فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الجهاد الشامي ومسارات الفتنة - 3

      • 1764 قراءة
      • 0 تعليق
      • 00:05 - 27 أبريل, 2014

      الثورة بعين قوى « الجبر»

             ما يقوله « المركز» والنظام الطائفي عن الثورة في سوريا لم يكن خفيا أو سريا بقدر ما كان صريحا وواضحا بلا أي لبس أو مواربة. لكن المدهش والمحير حقا أن الحقيقة التي بات « المركز» يستشعرها بخطورة بالغة ويتصدى لها بشتى الآليات والأدوات لا يبدو أن الأمة تصدقها أو تحتمل تجلياتها الصارخة، ولا يبدو أنها مهيأة لدفع ثمنها بعدْ إلا من رحم الله. لذا لم يكن عيبا أو غريبا أن تتصرف أمة واقعة تحت « الجبر» بعقلية « الجبر» وما يهوى فتطالب الثورات بتدخل دولي من « المركز» ضد نظام مستبد وهي تعلم يقينا أنه هو من قام بزرعه وحمايته لعشرات السنين!!! ولم يكن عيبا أو مثيرا أن تستنصر الثورات بالرأي العام الغربي وهو الذي لم يخرج باحتجاج واحد على ذبح المسلمين وحرقهم وتقطيع أوصالهم في كل مكان من العالم!!! ولم يكن عيبا على القوى والنخب التي تسلقت الثورات أن تجتهد في استرضاء « المركز» وقوى الثورة المضادة وتقديم ما يلزمهما من التطمين لتحقيق « توافق» موهوم حتى لو كان من جيب الشريعة والعقيدة!!!

          ومع ذلك فليس صحيحا القول أن ما يسمى بالربيع العربي تحول إلى خريف أو شتاء، أو أن الثورة السورية عرقلت تقدمه بقدر ما اختُزل الحدث الثوري برمته في الثورة السورية التي أرعبت وأقلقت وأقَضَّت، ولمّا تزل، مضاجع كل النظام الدولي ومعه نظم الاستبداد، سواء تلك التي وصلتها الثورات أو لم تصلها بعد. قد يبدو مملا معاينة مئات التصريحات والمقالات والتقارير الدولية حول موضوع بعينه، لكنها مدهشة ومثيرة ومرعبة حين نكتشف من خلالها حجم الثورة السورية ومكانتها، وهي تتحدث عما (1) ألحقته من إصابات بالغة في النظام الدولي، أو (2) عن صراع النفوذ على النظام الدولي، أو عن (3) تهديدات بانهيار النظام الدولي برمته، أو عن (4) زوال النظام الدولي، بصيغته التقليدية، أو عن (5) وصول النظام الدولي إلى طريق مسدود إلا من الاحتفاظ بالطائفة « النصيرية» كطائفة مستأمنة على أمن النظام، وتتمتع بامتيازات السلطة، أو عن سياسات تهدد بـ  (6) حرب أهليه ثانية، وأخرى تتهيأ لـ (7) وضع سوريا تحت الوصاية الدولية الأمنية والعسكرية، وتمهد لذلك بـ (8) ضرب الثورة السورية من الداخل قبل فرض أي حل، أو (9) الاستسلام لفراغ في السلطة قد يستمر أكثر من عشر سنوات قادمة.

       

         وليس صحيحا أيضا أن الاقتتال الجاري في الشام بين القوى الجهادية هو اقتتال فتنة فقط حتى لو بدت عناصر الفتنة فيه كامنة وأوضح من الشمس في رابعة النهار. ولم يكن أحد من هذه القوى التي تورطت في الاقتتال بغافلة عن التحضيرات الدولية التي تجري على قدم وساق لافتعالها. لكن مراقبتها لسياسات النظام الدولي والإقليمي كانت أضعف من أن تقرأ المشهد الجهادي في الشام على حقيقته فضلا عن ضعفها المرير والمزمن في قراءة المشهد العالمي الذي تمر فيه البشرية في لحظة انعطاف هائلة لم تكن في مستوى قيادتها. لذا فإن سقوطها بلا استثناء في فخ الفتنة لم يكن، مع كل الوضوح الذي بدا عليه المشهد، إلا تعبيرا عن قصور فظيع خالطه قدر أفظع من الهوى والعصبية وتصفية حسابات قديمة فضلا عن الاختراقات وجنون العظمة الذي لازم البعض من قيادات الجماعات الجهادية والشرعيين.

       

      أولا: النظام الدولي

      1)    الصراع على النفوذ 

       

        في 10/5/2013 نشرت صحيفة « كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية تقريرا عن صراع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين أشارت فيه إلى أن: « تردد أميركا في اتخاذ خطوات فعالة في سوريا والمنطقة دفع الصين إلى المبادرة ومحاولة خلق علاقات إستراتيجية بالمنطقة، ليس بسبب ثرائها بموارد الطاقة أو التهديدات الأمنية، بل لأنها ستكون أهم مناطق العالم التي سيتم فيها حسم المنافسة بين القوى العالمية الكبرى». ورأت أن: « المنطقة من باكستان إلى ليبيا هي أكثر مناطق العالم التي تمر بمرحلة تحول عاصف منذ نهاية الإمبراطورية البريطانية». 

           وفي أعقاب فشل المجلس في اتخاذ أي إجراء بخصوص مجزرة الغوطة الكيماوية في 21/8/2013 قالت نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماري هارف،: « إن الخطوات التي اتخذتها روسيا بما في ذلك الاعتراض على ثلاثة قرارات سابقة لمجلس الأمن تدين حكومة الرئيس بشار الأسد، تشكك فيما إذا كان المجلس هو المكان المناسب للتصدي للحرب المستمرة منذ عامين». ووصف الكاتب بول فاليلي فقد وصف في مقال له في صحيفة « ذي إندبندنت أون صنداي – 8/9/2013» البريطانية، مجلس الأمن الدولي بأنه « معطل»، ونسبت الصحيفة إلى سفيرة الولايات المتحدة الأممية، سمانثا باور، قولها: « إن المجلس لم يعد يقوم بالواجبات التي نشأ من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية»، مشيرة إلى أن: « النظام الأممي اُبتكر عام 1945 للتعامل مع التهديدات من هذا النوع في المقام الأول».. ( لكن) .. « مجلس الأمن الدولي لا يقوم بمنع الأخيار من السيطرة على أفعال الأشرار وكبحها، ولكنه يتيح لروسيا استخدام حق الفيتو من أجل حماية حليفها الأسد، رغم إمعان الأخير في ذبح المدنيين بدم بارد وبالغازات السامة». وأكثر من ذك، قالت الصحيفة أن: « رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، يتبنى نفس وجهة النظر من المجلس الأممي». وبهذا المنطق فإن ضربة في الصميم تعرضت لها مصداقية الولايات المتحدة عند حلفائها. فمن سيثق بعدها أن الولايات المتحدة مرجعية يمكن الوثوق بها!!!؟

          وفي 11/9/2013 كتب المعلق في صحيفة « إسرائيل اليوم»، بوعاز بسموت، يقول أن: «  كل المؤشرات تدل على أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وليس أوباما هو الذي يدير مقاليد الأمور في العالم، مما قلص من أهمية الخطاب الذي ألقاه أوباما حتى قبل أن يتفوه بكلمة واحدة».

         أما الكاتب إيلاي سولتزمان في صحيفة « لوس أنجلوس تايمز -  12/9/2013» فكان أشد وضوحا في مقالته التي كتب فيها يقول: « إن لدى بوتين عقيدة تتمثل في السعي لبناء روسيا على حساب نفوذ الولايات المتحدة في العالم»، ... وأنه: « سعى لتحقيق هذا الهدف بشكل ممنهج منذ اعتلى سدة الحكم .. إنه يسعى إلى تجديد وضع روسيا على الخارطة العالمية، وإلى زيادة نفوذها السياسي على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك من أجل جعل البلاد تصبح دولة عظمى مرة أخرى»، .. وأنه: « استغل موارد روسيا الاقتصادية لتقوية الجيش الروسي، والذي تضاعفت ميزانيته ثلاث مرات منذ حوالي عشر سنوات».

        ومن جهتها قالت صحيفة الـ « واشنطن بوست - 14/1/2014» إن: « أوباما تعهد قبل خمس سنوات بتحسين صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل أن: الدور الأميركي بدأ يتضاءل في الشرق الأوسط، وأن خطة أوباما الكبرى لاستعادة مكانة واشنطن ونفوذها ووجهت بالتطورات السريعة والمشؤومة من أفغانستان إلى تونس، وسط صراع مرير بين السعودية وإيران للهيمنة على المنطقة، وأن: « الولايات المتحدة تواجه انتقادات إزاء سياساتها في كل من سوريا والعراق ومصر وليبيا وفلسطين وإسرائيل وأفغانستان وإيران ومنطقة الشرق الأوسط برمتها، وأن: « إدارة أوباما تسعى لشراكة مع إيران دون الاهتمام بالديمقراطيات الناشئة في تونس وليبيا، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تخسر حلفاءها في المنطقة الواحد تلو الآخر».

           في بداية الثورة السورية كانت التصريحات الروسية بخصوص النظام الدولي أكثر وضوحا من التصريحات الغربية. ولعل أول التصريحات المثيرة كانت تلك التي أدلى بها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عبر إذاعة « كومرسانت إف إم – 21/3/2012»، وحمل فيها بشدة على قادة الغرب حين قال: « إنّ الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا،
      فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام
      سنِّي في سوريا، ولا تراودني أي شكوك بهذا الصدد». وكأن لسان حاله يقول: « هل تريدون حكما سنيا»!؟ أي عودة الإسلام؟

          وفي تصريح له لوكالة الأنباء الروسية « نوفوستي – 3/9/2012»، أكد لافروف: « ] إن روسيا والولايات المتحدة تصبوان إلى تحقيق الهدف الواحد في سورية، وهو أن « تتحول سورية إلى نظام ديمقراطي تعددي يمارسه السوريون بأنفسهم في حين تحترم جميع الدول الأخرى سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، ولكنهما تختلفان على كيفية تحقيق هذا الهدف[»، وكان صريحا أكثر في ذات التصريح، لمن لا يريد أن يعقل الحقائق بلسان أهلها، حين قال: « من الواضح أن تواجدنا الإنساني في العالم لا يساوي قدراتنا ونحن نلاحظ هذا بسهولة .. إننا نستعيد بشكل واسع مواقعنا التي خسرناها في تسعينات القرن السابق، ونحن متخلفون جداً عن اللاعبين الدوليين في هذه المنطقة مثل الفرنكوفونيين، ومعهد جوته».

         ومن جهته قال الناطق الرسمي باسم الخارجية الروسية، الكسندر لوكاشيفيتش، في مؤتمر صحفي عقده بموسكو 21/6/2012: « من الواضح تماما أن الوضع السوري مرتبط بأسس النظام العالمي المستقبلي، وكيفية تسوية الوضع ستحدد إلى حد كبير كيف سيكون هيكل نظام الأمن الدولي الجديد والوضع في العالم عموما». وردا على التصريحات الغربية التي أعقبت بيان مؤتمر « جنيف1 - 30/6/2012»، واتهام روسيا بالتمسك بالأسد قال السفير الروسي في باريس، ألكسندر أورلوف، (20/7/2012): } إن ما تدافع عنه روسيا ليس نظام بشار الأسد، « لكنه النظام الدولي»{.

         ولا ريب أن المتابع يتذكر جيدا تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين تحدث عن الصراع على النفوذ في 11/7/2012 قائلا: « إن نفوذ الغرب آخذ في الاضمحلال مع تراجع اقتصاده .. وأنه .. مشارك في دبلوماسية منفردة خارج الأمم المتحدة للحفاظ على نفوذه في السياسة العالمية».

         وبعد مذبحة الغوطة ذهب إلى حد التهديد بانهيار النظام الدولي. ففي المقالة التي كتبها في صحيفة « نيويورك تايمز – 12/9/2013». ففي مقالته، التي جاءت بعد خطاب الرئيس الأمريكي والمقترح الروسي بنزع الأسلحة الكيماوية، تحدث بوتين عن خطر تفكك النظام: « ... لا أحد يرغب في أن تواجه الأمم المتحدة نفس المصير الذي آلت إليه عصبة الأمم من قبلها» .. مشيرا إلى أن انهيار الأمم المتحدة ممكن طالما أن: « الدول المؤثِّرة تتجاهل الأمم المتحدة وتنصرف إلى العمل العسكري دون تفويض من مجلس الأمن الدولي ». بل أن بوتين هدد بفوضى عارمة حين قال: « إن أي ضربة سوف تفاقم العنف وتُطلق العنان لموجة جديدة من الإرهاب. وقد تقوض الجهود المتعددة الرامية إلى حل مشكلة النووي الإيراني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتزعزع استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر. بل إن من شأنها أن تُفقد منظومة القانون والنظام الدولي برمتها توازنها».

      2) نهاية « سايكس – بيكو»!

           بعيدا عن التيار الجهادي العالمي؛ فلم يكن أحد من « المركز»، قبل الثورة السورية، يتحدث عن مخاطر حقيقية تتهدد منظومة « سايكس – بيكو» التي قسمت بموجبها بريطانيا وفرنسا بلاد الشام سنة 1916. ولا عن نماذج  « سايكس – بيكو» التي مزقت العالم الإسلامي، وحطمت بنيانه، وصادرت سلطانه قبل وبعد سنة  1916. لكن بعد الثورة صار الأمر موضع تداول من رموز « المركز» نفسه وأجهزة أمنه وليس من صحفييه وكتابه فحسب. 

         كنموذج سياسي من القراءات، يمكن ملاحظة ما كتبه وزير الخارجية الألماني الأسبق، يوشكا فيشر، في مقالة نشرت على موقع «الجزيرة نت - 1/6/2013 » بعنوان: «أمريكا المفتقدة». إذ قال فيها: « ( لقد) جرى الحفاظ على النظام الإقليمي الذي خلقته القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب الباردة والحقبة الوجيزة من الهيمنة الأميركية الأحادية التي أعقبت نهايتها، بيد أن اضطرابات السنوات الأخيرة العنيفة ربما تفضي إلى نهاية هذا النظام .. الآن أصبحت الحدود الاستعمارية محل تشكيك، ومن الصعب أن نتكهن بما قد تنتهي إليه أحوال سوريا ولبنان والعراق والأردن. والآن أصبحت إمكانية تفكك المنطقة وإعادة تشكيلها - وهي العملية التي قد تطلق أعمال عنف لا توصف كما يحدث في سوريا - أعظم من أي وقت مضى».

         أما أمنيا فثمة نموذج المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، مايكل هايدن، الذي كان مديرا للوكالة ( 2006 – 2009)، ثم مديرا للوكالة الوطنية للمخابرات ( 1999 – 2005). ففي 14/12/2013 عرض لثلاثة سيناريوهات « مخيفة بشكل رهيب» ليس منها انتصار المعارضة:

      •  السناريو الأول:

              « أن ينتصر الأسد .. وفي حال تحقق هذا الأمر، وهو مخيف أكثر مما يظهر، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا الخيار سيكون الأفضل بين هذه السيناريوهات المرعبة جدا جدا لنهاية الصراع. إن الوضع يصير كل دقيقة أكثر فظاعة».

      • السناريو الثاني:

             « تفتت البلاد بين فصائل متخاصمة. وهو « الأكثر ترجيحا»، ويعني « نهاية سايكس – بيكو». وسيؤدي ذلك إلى: « تفتت دول وجدت بشكل اصطناعي في المنطقة .. وولادة منطقة جديدة بدون حوكمة على تقاطع الحضارات. وبحسب هايدن فإن ما يجري في سوريا: « هو سيطرة المتطرفين السنة على قسم كبير من جغرافيا الشرق الأوسط ...، وهذا يعني انفجار الدولة السورية والشرق كما نعرفه».

      • السناريو الثالث:

             «استمرار المعارك إلى ما لا نهاية، بحيث يبقى: متطرفون سنة يحاربون متعصبين شيعة، والعكس بالعكس. مشيرا إلى أن: « الكلفة الأخلاقية والإنسانية لهذه الفرضية ستكون باهظة جدا».

         وفي المحصلة: « لا أستطيع أن أتخيل سيناريو أكثر رعبا من الذي يجري حاليا في سوريا». هذه هي العبارة التي ختم بها المسؤول الأميركي قراءته للحدث السوري.

         وعلى المستوى الإعلامي تحدثت صحيفة « نيويورك تايمز – 6/1/2014» عن « فراغ في السلطة» في الشرق الأوسط مشيرة إلى أن: « الأحداث الراهنة في المنطقة تبرهن على أن غياب الدور الأميركي فيها أدى إلى صعود الإسلاميين المتعصبين»، وأن: « المنطقة برمتها مهددة بالفوضى». ولاحظت الصحيفة أن الزعماء العرب: « يتحركون بقوة من منظور طائفي ومنطلقات أخرى لملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى في المنطقة».

          لكن مجلة « نيوزويك - 14/1/2014» الأمريكية صبت غضبها على إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مقال نشرته بعنوان: « من ضيع الشرق الأوسط؟ »، ولاحظت فيه أن: « الأنظمة العربية بدأت تضعف، وإن الدول العربية آخذة بالتفكك، وإن الحدود القديمة بدأت بالتلاشي»، .. وأن: « الشرق الأوسط يشهد أزمات عاصفة»، وأن: « المتطرفين بدؤوا يحققون انتصارات ومكتسبات على الأرض وسط الصراع الطائفي الملتهب في المنطقة، وخاصة في سوريا والعراق»، .. وأن: « الولايات المتحدة انسحبت من العراق دون أن تعقد اتفاقا أمنيا يكون من شأنه إبقاء قوات عسكرية أميركية في البلاد»، .. وأنه: « ليس لدى الرئيس الأميركي أي خطة لإعادة تشكيل المنطقة بعد أن بدأ نموذج الدولة المركزية يفقد السلطة لصالح المجتمعات المحلية، والتي بدأت بدورها تمارس حكما ذاتيا بعيدا عن سلطة الحاكم المستبد»، .. وأن: « الشرق الأوسط يشهد فراغا للسلطة في ظل غياب الدور الأميركي»، لاسيما « في سوريا»، وخلصت إلى القول بأن: « غياب الولايات المتحدة والفراغ الذي تتركه في الشرق الأوسط من شأنه تهديد استمرار وجود الدول التي نشأت بناء على اتفاقية سايكس - بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى».

      3) سقوط الدومينو

           سبق للرئيس السوري بشار الأسد، حين سئل بعد الثورة التونسية والمصرية، عما إذا كان من الممكن أن تندلع ثورة في بلاده فأجاب بالنفي، مشيرا إلى أن « سوريا مختلفة»!!! ولما وقعت الثورة هدد بـ « إشعال الشرق الأوسط في ست ساعات»، وفي مقابلة عاصفة مع صحيفة « الصندي التلغراف – 30/10/2011 » البريطانية، ذكّر الأسد « المركز» بالواقع الذي لم يختلف عليه أحد منذ تم اختيار الطائفة « النصيرية» لتكون الأمينة على النظام الدولي وأمن المنطقة، فقال:

           « إن سوريا اليوم هي مركز المنطقة .. سوريا مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس واليمن. التاريخ مختلف، والواقع السياسي مختلف .. إنها الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال، .. هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى أو العشرات من أفغانستان؟ .. أي مشكلة في سوريا ستحرق المنطقة بأسرها .. إذا كان المشروع هو تقسيم سوريا، فهذا يعني تقسيم المنطقة برمتها ... »، هذا لأن تقسيم سوريا وحدها بوصفها مربطا أمنيا سياسيا دوليا لا يكفي إذا ما سقطت الطائفة والنظام. وليت الذين يتحدثون عن فكرة إقامة دولة علوية في سوريا يدركوا أن المنطقة كلها ستصبح معرضة لتغيرات جيوسياسية تغير بنيتها بالكامل.

           ذات الأمر كرره في حديث خاص لقناة « روسيا اليوم» نشرت مقتطفات منه في 8/11/2012، حيث حدد الأسد مكانة سوريا، أو بتعبير أدق مكانة الطائفة « النصيرية»، في النظام الدولي قائلا: « أعتقد بأن كلفة الغزو الأجنبي لسوريا، لو حدث، ستكون أكبر من أن يستطيع العالم بأسره تحملها، لأنه إذا كانت هناك مشاكل في سوريا، خصوصا وأننا المعقل الأخير للعلمانية والاستقرار والتعايش في المنطقة، فإن ذلك سيكون له أثر الدومينو الذي سيؤثر في العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي .. لا أعتقد بأن الغرب يمضي في هذا الاتجاه، لكنه إذا فعل فلن يكون بوسع أحد أن يتنبأ بما سيحدث بعد ذلك».

         وهذه الحقيقة الضامنة لضرورة استمرار الطائفة في الحكم، وليس الأسد بعينه، سبق وأكدها رفعت الأسد، في مقابلة مشتركة مع وكالة « فرانس برس» وصحيفة « لوموند – الفرنسية - 14/11/2011»، حين قال بأن: « الحل يكمن في أن تضمن الدول العربية لبشار الأسد سلامته كي يتمكن من الاستقالة وتسليم السلطة لشخص لديه دعم مالي ويؤمن استمرارية جماعة بشار بعد استقالته، يجب أن يكون شخصًا من عائلته: أنا أو سواي» .. حقيقة تقع ضمن صيغة « الحل مع النظام» التي عبر عنها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، ليون بانيتا، في مقابلة تلفزيونية في 31/7/2012 زعم فيها أن الولايات المتحدة لن تكرر « خطأ العراق!!! حين قامت بحل الدولة ومؤسساتها: « إن الحفاظ على الاستقرار في سوريا سيكون مهما وفق أي خطة تتضمن رحيل الأسد عن السلطة، وأن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هو الحفاظ على أكبر قدر من الجيش والشرطة متماسكاً». وهو عين ما تناقلته وسائل الإعلام عن وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون في 12/8/2012: « يتوجب على الشعب السوري قيادة عملية الانتقال السياسي وأن يحافظ على سلامة المؤسسات السياسية بالبلاد».

        لكن الحقيقة الثابتة أن العراق زمن الرئيس الراحل صدام حسين كان محسوبا على السنة، مما استدعى تفكيكه وتسليمه للشيعة وإيران، وهو ما اعترفت به مقالات المسؤولين الأمريكيين وكتاب الصحف الأمريكية بمناسبة مرور عشر سنوات على احتلال العراق، في حين أن « النصيرية» في سوريا هي امتياز دولي ليس من العقل الغربي التفريط به. وليس هذا ، بطبيعة الحال، بعيدا عن موقف المبعوث الدولي الجديد الأخضر الإبراهيمي وهو يعبر عما قاله بانيتا وكلينتون بالصيغة الدبلوماسية: « على السوريين أن يجتمعوا معا على كلمة واحدة من أجل التوصل إلى صيغة جديدة. هذا هو السبيل الوحيد ليتمكن جميع السوريين من العيش معا في سلام في مجتمع لا يقوم على الخوف من الانتقام بل على التسامح».

            مطلع الربيع عاد الأسد يتحدث للمرة الثانية عن « نظرية الدومينو». ففي 2/4/2013 أجرت قناة « أولصال» وصحيفة « إيدنليك» التركيتين لقاء معه بثه المكتب الإعلامي في الرئاسة السورية على موقع فيسبوك مساء 5/4/2013، وقال فيه: « الكل يعرف أنه إذا حصل في سوريا اضطراب وصل إلى مرحلة التقسيم أو سيطرة القوى الإرهابية في سوريا أو كلتا الحالتين، فلا بد أن ينتقل هذا الوضع إلى الدول المجاورة أولا، وبعدها بتأثير الدومينو إلى دول ربما بعيدة في الشرق الأوسط ويستمر لسنوات وربما لعقود طويلة». ووجه كلامه إلى القيادة التركية مشيرا إلى أن: « الحكومات ستذهب ولن تبقى إلى الأبد .. علينا ألا نسمح للحكومات والمسؤولين الحمقى منهم وغير الناضجين أن يضربوا هذه العلاقة .. (لكن) المشكلة هي كيف تقنع المسؤولين الأتراك الآن الموجودين في الحكومة - وفي مقدمهم رئيس الحكومة- بأن الحريق في سوريا سيحرق تركيا.. هو لا يرى هذه الحقيقة».

          كل هذه التصريحات تؤكد حقيقتين هما:

          الأولى؛ أن عظمة الثورة السورية تكمن في قدرتها على هز النظام الدولي من جذوره بما لم تستطع فعله كل قوى الأمة وجهودها في المائة سنة الماضية. ولعل من يفتش في التراث السياسي الدولي لن يجد تصريحات من هذا النوع أبدا. ومع ذلك ثمة من يتوسل النظام الدولي في الحل والنصرة أو ينزوي كالنعامة في أضيق الحدود بدلا من أن يستغل الظرف الراهن للخروج من الهيمنة أو على الأقل إحداث تغيير ما في معادلات القوة القائمة منذ عشرات السنين.

          أما الثانية ففي التأكيد على أن الصراع الدائر بين القوى الدولية هو صراع على النفوذ من جهة وعلى قيادة النظام الدولي من جهة ثانية وليس صراعا على نصرة سوريا أو الأسد. ومن الغبن، إنْ لم يكن من الحماقة والبلاهة وكل التوصيفات المشينة، الاعتقاد بأن الروس والصينيين والإيرانيين يتحملون وزر الدماء والدمار الذي لحق سوريا دون الأمريكيين أو البريطانيين أو الفرنسيين.

        وعليه فلا يمكن للنظام الدولي أن ينجح في التلاعب بمصائر الناس ما لم يكن من بين الناس من هو قابل موضوعيا، ومؤهل أخلاقيا، ومفرِّط عقديا، لِأن تمضي الألاعيب حتى نهاياتها. ولا يمكن أن تكون القوى القابلة للامتطاء الدولي، بقطع النظر إنْ كانت إسلامية أو علمانية، إلا من النوع الذي لا يضيره أن يدفع من جيب العقيدة ثمنا لدساتير الحداثة، أو الذي يتخذ من أنهار الدماء مجرى غزيرا للثراء، أو الذي يصر عبثا، منذ بداية الثورة، على المطالبة بالحصول على ما يلزمه من سلاح للإطاحة بالأسد، أو إقامة منطقة حظر جوي أو ممرات آمنة، أو الذي يتعبد الله بالوصاية الغربية على سوريا بحثا عن جيفة يعتقدها غنيمة .. هؤلاء وأمثالهم مؤهلون لارتكاب الموبقات السبع إما مكابرة وجهلا وإما يقينا وإما مصلحة وإما نجاةً وإما بُعْداً عن التكلفة.

         سواء فَقِهَ هؤلاء أو لم يفقهوا .. علموا أم لم يعلموا .. قبلوا أو رفضوا .. أحبوا أو كرهوا .. فإن الحقيقة الوحيدة تؤكد بأنه من المستحيل الاعتقاد بأن « المركز» يمكن أن يفرط بسوريا باعتبارها مربطا سياسيا إقليميا، وأمنيا دوليا، ما لم يتم اقتلاعه من الجذور بالقوة كما زُرِع بالقوة. إذ أن نجاح الثورة السورية في اقتلاعه سيؤدي إلى انتقال النظام الدولي من حالة النظام المُهَدَّد إلى حالة النظام المُنهار مع ما يستتبع هذا الانهيار من فوضى عالمية طاحنة!! لذا من الهوس الاعتقاد بأن شقي النظام الدولي ( الشرقي أو الغربي) يمكن أن يستأمنا أصحاب الظهور المنحنية على أمن النظام الدولي وسلامته وصلابته عبر تفاهمات واتفاقيات ومعاهدات لا قيمة لها تذكر ما لم تكن تعبيرات عن قوى مادية.

         العجيب يكمن أيضا في ذلك الذي ظل يردده البعض من السوريين، جهلا أو مكابرة، وهم يبررون مطالبهم بالتدخل الغربي لإسقاط الأسد باعتباره رأس النظام. أما بقايا النظام فهم قادرون على التعامل معه!!! مشكلة هؤلاء الذين فشلوا في المكر بما يسمونه « النظام الأمني الأسدي» أنهم يعتقدون بقدرتهم « الخارقة» على المكر بالنظام الدولي! وكأن هذا النظام، الذي بلغ من القوة والهيمنة ما بلغ، وزرع « النصيرية» في الشام و « اليهودية» في بيت المقدس، واستحوذ على الفتوى، وأدخل العالم الإسلامي برمته تحت جبره، ساذجا إلى الحد الذي يمكن لهؤلاء المكر به وخداعه، لا ريب أن هؤلاء ضلوا، ولو كان بمقدور المؤمنين، وليس هؤلاء فحسب، أن يمكروا بملل الكفر لما تكفل الله، عز وجل، بهم حين قال: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؟

         الثابت الوحيد الذي لا جدال فيه أنه ما كان لهؤلاء وأمثالهم أن يسترضوا « المركز» أو يغروه أو ينتزعوا منه ولو سلة غذاء، ناهيك أن يحظوا بنصرة من « الناتو» أو حظر جوي أو مناطق آمنة أو سلاح لم ينفكوا عن المطالبة به حتى بعد أن دخلت الثورة عامها الرابع وغدا الناس يموتون من الجوع وليس فقط من البراميل المتفجرة. فليتأمل هؤلاء أوضح المواقف الأمريكية على الإطلاق:

       

            فقد نقلت وكالة « رويترز – 25/7/2013» البريطانية للأنباء عن رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية الجنرال، مارتن ديمبسي، أنه أوصى بـ: « بتوخي الحذر فيما يخص التدخل العسكري في سوريا، معربا عن خشيته من أن يحوّل أي إجراء غير مدروس سوريا إلى دولة فاشلة تكون فيها المعاناة أسوأ في الواقع»، وبصريح العبارة فإن: « التدخل في سوريا سيكون عملا من أعمال الحرب قد يتكلف مليارات الدولارات».

       

          في خضم الجولة الثانية من مؤتمر «جنيف2»، على موعد مع الرئيس الأمريكي في مؤتمر صحفي مشترك بواشنطن (11/2/2014). وفيه أدلى أوباما بأخطر تصريح أمريكي منذ بدء الثورة السورية حين قال: « الوضع على الأرض في سوريا مريع»، مشيرا إلى أن: « الدولة تنهار، وهو ما يشكل خطرا على الأمن العالمي». 

       

           ومع ذلك، وعشية توجهه إلى السعودية، فقد أدلى الرئيس الأمريكي بتصريح لشبكة التلفزيون الأميركية « CBS – 29/3/2014 » في روما قطع فيه الطريق على كل أولئك الذين منّوا النفس أو تعبدوا الله في التدخل أمريكي المأمول منذ بدء الثورة معتقدين أن القوات الأمريكية أو الناتو جمعيات خيرية تلبي رغبات المحتاجين. وفي التصريح، الذي نقلته وكالة « فرانس برس» الفرنسية، دافع عن عدم تدخل أمريكا قائلا: « من غير الصحيح الاعتقاد بأن الولايات المتحدة كانت في موقف تستطيع فيه منع حصول ما يحدث الآن في سوريا عبر توجيه بضع ضربات محددة الأهداف»، وكان قاطعا في القول: ليس أن الأمر لا يستحق العناء، ولكن بعد عشر سنوات من الحرب فإن الولايات المتحدة لها حدود»!! .. حدود ( بل قيود) تفرضها الأزمة الرأسمالية الطاحنة التي تضرب العالم الرأسمالي برمته وفي مقدمته الولايات المتحدة، وعليه، والكلام لأوباما، فـ: « إن الجنود الأميركيين الذين يتناوبون على الخدمة وعائلاتهم، وتكاليف هذا الأمر، والقدرة على التواصل بشكل مستدام إلى حل قابل للحياة دون وجود التزام أميركي أكبر، ربما لعشر سنوات أخرى، هي أمور صعبة التنفيذ من جانب بلاده». 

       

      ثانيا: المصالحة مع النظام أو الحرب الأهلية!

       

          في الوقت الذي أشغلت في الثورة السورية العالم بحثا عن مخرج يجنب النظام الدولي الانهيار أو الخروج من أزماته .. وفيما نتابع قراءة المشهد تجاه الثورة ووقائع التحضير للفتنة على المستوى الدولي، انفجرت الأحداث في أوكرانيا لتلتهم روسيا جزيرة القرم برمشة عين، ثم تهدد الشرق الأوكراني برمته، فضلا عن دول مجاورة كأستونيا. أما الأسوأ في الأزمة فهو ما بات يسمى بـ « السلام الهش» في أوروبا التي لم تشهد لحظة استقرار في حياتها تزيد عن الستين عاما الماضية. ويبدو أن قوى « الجبر» لم تعد قادرة على البقاء ضمن الصيغة التي رسمتها لنفسها وللعالم بعد الحربين العالميتين، وأن الآلام التي جرى ترحيلها إلينا خلال العقود الماضية تتلمس طريقها إلى الانبعاث ثانية في قلب أوروبا .. القارة الأمثل للأحقاد والضغائن والاستبداد والحروب العالمية.

         فكيف سيكون حال « المركز» الذي يجتهد في البحث عن مخرج يجنب النظام الدولي الانهيار أو الخروج من أزماته إذا كان التفكك ونذر الحروب القومية والطائفية قد وصلت إلى عقر داره؟ لنرى ما حذر منه المتحدثون في الفعالية التي أقامها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني بالكاتدرائية الفرنسية في برلين بمناسبة مرور مائة عام على الحرب العالمية الأولى التي دشنت عصر « الجبر» في العالم.

           ففي 14/4/2014، اتهم وزير الاقتصاد الألماني ونائب نائب المستشارة الألمانية، زاغمار غابرييل، موسكو بـ: « إحياء شبح النزعة القومية التسلطية من سباته بسياستها الراهنة، مشيرا إلى أنها أثارت بذلك أزمة تتماثل مع العوامل التي أشعلت الحرب العالمية الأولى» .. ومحذرا من أن الأزمة الأوكرانية المستمرة تظهر أن: « السلام في أوروبا ليس من البديهيات»، وأن: « روسيا تبدو مستعدة لإرسال دبابتها لاجتياز الحدود الأوروبية». لذا فقد شدد الوزير في كلمته على: « أهمية عدم نسيان دروس الحربين العالميتين الأولى والثانية والاتعاظ بها».

          أما رئيس الوزراء الفرنسي، غابرييل فالس، فاعترف بأن: « السلام الموجود في أوروبا ما زال هشا .. وإن العوامل التي أطلقت الرصاصة الأولى للحرب العالمية الأولى لم تختف من القارة الأوروبية بعد. ورأى رئيس البرلمان الأوروبي، مارتن شولتز، أن هذه الفعالية: « تذكّر بحرب مروعة شارك فيها 65 مليون إنسان قتل سدسهم، وبقصة لا ينبغي تكرارها للعنف والدماء وصور الموت التي ما زالت تثير الفزع بعد قرن من حدوثها». ولم يفته أن يحذر من: « انتشار التيارات الرافضة للوحدة الأوروبية وانتقال تصوراتها من الأطر السياسية إلى أعماق الطبقة المتوسطة في المجتمعات الأوروبية».

       

         هل تتابع قيادات المعارضة فضلا عن قيادات الجهاد والقوى الإسلامية ما يجري حقا في العالم؟ وهل تدرك فعليا لحظة الانعطاف التي تعيشها البشرية ومدى هشاشة أوروبا والنظام الدولي؟ أم أنها لا تدرك إلا ما هو معروض عليها من خيارات بائسة ودموية كتلك التي تطرق أبواب أوروبا؟ وهل يمكن للنظام الدولي أن يقدم للثورة أكثر من حزمة دماء برسم السفك؟ لنتابع.

           الخيارات المطروحة على المعارضة السورية هي بين اثنين لا ثالث لهما: « إما القبول باستمرار الأسد، ومن ورائه الطائفة وإيران، أو التعايش مع عشر سنوات أخرى من الحرب». هذا الخيار دافع عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال حديث لصحيفة « إسرائيلية» تصدرها حركة « حباد» اليهودية (هَموديّاع – 14/6/2013) دعا فيه « إسرائيل» إلى: « عدم القلق من بقاء نظام بشار الأسد»، مشيرا إلى أن البديل لهذا النظام هو: « الفوضى التي ستسود في المنطقة وهذا أمر ليس جيدا لإسرائيل ولا للعالم». كما دافع عنه وزير الاستخبارات والشؤون الإستراتيجية « الإسرائيلي»، يوفال شتاينتز، في مقابلة مع صحيفة بريطانية في 26/7/2013 حين قال بأن: « هناك احتمال واقعي بأن يستمر الأسد في منصبه وتصبح سوريا في الواقع تابعة تماماً لإيران وجزء من محور شيعي يضم إيران والعراق وسوريا ولبنان».

         ذات الأطروحة دافعت عنها صحيفة « الاندبندنت – 6/12/2013» البريطانية حين قالت أنه: مع « القوة المتنامية لتنظيم القاعدة في البلاد، من ناحية الاستقرار الإقليمي، أصبح الأسد أهون الشرين تقريبا». ولحقت بها صحيفة « كريستيان ساينس مونيتور – 6/1/2014» الأمريكية حين: « تساءلت عن إمكانية استمرار نظام الأسد في السلطة، وسط خشية الغرب من سيطرة من يسميهم المتطرفين الإسلاميين على سوريا أكثر من خشيته من بقاء الأسد في سدة الحكم». وفي السياق ذكّرت بما كتبه السفير الأميركي السابق لدى سوريا، والخبير في شؤون الشرق الأوسط، ريان كروكر، في صحيفة « نيويورك تايمز»، وقال فيه: « إن الأسد يبقى أقل الخيارين سوء».

         هذه الأطروحات استفزت وزير الخارجية التركي، أحمد داوود أوغلوا، الذي رد عليها في مقابلة تلفزيونية نشرتها وكالة أنباء الأناضول في 10/1/2014 بالقول أن: « بعض الدوائر تبرز تهديدات القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام حتى تروج لمفهوم أن نظام الأسد أقل الشرين». ولعل أطرف ما في تصريح أوغلو أنه يذكر بلعبة العصا والجزرة التي سبق وأن لعبها الأمريكيون في العراق مع السنة حين كانوا يعدون لمشروع « الصحوات» تمهيدا لضرب المشروع الجهادي. وكما يقال في المثل لا تقص الأثر والذئب أمامك. فلنتابع ما يقوله أحد مسؤولي الائتلاف بنفسه دون الدخول في التحليلات والاستقراءات.

          ففي خضم التحضير لانطلاق « جنيف2»، وتَمَنُّع بعض المعارضة عن المشاركة، نسبت كل من صحيفة « الغارديان» ومحطة الـ « BBC » البريطانيتان إلى مسؤول في الائتلاف السوري المعارض قوله في 14/1/2014 أن: « الولايات المتحدة وبريطانيا طلبتا منا الذهاب إلى جنيف، وأوضحتا بأنهما لن تستمرا في تقديم الدعم لنا كما تفعلان الآن، وأننا سنفقد مصداقيتنا مع المجتمع الدولي إذا لم نشارك في المؤتمر». مضيفا أن: البديل الوحيد المتبقي في سوريا سيكون حكومة الأسد أو المتطرفين من دون المعارضة المعتدلة». لكن أطرف ما ورد على لسان هذا المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه، بحسب المَصدَريْن، حين تساءل كما تساءل بعض السنة العراقيين عشية إطلاق مشروع الصحوات: « مع من ستتعامل الولايات المتحدة وبريطانيا إذا لم تتعاملا معنا، مع نظام وحشي استخدم الأسلحة الكيميائية أم مع تنظيم القاعدة؟ ».

         لذا لم يكن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف يهذي حين قال في 19/11/2013 بصريح العبارة أن: « الأولوية الحالية في سوريا هي لمحاربة الإرهاب وليس لتنحية الرئيس»، ولم يكن يتخبط حين أكد لقناة روسيا اليوم - 24/12/2013،: إن تحقيق الاستقرار في سوريا مهمة ذات أولوية»، وأن: « الحديث عن الشخصيات ونظام الانتخابات في سوريا جديدة له أهمية ثانوية». ولم يكن يضغط عليه أحد حين أكد في 17/1/2014 أن مؤتمر « جنيف2» لا بد وأن يعقد « في كل الأحوال» باعتباره « المخرج الوحيد للأزمة».

          هكذا انطلق مؤتمر «جنيف2 - 21/1/2014» وفق الأهداف الدولية وليس وفقا لأهداف الثورة التي تتضمن بحسب رئيس الأركان، سليم إدريس، ومنذ 19/11/2013،: « رحيل الأسد وقادة أجهزته الأمنية والعسكرية» ..  وهو ما سبق وعبر عنه المتحدث باسم الائتلاف، وليد البني، في 1/12/2012 في ختام أول اجتماع للائتلاف بعد الإعلان عن تشكيله في العاصمة القطرية – الدوحة حين قال: « إن الائتلاف مستعد للنظر في أي اقتراح إذا رحل الأسد وحلفاؤه بمن فيهم كبار الضباط في الجيش وأجهزة الأمن»، ... قاااااااادة وليس تفكيك الأجهزة الأمنية الطائفية!!! أما الأهداف فهي:

       

      • منع وقوع فراغ سياسي في السلطة ولو جزئي يمكن أن يؤدي إلى سقوط النظام أو تهديده بالتأكيد على منع التسليح، وأي حظر جوي، أو إقامة أية منطقة عازلة، وكذا منع الإغاثة، ومنع انتصار الثورة، فضلا عن التدخل الدولي وقت الضرورة القصوى.
      • المحافظة على أدوات التحكم والسيطرة عبر بقاء « النصيرية» أولا كامتياز دولي، ودعمها عبر إشراك كل الطوائف الأخرى والقوميات والأقليات والإثنيات، حماية المصالح الدولية الحيوية، السياسية والأمنية، وكذا المصالح الاقتصادية والثقافية والعلمية، وتقوية الأدوات الضاربة المحلية عبر القوى العلمانية والـ BKK  وصناعة المزيد من الأدوات المحلية الأخرى.
      • الاحتفاظ بالإرث الأمني للنظام لاستمرار الدور الأمني لسوريا « النصيرية» عبر الاحتفاظ بنفوذ الطائفة العسكري والأمني والاقتصادي والثقافي.
      • تأمين انتقال سلمي للسلطة عبر إقامة دولة طوائف على شاكلة لبنان، وتحت مسمى الدولة المدنية، على أن تحتفظ الطائفة « النصيرية» فيها بنصيب الأسد في السلطة بما لا يقل عن النصف والنصف الآخر لبقية المجتمع السوري، بما فيه العرب السنة باعتبارهم مجرد مجموعة من المجموعات الإثنية.

         لكن ما جرى في سوريا ويجري من تدمير واسع النطاق، وقتل بالغ الوحشية، بلا أية حسابات أو روادع، وانتهاكات تفوق القدرة على التصور والاحتمال، وأضرار شنيعة طالت كل عائلة، واستنزاف في الكرامة لا حدود له، يصعب معه على أي مراقب موضوعيا تَصوُّر أية إمكانية للمصالحة مع نظام طائفي استحوذ على إرث دموي رهيب فضلا عن استحواذه على كل مفاصل الدولة والمجتمع وحتى ممتلكات الفرد النفسية والقيمية والأخلاقية والعقدية.  

         زيادة على ذلك فالثورة السلمية في سوريا، على العكس تماما من التكون التاريخي للثورات المسلحة التي كانت تنطلق عادة من النخبة، ضد الاستعمار أو النظم الاستبدادية، وتتسع باتجاه عموم الشعب ، تحولت إلى ثورة مسلحة من القاعدة باتجاه القمة دون أن يكون لها أية أطر تنظيمية على أي مستوى كانْ سواء سياسيا أو عسكريا أو أمنيا أو جماهيريا أو عقدي أو حتى أيديولوجي. وهو وضع جعلها ثورة بلا تنظيم ولا رأس ولا قيادة بحيث يمكن تنظيم فعالياتها وتوجيهها في اتجاهات منتجة[1]. بمعنى أن كل مجموعة ناشطة سلميا انتهت إلى حمل السلاح. فإذا كانت ليبيا، ذات الستة ملايين نسمة، قد أفرزت نحو 1700 مليشيا مسلحة بحسب التقديرات الرسمية فكم ستفرز سوريا ذات الـ 24 مليون نسمة؟ لا شك أننا بصدد خمسة إلى سبعة آلاف مجموعة مسلحة. لكن بفعل عمليات الاندماج والاختفاء انتهى الرقم إلى نحو 1200 مجموعة مسلحة، بحسب تقديرات أمريكية، أوردها نائب مدير وكالة مخابرات الدفاع الأميركية، ديفيد شيد، في كلمة ألقاها في منتدى أسبين الأمني في كولورادو في 20/7/2013، مشيرا إلى أن الصراع في سوريا يمكن أن يستمر سنوات، هذا فضلا عن عشرات ا