أسئلة كثيرة تبرُزُ على السَطحِ بعد الأحْداث الأخيرة في تونس، والتي أثبتَتْ بما لا يدعُ مجالاً للشكِ هَشاشة الأنظِمة العَربية الديكتاتورية وضَعف بنيانها وخَواءِ أركَانها. وعلى رأس هذه الأسئلة الآن: من التَالي؟ من الذي عليه الدوْر في إعْتلاء الطَائرة والسَياحَة في أجْواء الدول حتى يَجدُ من يُؤويه؟ من الذي سَيحظى بالسقوط من علٍ إلى حيث ينتهى في القَاع؟ لا أحدٌ يَستَطيع التنبؤ بما سَيكون، ولكن هناك بعضُ مؤشِراتِ يمكن الإعتمادُ عليها عَلامات على الطَريق.
فالدول المُرَشّحة في الوقت القريب لمثل هذا التحوّل هي أربعة دول، الأردن واليمن والجزائر، ثم مصر، ثلاث جمهوريات وملكية.
اليمن، ويقبع علي عبد الله صالح على أنفاسه منذ 1979، ويتّخذ خُطُوات في إتِجَاه التوريث، فيه من المشكلات ما يجعله مرشحاً محتملاً في سلسلة التغييرات المرتقبة في العالم العربي. فالخطر الرافضي الحوثي قابع بما لديه من دعمٍ صفويّ إيرانيّ، ودعاة الإنفصال بين الشمال والجنوب يتربّصون بالبلاد، متّخذين من فشل عبد الله صالح في إدارة البلاد ذريعة لهذه المطالبة. ثم ما تنتهجه السياسة الأمريكية الصهيونية تجاه اليمن لإستراتيجية موقعه، وما تريده من إبقاء البلاد مزَعْزَعَة مُمَلمَلة، ثم سياسات القمع "الأمني" التي هي دين الطغاة وديدنهم، تجعل البلاد في وضع يجهلها المرشح الأول لهذا التغيير المرتقب.
الجزائر: وقبع عبد العزيز بوتفليقة على أنفاسه منذ عام 1999، بعد أن دخل الشعب والجيش في مواجهة بعد إنتصار الإسلاميين الديموقراطيّ عام 1992. وهي، فيما أُقدّرُ، تقع في مرتبة الإحتمالية الثانية بعد اليمن، نظراً لسُوء أحْوال شَعبها وإنهيار إقتصادها ورعونة ديكتاتورها في قَمعُ الحُريّات وتلويثِ البيئَة السِياسِية والسَلب والنَهبِ، كبقية الشُعوبِ العَربية، ولأنّ لها تجارب في هذا الطريق، كما حدث في عام 1988، كما أنّ للجَزائرِ تاريخ طَويل من الكِفاح ضدّ المُستعمر الفرنسيّ، يجعلها أهلٌ للتضحية والفداء.
الأردن، رغم ما فيه من غليان، ثورة على الغَلاء والبطالة، ومن تركِيبة سكّانية في غاية الخطورة، من فلسطينيين في مقابل الأردنيين، والقبائلية التى لا تَزال تحْمِى المَلكية، هي، فيما أرى، أقلها إحتمالاً لتغيير جَذري حقيقيّ، إذ إن الملكية لا تُنتَزع إلا بالجَيش أو ما يقابله من عُدوان خَارجيّ يكتَسِحُ البِلاد. فأقصى ما يمكن تصوره من تلك الإنتفاضات في الأردن أن يعلن الملك قراراً بحلّ الحكومة وعلى رأسها سمير الرفاعيّ، أو الحكومة والبرلمان، ثمّ تعيين آخر من بطانته، لتتكرر المأساة، ويتكرر الحلّ، إلى حين.
مصر، أكبرُ الدولِ العَربيةِ تِعداداً، وأعرقها تاريخاً، حيث يقبع نظام حسنى مبارك على أنفاسِها منذ 1981، فقد حرّكت الصليبية الصهيونية العالمية البيئة الطائفية فيها، لتخلق جوّ الزعزعة، وتمهّد لتقسيمها كما تفعل في السودان واليمن وغيرهما. وفشل نظام مبارك على جميع الأصعدة مثالٌ للفشل التام الشامل، وفساد نظامه يجعله مثالاً يُحتذى في مجال السرقة والنهب والسلب والتجبّر والقمع. ويعاني شعب مصر من أزمات مزمنة تجاوز عمرها خمسين عاماً، وإزدادت حدّة في الثلاثين عاما الأخيرة من حُكم الطاغية وأسْرته، في كافة مجالات الحياة، كالسكن والبنية التحتية والبطالة والغلاء الفاحش والمواصلات والمعاشات والأمن الصحيّ، كما أن نظام الطاغية مبارك قد أخرج للناس أسوأ تجربة برلمانية مزيّفة في تاريخ المنطقة كلها. لكن، وياللحَسْرة، أرى مصر لن يثورَ رِجالُها، ذلك لما في طَبيعتهم من رضاً بالواقِع وقبولٍ بالضَيم، ولإتّسَاع طبقة المُستفيدين من عَناء النَاس، فهي في خارج هذا السباق قبل أن تدخله. وقد رأينا شَرارات وشَرارات تحدث في مصر، يحرِّك أحدها بلدٌ بأسره، ثم لم تجد عند المِصريين من ردّ فعلٍ على اي مستوى! والمعارضة في مصر تنحصر في معارضة علمانية صُورية لا قوّة لها على الإطلاق، أو مُعاَرضة إسلامية ينقُصها الإخْلاص والنَظَر الثاقِب وتقديم مصحلة الدين على إعتبارات الدنيا. وأقصى ما يتمناه المِصريون من أحداث تونس أن يحظو ببعض الخَفض الصُوريّ في أسَعار السِلع إلى حين.
فالأمرُ إذا الآن مَحْصُورٌ بين اليَمنِ والجَزائر... والله تعالى أعْلم.