فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      تطور علم أصول الفقه .. بين الشافعيّ والشاطبيّ – الجزء الثالث

      الحمد لله الذي لا يحمد سواه، المحمود على كل حال، وبكل لسان ومقال، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد

      انتهينا في حديثنا عن "الرسالة" إلى أن "المهم هنا أن نثبت أنّ مالكاً كان له نظرٌ فقهيّ يقوم على الكتاب والسنة، لا على "الرأي" كما يحب المتسرعون في الحكم أن يطلقوا عليه. وقد يوافقه أئمة أخر، أو يخالفونه، فليست هذه النقطة هي مدار الحديث، لكن أنْ يقال إنهم هم أهل الحديث أو هم من توسط بين الحديث والرأي، وهم العاملون بهما، وأن مالكاً من أهل الرأي، فهذا ظلم وبهت وجهل".

      وخُلو "الرسالة" من بعض مواضيع الأصول أمرٌ طبيعيّ متوقع. وخروجها بالشكل التي خرجت به، من استدلال بالحديث والآيات على ما أراد الشافعيّ أن يدلل عليه من قواعد أصولية طبيعيّ أيضاً. لكنه أولاً وأخيراً، مبدأ العلم وأول خطواته. ولابد في مراحل تطوره من تعديلات وتصحيحات وإضافات. ومن الصعب أن يكون تطور من غير تبديل. ومنهج الشافعيّ في الرسالة لا يتعلق حقيقة باستدلاله بالكتاب والسنة، بل في استشفافه تلك القواعد الكليات من الأحاديث والآيات.

      وقد يقول قائل، هذا والله منهج عجيب وتَصرُّفٌ في العلم لبيب، يجب أن يسير عليه الدارسون وأن يعود لشكله الباحثون. قلنا، والله إن ما قدّم الشافعيّ هو عملٌ لا شك قد تفرّد في إبداعه مما تحصل له من وسائل استخدامه. لكنّ طريقة الكتابة وشكلها هي مجرد أداة للوصول إلى الغاية المقصودة، فالمشترك العام هو الرجوع للكتاب والسنة لاستنباط القواعد الكلية، بأي كشلٍ ٍكان، سواءً بطريقة "قال تعالى .. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ... فهذا يدل على كذا (قاعدة)، فإن قيل كذا قلنا: بل قال الرسول كذا .." وهكذا، أو بطريقة "القاعدة كذا من حيث قال تعالى .. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم .. كذا وكذا". هذا شكلٌ، وذاك موضوع، هذا لبٌ وهذا لباب.

      فمثلاً، في باب "كيف البيان"، وضع الشافعي قواعد البيان أولاً "والبيان اسم جامعٌ لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع: فاقل من في تلك المعاني مجتمعة المتشعبة أنها بيانٌ لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان  بعضها أشد تأكيدً بيانٍ من بعض. ومختلفة عند من يجهل كلام العرب"[1] لله دره، فوالله إنها كلماتٌ لا يخرج البيان عنها مثقال ذرة! ثم بيّن رحمه الله أم منها "ما أبانه لخلقه نصاً مثل جمل فراضه" أي دليل الكتاب النصي، "ومنها ما أحكم فرضه بكتابه وبيم كيف هو على لسان نبيه" أي دليل السنة النبوية المبينة للكتاب، و"منه ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نصّ حكم" أي السنة النبوية المنفصلة المجردة[2]، ثم جاء من السنة بأدلة على هذا النوع من الأخير البيان، ثم "ومنه ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه" وهو دليل الاجتهاد. والشافعي في هذا كله يأت بالدليل ثم يذكر آيات وأحاديث تُعضّد ما قسّم. ذلك هو منهاجه في الرسالة كلها، مع إقلال أو إكثار من الآيات الأحاديث حسب ما يستدعيه الموضع.

      ما بعد "الرسالة"

      ثم استمر علم أصول الفقه في طريق تطوره، مع استمرار الفقه على المذاهب المختلفة، وبالتواز معه، إذ لا ينفصل الفقه عن طرق استنباطه وقواعد النظر فيه. وبدأ، حسب التقسيم الذي وضعه المحدثون لتطور علم الأصول في خطين متوازيين، ظهور مدرسة الأصول على طريقة المتكلمين والشافعية، التي تميزت، عندهم، بالمنطق، وعلى مدرسة الأحناف الذي اعتمدت على الفروع في تأصيلها. وهو ما سنناقشه فيما يأتي إن شاء الله.

      علم المنطق والكلام:

      والغرض من بحثنا ليس تأريخاً لعلم الكلام، أو علم المنطق، بل علاقة كلّ منهما بتطور علم الأصول، قدر الامكان، وأثرهما على وضعه وتدوينه.

      ويعتبر تأسيس علم الكلام دائر بين المعتزلة والأشاعرة. فإن بدايات علم الكلام نشأت في النصف الأول من القرن الثاني، مع ظهور المعتزلة، وموسسا الفرقة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد. ثم تطور علم الكلام، وصعد نجم المعتزلة في أيام المأمون، حتى عصر المتوكل (ت247هـ)، الذي أنهى محنة خلق القرآن، والتي كانت قمة مأساة فكر الاعتزال في التاريخ الإسلامي. وكان عصر المتوكل هو بداية عصر انحلال القوة العباسية في العصر العباسي الثاني. ثم جاء أبو الحسن الأشعريّ (ت 324)، ليخرج على المعتزلة وينشأ المذهب الأشرعي الذي حاول فيه التوفيق بين مذهب السنة والجماعة وبين الفكر الاعتزاليّ في مسائل الخلق والوجود واثبات وجود الله بتلك الأدلة الكلامية التي عاش العالم الإسلاميّ بعدها قرون يعتبرها فكر أهل السنة والجماعة! وبالطبع كانت مسألة الصفات على رأس تلك المسائل التي خاض فيها الأشعريّ، فأقر بسبعة منها وأول الباقي، بعد أن نفى المعتزلة كلّ الصفات وأولوها وعطلوها.

      أما علم المنطق، فإنه قد ازدهر في إبان عصر الترجمة منذ العصر الأموي[3]، وقويت في عهد هارون الرشيد، ومن بعده المأمون خاصة. وكان من أثر ذلك ترجمة المنطق الأرسطيّ وانشغال الناس به، ومحاولة إقامة التوازن بينه وبين الفكر السنيّ بعلم الكلام.

      وما يخصنا في علم المنطق هنا هو القياس الأرسطيّ الذي كان لأبحاثه أثر في القياس الإسلاميّ الأصوليّ، سواء كان مما اطلع عليه الشافعي، أو لا، إذ لا نتعرض لمباحث الإلهيات في المنطق، كموضوعات الماهيات والتصورات وغيرها، فهي فاسدة لا تصلح مع إسلام وهو من عمل من أسموهم فلاسفة الإسلام وعلى رأسهم الرئيس بن سيناء، ومن بعده الفارابي وبن رشد. لكنّا سنتحدث عن موضوع القياس الأرسطيّ من حيث هو وسيلة جاء بها علم أصول الفقه، للتعرف على أحكام المثل. ولا شك أنّ هناك ما تسرّب من علم الكلام والمنطق في طريقة تناول الأصول، لكن تأثيره معروف محدود، وهو ما سنتناوله بعد إن شاء الله.

      ويقوم القياس الأرسطي، باختصار شديد، على "التصور". أي تصور كنه الشئ كما يقول أرسطو في تعريفه "القول الدال على ماهية الشيء". وهو ما تقوم عليه المقدمة الكبرى أو الحد الأول في القياس المنطقيّ، ثم تأتي المقدمة الصغرى والنتيجة. ومن هذا "التصور"، جاء ضعف ذاك القياس، إذ لا أساس له إلا القضية الذهنية الذاتية. وهو ما بيّنه بن تيمية بوضوح في كتابه الفذ "الرد على المنطقيين". وقد بيّن بن تيمية أن القياس الأصولي، ومن ورائه، وأقوى منه الاستقراء بأنواعه، هو الطريق الأمثل للاستدلال، كما سنبيّن، فيما يلي دون استغراق في القضايا الأصولية إلا ما يعين على فهم تطور العلم.

      ونسأل الله إنارة البصيرة، فالعقول قاصرة إلا من أمدّ الله بمدد من عنده.

      يتبع إن شاء الله تعالى

      د طارق عبد الحليم

      29 يناير 2015 – 9 ربيع ثان 1436


      [1]  الرسالة بتحقيق أحمد شاكر ص21.

      [2]  حسب قول الله تعالى "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"

      [3]  نسبت بعض المباحث ذلك لخالد بن يزيد وعمر بن عبد العزيز الأمويين.