فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الشُعُوبُ العَربيَّة .. بين الرَغبَة والرَهبَة

      تَعيشُ الشُعوب العَربية اليوم في حَالة من التردّد والحِيرة، أكثرَ من أيّ وقت مَضى. ذلك إنّه لمّا لم يَكن هناك طَريقٌ مفتوحٌ أو أمَلٌ يلوح للخروجِ من مَأزق الحُكم الإسْتبداديّ المُسَيطِر على كَافة أرْجاء أرضِها، لم يكن هناك خَيار إلا الصَمتَ واليَأس والإحْباَط. أمّا وقد ظهرت بارقة أمَل، وصار هناك مثلٌ أمام أعينها بما حَدَثَ في إنهاء دكتاتورية تونس وإسْقاطها، فإن الشُعوب التي سَكَنَت سُكون القبور وهَمَدَت هُمود المَوتى،  قد وجدَت أنفسها فَجأة في حِيرة من إختياراتها، بعد أن ظنّت أنْ لا إختيار أمَامها. والأمرُ دائماً أشَقُ وأعْسَر حينما يتردّد الإنسان بين إختيارات لائِحَة، بدلاً من أن لا يكون له إلا خَيَارٌ واحدٌ، فيَدَعَ التفْكيرِ والتَقديرِ، ويَسْتَسلم إستِسْلام الشَاة لذابِحِها، ويُلقى التَبعَة على القَدَرَ الذي أرَاد.

      والرَغبَة التى تُراوحُ في صُدور أبناء الشُعوبِ العَربية لها ما يُبرِرَها ويهيّج مُسْتَكِنَها، وهو إسْتمراء الطُغاة في حُكْمِهم، وإذلالَهم رَعيتِهِم، إستعبادها من دون الله سبحانه، وسلبهم أدنى الحقوق المَشروعة، بل والمَوضُوعة، مما تَعارَف عيه بنى آدم من حُقوق. فَغَابتِ الحُريات، وضَاعَت الأمَانات، وتَعَطّلت المَشْروعات، وقُنّنَت المُحَرّمات، وإغتُصِبَت الثرَوات، وإغتيلَ الحَياء والعَفَاف، ودُمرت الأخلاق، وصار العِيُ خَطِيباً، والأمّيُّ أدِيباً، والفَاسِقُ قائداً والعَالمُ مُقيّداً، وإنقلب الذئبُ راعياً والحَمَل إرهابياً، فصغر الكبير، وكبر الصغير، وتبدّل الحَال إلى ما ظَنّ الكثير أنّ تَغييره مُحال. لكنّ الله عز وجلّ أراهم بعض ما يُحبون إثر سُقوط صَنم تونس، فانتعَشَت الآمال، وتحَدّثت فيما بينها الرجال، أنه يجب أن تكون بقية الشعوب العربية على إثر أهل تونس لتعديل الأوضاع وإرجَاع الحقّ إلى نِصَابه.

      لكنّ الرهبة من الخُروج ومُواجهة قُوات الإرهاب الحُكومية، وما تبثّه آلة الإعْلام التابعة للطغاة، كانت دائما ما يوَسْوِس به شَياطين الجنّ والإنس في عُقول النَاس، فإنّ الخُروجَ على الحُكام، خاصّة من طَالت فترات طُغيانهم إلى حِقب متتاليات، يُولّد في النَفس خَشية القتل أو الإعتقال. وصَارت الإعتبارات الفَرديةُ تطغى على الحُقوق الجماعية، ويَحسِب الفرد حِسَاب نفسِه فيحْبِسَها، بدلاً من أن يَحسِبَها في عِداد الجَمَاعة فيُطْلِقها. ومن هنا تتواني العَزائم، وتَخورُ الهمم، أن يرى المَرءُ نفسَه واحداً، ويغفل عن رؤية الدَعمِ الإلهي بالجَمَاعة من حوله.

      ومما يؤكّد روحَ الرَهبة ويُعزّزها، عدم وجود رؤوس للمُعَارضة يمكن أن يشار اليها ببنَان، لا عِلمانية ولا إسْلامية. فغياب القيادة المُلهمة الربّانية هو من أخْطَر ما يُهدد الكِيان الإسْلاميّ في أيامنا هذه. لكنك ترى تماثيل شمعٍ تُطلق على نفسها زُعماء للمعارضة الليبرالية، لا يكاد أحدهم مؤثرا بقوله أو فعله حتى على أهل بيته! وترى قِيادات إسْلامِية تتراوَحُ بين من جَعَل فتنة النَاسِ كَعَذابِ الله، ومن لا ينطقُ بحقٍ إلا بعد أن يسْتَشْعِر سَمَاحَ الطُغاة وإقرارِهِم. وكلاهما لا نفعٌ فيه لأبناءِ الأمّة.

      وبين دَوافِع الرّغبة، ومَوانِع الرَهبة، وغِياب القِيادة المُلهَمَة، تَقفُ الشُعوب العَربيّة حَائِرةً مُتردّدة، لا هيَ حَيّة تَعبد رَبّها وتأخذ نَصِيبها من دُنياها، ولا قُضِىَ عليها بِموتٍ لا قِيام مِنه، بعد أن بَعث الله شَعْب تونُس من القُبور أمام أعْيُنَها!

      إحْسِموا أمركم، يا أبناء أمُة الإسْلام، فالرّهبة لا تكون إلا من الله سُبحانه، وما تَسْعون فيه أكْبر وأعَظَم من أن يَتردّد فيه سَاعٍ، ألا وهو إقامَة دين الله على أرضِكم، وإسْتعَادة حُقوقِكم، وحِفظ أهْلكم وأنفُسَكم وأمْوالَكَم، وهل بعد إسترداد هذا كلّه من غَرضٍ يعيش له مُسْلم؟