصر المواجهة داخلياً وانهاء الاحتلال بأنواعه روسي وأمريكي، وهو أمر في غاية الحنكة والذكاء السياسي، فلن نقف طويلاً عندها.
والقاعدة خالفت في ذلك بعد انتهاء الاحتلال الروسي وبداية الغزو الأمريكي، فتبنت عمليات ضد الغرب في أنحاء مختلفة من العالم. ولكن الأمر الذي أراه، كمحلل سياسي، أنّ منهج القاعدة قد تغير. ذلك أن منهج عولمة الجهاد قد تغير بذاته في فكر قادتها.
فعولمة الجهاد لها منظوران: أولهما أن يقوم تنظيم معين بعمليات جهادية هجومية (لا أسميها عسكرية من حيث إن العملية العسكرية لها طبيعة مواجهة مختلفة). والمنظور الثاني هو أن يكون للتنظيم فروع في بلاد مختلفة، لها صفة المركزية، تقوم بدفع الصائل في بلادها، ولكن عملياتها محسوبة على التنظيم الأم. فهي ليست عولمة في حقيقة الأمر، لكنها دفع صائل محليّ يشبه العولمة، فيختلط الأمر على الباحث أو المحلل وينسبه إلى المنظور الأول، وما هو منه. وإذا نظرنا إلى عملية القاعدة مثلاً في باريس، نجدها تختلف عن عملياتها في اليمن ضد المدمرة الأمريكية يو إس كول عام 2000، عملية القنصلية الأمريكية في كراتشي 2002، أو غيرهما، في أوائل العقد الماضي. فعملية باريس هي ردّ محدود الغرض على صحيفة بذاتها، لا دخل لها بعلاقات أمريكية، بل هي انتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن تُحسب على منهج الجهاد من المنظور الأول.
وما أحسبه، وهو ما دونته في مقال لي عن تغيير فكر القاعدة، هو أن القاعدة قد احتفظت بكلمة العولمة، ثم انتهجت المنظور الثاني لها، وهي أقرب ما يكون إلى المحلية في دفع صيال الحكومات، كما في تنظيم القاعدة في الجزيرة أو في المغرب العربي. فهي تنظيمات أقرب للمحلية من العالمية، سواء في مركزيتها، أو تكوينها أو أهدافها.
ما أظن هذا إلا من جراء ما رأي الشيخ المؤسس أسامة بن لادن من دور الحكومات العميلة في تحطيم آمال الشعوب، وأدرك، والشيخ الظواهري أنّه يجب أن يكون التركيز على تلك الحكومات أولاً، وادخال الحاضنة الشعبية في المعركة ثانياً.
ثم تنظيم الدولة، وهو تنظيم حروريّ خارج عن فكر أهل السنة أصلاً. وليس له استراتيجية محددة، فما أن تصبه هزيمة على الصعيد المحليّ، يخرج بعملية أو اثنين في أوروبا لتقوية ودعم أنصاره وإبقاء هيبته. فليس لهذا التنظيم استراتيجية تتحرك بدافع إسلامي سنيّ أصلاً، إلا لمصلحة القائمين عليه من بعثيين أو منحرفين.
يتبع إن شاء الله