بُشرى نَزُفّها للمُواطِن العَربيّ المَقهُور، الذي يَعيش في ظِلِ دِكتَاتوريات تَستَبيح دِماء أبناء شُعوبها وأمْوالهم وأعْراضهم، أن لستَ وحدك المقهور في بلاده، بل، والعجب كلّ العجب، أنّ مثيلك في أكبر "الديمُوقراطِيات" العَالمية مَقهور مثلك، خائفٌ يترقب، أن يُتَهم بالخيانة والعداء لوطنه إن تفوه بكلمةٍ معارضةٍ! نعم، في أمريكا نفسها، تلك الدولة التى تزعم أنها تنشر الديموقراطية والحُرية في العالم، بينما هي دعاوى بلا مضامين، وأصوات طَحنٍ بلا عَجين.
ولست من يقول هذا دعوى من عند نفسه، بل هناك العَديد من الكتب التي تتناول ظَاهرة الإرهَاب الحكوميّ الذي اسْتحدثته آلةُ التطرف الجمهوريّ، خِدمة للطَائفة الأفنجليكلية المتطرفة “Ultra-conservative evangelicalism”، المُوالية للصَهَاينة والمُعَادية لبقيّة الطَوائف البروتستانتية والكاثوليكية في أمريكا.
وقد انتهيت لتوى من قراءة كِتاَبٍ نُشِر في عام 2008 وحَاز على ثلاثة جوائز رفيعة، اسمه الأخ الصغير، "Little Brother"، بقلم كورى دوكتورو "Cory Doctorow"، الكاتب اليهوديّ الكنديّ. وهو قِصّة تعْكس الرُعب الذي يعيشه المُواطن الأمريكيّ، منذ أن وُضِع قانون الوَطنية "الطوارئ" الأمريكي" "Patriotism Law" مَوضِع التنفيذ، واستُحْدِثت وزارة جَديدة، هي وزارة الأمْن الوَطنى "Home Land Security"، تأخُذ بأسوأ ما في وزارة الدَاخلية والمُخابرات العَامة في البلاد، من قدرة على الإعتقال والحَبس والتَجَسّس والتصَنت، دون اللجُوء إلى القضَاء.
وهذا الكتاب، رغم أنه قصَصِّيٌ في طَبيعته، إلا أنه إلى جَانب أهَميته من حَيث يبيّن ما تَمرّ به الحُريّة الأمريكية المَزعومة، وما يَدعَمُها من نِظامٍ "ديموقراطيّ" مَشبوه، من أزْمة في مَوطِنِها، فهو كذلك يبيّن أنّ مقاومة الإرهَاب يمكن أن تَتخِذ أي صُورة من الصُور التى يمكن أن تؤثر على عَمل الجِهات الإرهابية الحكومية، وتعطّل آلتها، وتَستَنفذ إمْكانياتها، بأقلّ القَليل من الخًسَارة كما فعل "ماركوس"، الشَخصية الرَئيسية ذات السَبعة عَشر عَاماً، في الكِتاب المُشَار اليه، حين لجأ، والذين هم في عُمره، إلى إسْتخدام التكنولوجيا الحديثة للردّ على إرْهاب عُملاء وزارة "الأمن الوطنيّ"، وإغتيالهم لحُريات الشعب الأمريكيّ، بإسم مكافَحَة الإرهاب!
تبدأُ أحداث الكِتاب بحادثة مُماثلة لسبتمبر 11، تقع في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، حيث يقع آلافٌ ضحية تفجير كوبرى في مركز المدينة. ثم إذا بعملاء وزارة الأمْن الوَطنى يعتقلون كلّ! من يجدونه قريباً من مكان الحادث دون تمييز، وإذا هم يسجنون ويعذبون الكلّ بلا شفقة ولا رحمة، وبلا قضاءٍ ولا إنذار. ويخرج "ماركوس" بعد أسابيع، ويعرف أنّ العديد من زملائه قد "شحن" إلى بلد عربي "سوريا" ةالتي تعمل مُخابراتها كذِراعٍ أمنيّ للتعذيب خَارج الحدود الأمريكية. كذلك يفقد أثَر صَديقه الذي كان جَريحاً وقت إعتقالهم، وظنوه قتل في الحبس.
ويخرج الشاب مصمما على تدمير هذا الجهاز الأمْنيّ الذي خَرّبَ على المُواطنين حُريتهم، بعد أن باتت عَربات الأمن تجوب الشوارع، وتعتقل الناس عَشْوائياً، وتضع أجهزة كشف وتتجسّس على تحرّكات الناس أياً كانت، في كافة أنحاء الولاية. وكانت وسيلته إلى ذلك هو إستخدام برنامج على النت، بواسطة ما يُسمى "إكس نت"، لتكونَ رسائله خفية عن أعين أجهزة الأمن. فجنّد آلاف الشباب للتشويش على أجهزة التنصت، وعقد إجتماعات شبابية لا يدرى عنها الأمن، لينظّم مزيداً من الطرق الخفية لعرقلة أداء هذه الأجهزة الإرهابية.
لكنّ عملاء الأمن الإرهابيّ يكتشفونه مما يضطره للإختفاء والعمل السريّ فترة من الزمن، حتى يتمكن من الحصول على أدلة تدين هذه الأجهزة بشكلٍ قاطعٍ، ويتقدم بها إلى صحفية تنشرها على الملأ، مما يسقط إدارات وزارة الأمْن الوَطنى، ويجعل البوليس المحليّ يسيطر على المعتقل الذي يسجنون الشباب فيه، دون محاكمات.
وهي قصة غير تقليدية بالمَرّة، مَبنيّة على حقائق تكنولوجية حقيقية يمكن تطبيقها بالحرف الواحد.كما تَعكِس ما يمْكن أن يقوم به الشَباب في مَجال النت لمقاومَة النُظم الطاغية والأمْن الإرهابيّ. كذلك تَعكس ما يَشعر به الكَثير من الأمْريكيين، من خَوفٍ وهلعٍ، يَظنه أهلَ الشَرق الأوسط خاصٌّ بهم!
فهل أنقذت الديموقراطية المَزعومة ونظامُها المُواطِنَ الأمْريكيّ؟ أم إنها غطاءٌ لتخريب أعمق مدى وأبعدُ أثراً مما يظنه دعاتها في بلاد المسلمين؟
نعم، الحُرية هي نِعمة الله على عِباده، لكنها ليست رَديف الديموقراطية، الحُرية رَديفها الإسلام، وليس غيره، فإعتبروا يا أولى الأباب.