فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      إيضاح على فتوى الانتخابات الفيدرالية في كندا لعام 2015

      • مجرد رأي
      • 1444 قراءة
      • 0 تعليق
      • 00:45 - 16 أكتوبر, 2015

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد

      فإن موقفي معروف من قضية الانتخابات عامة، في الشرق والغرب، وهو التحريم، كما بينت في عدة مقالات سابقة لي، تأصيلا وتفصيلاً. وكما عرف عنى منذ 40 عاما في ساحة الدعوة الإسلامية، لي سجالات مع الإخوان حول العالم، ومع الشيخ صلاح الصاوى حول هذه الأمر، أظهرت فيه الحجة وبينت فيه المحجة، في عشرات المقالات، منها ما هو في الهامش بعد، فلا يزايدن أحد علينا في هذا الأمر[1].

      لكن أود أن أبين للأبناء والإخوة، أن العلم ليس هو ما يوافق هواك، وتراه، كعامي، صحيحاً في وقت من الأوقات. بل إن العلم هو ملكة ترسخ في الفطرة، بعد طول مدارسة ومطالعة، وخبرة عقود مع الأحداث، ثم تغلغل في معرفة أصول الشريعة وقواعدها الكلية وأدلتها الجزئية، بحيث يكون العالم قادر على إصابة الحق فيما يستجد من أحداث، قد يرى العوام إنها محسوم أمرها من قبل.

      وسنبين عدة أمور في هذا الخصوص:

      الأمر الأول، أن الفتوى تختلف عن الحكم الشرعي التكليفي. فالفتوى هي حكمٌ منزّل على واقعة محددة في زمن محدد، لا يتكرر، فلا تتكرر. ومن هنا يستلزم للفتوى العلم بالحكم الشرعي، والعلم بالواقع المستجد. والخلط بين الحكم الشرعيّ وبين الفتوى مستشر بين العوام وأنصاف المتعلمين، فيجب الحذر منه وتبين الفرق من العلماء.

      الأمر الثاني، أنّ الانتخابات، ومسألة الديموقراطية كلها، هي محرمة تحريم وسائل لا غايات، بمعنى أنها ليس أموراً تعبدية، بل هي أمور عادية. ذلك أنّ توجه رجلٍ إلى مكان فيه صندوق يكتب فيه اسم رجل ليس حراما في ذاته إلا إذا تعلق بقصد، وإلا صار كعمل العجماوات لا معنى له. فإن تعلق به قصد، تعلق به حكم شرعيّ، لا فتوى فانتبه. فإن كان القصد حقا فحق وإن كان باطلا فباطل. وفي مسألة الانتخابات، فإن التحريم وقع من حيث أنّ هذه الوسيلة تحمل إلى الحكم من لا يحكم بشرع الله، ولا يطبق أحكامه، بل من يكفر بها ابتداء في غالب الأحيان، سواء كافراً أصليا كما هو في الغرب أو مرتدا كما هو في الشرق. من هنا جاء وجه التحريم. وما حرم وسيلة يحلّ حاجة، كما أن ما حرم قصدا يحل ضرورة. كما نعلم أنّ النظر إلى عورة المرأة حرام تحريم وسيلة لا غاية، لذلك يحل إن احتاجت لعلاج ولا توجد امرأة تعالجها، فيجب دفع ضرر المرض عنها برفع الحرج مؤقتا حتى يتم العلاج، ثم يعود الأمر على تحريمه الأصلي، ولا تُترك لتعاني من تدهور الصحة. كذلك بالضبط تحرم الانتخابات أصلاً، ثم يمكن في حالة معينة أن يرفع الحرج لدفع ضرر محدد معين، ثم تعود لأصل التحريم.

      فإن قيل، هي محرمة تحريم مقاصد، لأنها مبنية على فكرة الديموقراطية التي هي حكم الشعب للشعب، وهو كفر بواح، قلنا، أولاً: لا نسلم بضرورة التلازم، فقد يكون شكلها لا حقيقتها عند البعض هو شكل الشورى، وهو اجتهاد مرجوح، لكنه معتبر، ومن ثم لم يكفّر علماء السنة من شارك بالانتخابات من الإخوان وأمثالهم. وثانيا، حتى لو تلازما، فإنه في حالة الضرورة الواقعة الحالة، يمكن إباحة ما حرم غاية مثل الخمر والخنزير لمن تاه في صحراء جرداء.

      الأمر الثالث، وهو الوضع القائم في كندا اليوم، أن هناك متحكم متغلب على الجالية، وهو رئيس الحكومة، وهو عدو واضح أصيل للمسلمين، محب مخلص أمين لليهود، وهذا فوق موضوع الكفر وتشريع قوانين شركية، وهو قاسم مشترك بين كل من يحكم هذه البلاد التي قضى الله علينا بالحياة فيها. وهذا العداء السافر، قد تعدى حدّ البغض الشخصي، إلى الإيذاء العملي كما في سنّ قوانين جديدة مثل C51  و C24k  وهي قوانين ترفع من حماية القوانين الحالية التي، وإن كان أساسها وضعي، لكنها تضمن حماية المسلم سواسية بالمشرك، وهو ما يأمن به المسلم على نفسه هنا. ولا يعلم أحد، إن جاء الصندوق بهذا الرجل هاربر ما يمكن أن يسنّه لتمزيق الجالية المسلمة بالذات. فكان حكمه حكم الصائل على جالية، لا على شعب في هذه الحالة، فيأخذ حكم دفع الصائل. ودفع الصائل في هذه البلاد لا يتم بالطرق التي يتم بها في بلادنا، فهي لا تصلح هنا. والطريق الوحيد هو إزالته بالصندوق.

      الأمر الرابع: أنه في حالة اعتبرنا أنّ الانتخابات محرمة تحريم وسائل، فإنه لا مشكلة في أن الفتوى في حالة هاربر هو رفع الجناح وحلّ التصويت "في هذه الحالة بعينها لا غيرها" لدفع صائل هو هاربر. فإن زال، فيعود الأمر إلى التحريم الأصلي. وإن كانت تحريم مقاصد، فإن الحاجيات تنزل منزلة الضرورات في حالة الجماعات لا الأفراد، إذ الضرر العام ليس كالضرر الخاص. وكلّ هذا مقرر معروف في أصول الفقه وأصول الشريعة.

      الأمر الخامس، وهو اختلاف حكم رفع الضرر عن جلب المصلحة: ذلك أنّ كافة المرشحين سواسية في إنهم لا يحكمون بالشريعة ويحرم الدخول في سن مثل هذه القوانين، لكننا نتحدث عن رفع ضرر لا جلب مصلحة. فمن قال: انتخب هذا أو ذاك لأنه سيخفض الضرائب أو سيعطي للمسلمين مساعدة تعليمية أو غير ذلك، لم يرفع ذلك التحريم الأصليّ، لأنه منوط بدفع الضرر لا جلب المصلحة، كما في مثال عورة المرأة.

      هذا بيان لما أفتينا به، وملخصه "حلّ" لا وجوب ولا ندب، الاشتراك في هذه الانتخابات بالذات بعينها إزاحة هاربر، ثم الرجوع إلى حكم التحريم الأصلي.

      والعالم من أفتى ليس من تحدث بحكم شرعيّ ثم ثَبت عليه، فهذا ليس ثباتاً على مبدأ بل هو تصلب في الرأي وقلة فقه لا أكثر ولا أقل.

      كما أنّ العالم الذي غيّر الفتوى بتغير الحال ليس بمغير لمبدأ بل هو على المبدأ لا يزال، ولا عليه ممن لا يفقه...

      والله المستعان.

      د طارق عبد الحليم

      15 أكتوبر 2015 – 2 المحرم 1437


      [1]  منها http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-17874 حكم المشاركة & http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-18032 هامش على حكم المشاركة، ردي على الشيخ صلاح الصاوي على مجلة المنار الجديد عدد 13.