حين تعلو أصواتُ الحناجِر على توجيهات العَقل، وتتفوّق الحَركة على الفِكر، وحين تتلاحَم الأجْساد، وتتقارب الأنفاس، تتشَابك الأفكار وتتلاشَى الحدود بين الثوابِت، في هُلامياتٍ ضبابيةٍ مُشَوّشةٍ. لذلك فإن من المهم في هذه المواقف أن لا تضيع عن أنظارنا الأصول وتختلطُ الأهداف.
هدفُ الثورةِ، التى أجمَعَت عليه أطرافها، إزاحة النظام وإسترداد الحُرية الضائعة. والحرية رَديفة العَدل والمُساواة، وإحقاق الحَقّ وأبطَال الباطِل.
إذن، وحَسْب الواقع الثابت على الأرض منذ أربعة عشر قرناً، وحَسب ما تحكُم به قاعدة إنتصار الأغْلبية التي يقدّسها العلمانيين، فإنّ الغالبية العُظمى من الشَعب الثائر هي أغلبية مُسْلمة، ظَهر ارتباطُها بإسلامها في ذلك الحَشدِ الهَائل من المُصلّين في ميدان التحرير (الشهداء). وهو ما لا يَجب أن يغيبَ عن أعينِ الثائرين لحظةً واحدة، أعنى به الهَوية الإسْلامية للثورة المِصرية.
في بيان صدر عن مَجموعة من "المُثقفين" القَبَط، كان ثاني مَطالبِهم هو إقامَة دولةٍ مدنيةٍ، وهو التعبير المُسْتَحدث للدولة العلمانية اللادينية. وهم بهذا يُملون هويتهم على بقية الشَعب الثائر، رغم دعواهم، بل ودعوى الجَميع، أنّ الثورة لا تتعرّض لمطالب دينية أو طائفية. فكيف يكون مَطلباً لهم أن تكونَ الدولةَ عِلمَانيةٌ، أو مَدنية كما يحبون أنْ يسمونها؟
ثم إننا نرى الإخوان المُسلمون، كغيرهم، لا يتحدثون عن هَويَة إسْلامية، وهو ما نتفَهّمه في ظلّ هذه الظُروف، إلا إننا كذلك نعرف، وهم يعرفون، أنّ الغالبية العُظمى هم من المُسلمين الذين، حين يأتي وقتُ الإقتراعِ، لن يرْضوا بتنحِية الإسلام من الدُستور كمرجعٌ شَرعيّ، ولن يجرُأ القبط حينئذ أن يتفوّهوا بكلمةٍ إذ هو حكم الأغلبية، وقد رأوا غَضْبة المسلمين إذا غضِبوا.
وإذ نؤكد أننا لا نريد ولا نقصد إلى تمزيق النسيج الوطني، خاصة في هذا الوقت العصيب، إلا أنه من الملاحظ أن القبط قد إنقسموا قِسمين في الظاهر، أحدهما الرسميّ وعلى رأسه مؤسسة الكنيسة المؤيدة للنظام، وهو ما لا يمكن أن نلومها عليه إذ مؤسّسة الآزهر ومؤسسة الإفتاء تقف في صَفّ النِظام! والشق الثاني هم من أُطلق عليهم "المثقفون" القبط، الذين أعلنوا تأييدهم للثورة على أن تغيّر هوية الدولة إلى هوية العلمانية، أو، إن شئت، المدنيّة. وهذين الشِقّين، كما أرى، هما وجهين لِعُملة واحدة، وهو تكتيك تريد به الأقلية الضئيلة في مصر الفوز بما ليس لها ، والتعَدّى على حُقوق الغَالبية السَاحقة الثائِرة، في دولة تحْمِل هويّة تاريخِية إسلامية ثابتة مجيدة، حمت القبط واختضنتهم مدة أربعة عشر قرناً.
وقد يكون هذا مقبولاً من البرادعيّ، لخلفيته العلمانية التي ترى الحُرية في مِصر قد توجَد غَيرَ مقترنة بهَويّتها الدِينية، وقد يقبل بهذا أيمن نور، أو السيد البدوى، فكلّ هؤلاء لا يَعرِفون دين الله الخَالص، ولا يأبَهون إلا لتحقيقِ فوزٍ حِزبيٍّ ضَئيل. إلا أن هؤلاء، مثلهم مثل لجنة اللاحكماء، ليس لهم سَندٌ من الناسِ فلا مُعوّلٌ على ما يقولون. لكنّ هذا المطلب ليس ممكناً، بل ومرفوضاً من الغالبية المُسلمة التي عبّرت عن وجهها الإسلاميّ بكل قوة وشَفافية في صَلاتها وتكْبيراتها طِوال أيام الثوْرة.
ولو أنه من المُبكر كثيراً أن نتحدث في هذا الأمْر، إذ إن النظام، بمؤسّساته الرئاسية والعَسكرية، قد أثبت عِناداً واسْتهانة بالشَعب وإرادته، ولا أحدُ يَعلم إلى الآن ما سَيقْضِى الله به على الثورة، إلا إنه يجب ألا يغيبَ هذا البُعد الهَام عن أذْهان العَاملين في تحريكِ الثورة وتأطيرها. والحَركاتُ الشَعبيةُ، متى إنحَسَر مَدّها، وتحقّقت مَطالبها المُعلنة، وقعت تفاصِيل التغيير الذي قصدت اليه في أيدى من قد لا يُؤتمن على هوية الدولة المِصْرية، وتاريخها العَريق. فمن ثمّ، وَجَبَ أن يُمثل هذا البعد مَطلباً، وإن بدا بديهياً لدى غالب شباب الثورة، إلا إنه يجب أن يكون معلناً كذلك، حتى لا يَسرقُه من لا يُؤمن به.
والقبط، لا خوفٌ عليهم في دولة إسْلامية، بل، وأقولها حقيقة مستقرة، أنّ حُقوقَهم وذِمَتهم مَرعِية ومَكفولة في ظلّ حُكم مُسلمٍ أكثر منها في ظلّ حُكمٍ وضعيٍّ لا يراعى الله في الأقلّيات التي تَعيشُ في جِوارِه. وطالما أنّ القبط يعلمون ما لهم وما عليهم، وطالما أنهم لا يعتدون بمطلبِ تغيير الهويّة الإسلامية التي هي مِظلة الغَالبية السَاحقة، فلن تُخفر حقوقهم، وبيننا وبينهم ذمة الله ورسوله.
وإلى هؤلاء الذين يَحمِلون هَويات إسْلامية، ويدّعون أنهم من المُسْلمين، نقول ما قاله الله سُبحانه: "ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ" الحج 41