فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      خالد فهمى .. وشُبهاته حول تطبيق الشريعة

      • 3479 قراءة
      • 0 تعليق
      • 11:02 - 12 نوفمبر, 2012

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

      في مقال مطوّل، أرسل اليّ وصلته اليوم قارئٌ حبيب، تناول خالد فهمى أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية شرح مشكلته مع جمعة تطبيق الشريعة، كما عَنوَن لها[1]، والتي هي، في حقيقة الأمر، مشكلته مع تطبيق الشريعة، لا مع جُمْعتها! وقد انبهر بما قدّم عدد من طلبته كما أحسب، واثنوا على قدرته في التحليل والاستدلال.

      ورغم أننا قد رددنا على تلك الشبهات كلها من قبل، كما ردّ عليها غيرنا، ولكن كما نعرف نحن المصريون، قاعدة التكرار، التي يتعلم منه .... الشُطار! وليسمح لنا الأخ ممدوح اسماعيل أن نتولى عنه مهمة الرد على ما قل عنه الأستاذ "الملحوظات سطرتها لنفسي كنقاط استرشادية قبل ذهابي لمقابلة الأستاذ ممدوح إسماعيل في حلقة الأمس من برنامج "بتوقيت القاهرة"، إذ ليست هي مما يعجز أحد، ولو من طلاب الثانوية الأزهرية، أن يجيب عليها.

      وقد حاول أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، أن يقدم المسألة على أنها بحثٌ علميّ دقيق شاملٌ غير مغرض ولا مُوجّه، لكن الأمر ليس بهذه السهولة يا أستاذ التاريخ، إذ هناك من الدارسين على وجه الحقيقة والاستيعاب ممن يتربص بمثل تلك المحاولات التي لا تُغرى إلا الأغرار.

      ثم نذكرك وأنت الأستاذ الجامعيّ بالجامعة الأمريكية، بأنك لم تذكر مصدراً واحداً لما ذكرت، واستخفيت في ذلك بقولك إنها ملاحظات! فأقول لك، إنه لا اعتداد بما لم تذكر مصادره من نقولاتك، فلتتخذ من ذلك عادة فيما يأتى من أبحاثك، حتى لا يعود عليك العالمون بالتكذيب والإنكار.

      وتدور ركائز هذا التحليل الذي وضعه الكاتب في شكل إشكاليات ثلاث، جاء عليها بأدلة حشد لها من كتب الفقه ما يجعل الأغرار ينبهرون بهذا العلم الفقهيّ الواسع، سنوردها فيما يأتى. وسيكون ردنا إن شاء الله، على كلّ مشكلة من المشكلات التي حيرت أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية.

      أما المشكلات التي عرضها فهي

      • أولا: عدم وضوح المعنى المقصود بـ"تطبيق الشريعة"؟

      وتحديدا عدم الاعتراف بالاختلافات الهامة بين المذاهب، فالإسلاميون من إخوان وسلفيين وجهاديين وجماعة إسلامية يعتقدون أن الاختلافات بين المذاهب السنية الأربعة اختلافات هينة ويقللون من أهميتها . على أن أي قارئ في الفقه أو في تاريخ القضاء في الإسلام يدرك أن هذه الاختلافات لها تبعات مهمة.

      • ثانيا. المشكلة الثانية هو اعتقاد الإسلاميين أن الشريعة ولدت كاملة سامية شاملة، وهذه هي كلمات عبد القادر عودة الشهيرة في كتابه "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي".

      مشكلتي مع هذا الادعاء هو إغفاله للتاريخ، فالفقه الذي بين أيدينا بصرامته وعبقريته وجمال منطقه وروعة بيانه لم يولد هكذا بل تطور عبر مئات السنين، وبالتالي فإن اقتصار نظرتنا لفترة الرسول والخلفاء الراشدين كفترة وحيدة يجب الاقتداء بها يمكن أن يجعلنا نهمل فترات أخرى لاحقة قد تكون ملهمة أكثر ومناسبة لحالنا.

      • ثالثاً:  ذلك الاتهام القوي الذي يوجهه الإسلاميون لكل من يتساءل عن المقصود بالشريعة أو لمن يتردد في تطبيقها

      هؤلاء في نظرهم مغيبون منبهرون بالغرب، على أحسن تقدير ، أو مستقوون به، على أسوأ تقدير. هذا إذا غضضنا الطرف عن اتهامات العمالة والكفر التي كثيرا ما يرددها الإسلاميون لكل من اختلف معهم في هذه القضية.  والحقيقة أن هناك الكثير والكثير من الأسباب التي قد تدعوا المرء للتردد عند موضوع تطبيق الشريعة.

      • o   فهناك أولا الأسباب التي ذكرتها (أي أعلاه)
      • o   ثانيا إن أخشى ما أخشاه أن يؤدي التقنين ليس فقط للتخلي عن تنوع الفقه ومرونته بل أيضا لاختيار أكثر الآراء تشددا من كل مذهب وصياغة قانون مصمت
      • o   ثالثاً، الوقائع التاريخية التي تثبت أن هناك أسبابا عديدة كانت وراء صياغة القوانين المصرية الحديثة مثل القانون المدني والقانون الجنائي والقانون التجاري وقانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية. إن القول بأن ما لدينا الآن هو قانون فرنسي لا يمت بصلة للبيئة المصرية المسلمة وأنه نتاج تقاعس النخبة القانونية والسياسية المصرية عن القيام بدورها التاريخي وعوضا عن ذلك افتنانها الأعمى بالغرب – كل ذلك هو محض افتراء.

      هذا ملخص العناوين الرئيسة في هذا المقال، منقولة عنه نصاً بكل دقة وأمانة.

      أمّا قولنا يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، فيما عرض عليك من شبهات، فهو كالتالي:

      • أولا: عدم وضوح المعنى المقصود بـ"تطبيق الشريعة"؟

      الأمر، كما بيّنا من قبل، لا يتعلق اليوم، بتطبيق مفردات الشريعة وحَسْم أيّ من أحكامها الواردة في فروع الفقه أولى من بعض، كما أشعرت به في مقالك، ولكنه إعتماد مبدأ أنّ الشريعة هي المرجع الأول والوحيد الذي تستند عليه القوانين في مصر. وهو إرساء لمبدأ الطاعة لله وحده. وبالطبع، فإنك لم تورد آية واحدة في كل مقالك الطويل، وكأن بينك وبين القرآن عداوة، تستشهد بها على ما ذهبت اليه. لكن نورد عليك آية واحدة لا نتعداها إن كنت من الفاهمين "وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُون" المائدة 49 . هذا ما لا نريده بقومنا ممن يؤمن بهذه الآيات، لا من يتلاعب بها، أن لا يكونوا من الكفار الفاسقين.

      تطبيق الشريعة هنا، يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، يعنى بالنسبة لخطوة الدستور هو إرساء المبدأ العام، أن لا خلط بين شرع الله المُحكم المشتمل على كلّ خير والناهي عن كلّ شرّ، وبين أي شرع آخر من عند غير الله، مما تراه أنت ومن معك، من نتاج العبقريات القانونية، والتي ليست إلا عقليات انحرفت بها الفطر، فخرجت عن الهدي السماوى. وما لتسميتك لهم بعبقريات قانونية أيّ وزن في ميزان الحق.

      وإذ حَسمنا المعنى المراد بتطبيق الشريعة التي يطالب بها الخارجون في جمعة تطبيقها، فإنه يظهر أنّ كل ما أوردت من أمثلة لا محل له من الإعراب في هذا الشأن، لكننا سنجاريك في رحلتك القصيرة في أرجاء الفقه الإسلاميّ الذي تعاونت عليه عبقريات حقيقية على مدى ثلاثة عشر قرناً، مستندة فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وحدها، في عشراتٍ من البيئات المختلفة والثقافات المتباينة والألسنة المتضاربة، فإذا بهذا الفقه يوفيها حقها، دون حاجة إلى أساتذة التاريخ في الجامعة الأمريكية أو إلى غيرهم في هذا الصدد. ثم نسأل، ألا يعجبك ايّ قولٍ من الأقوال العديدة التي وردت في الفقه الإسلاميّ، على كثرتها، حتى تدعها لنتاج قرائح الأوروبيين ممن يعبد الصليب، ويبيح اللواط؟

      لقد واجه الفقهاء تحديات كثيرة، في تنوع الثقافات والبيئات، عالجوها كلها بما أصّلوا من أدلة شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة، فجعلوا النص هو الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع، ثم استنبطوا أدلة الإجتهاد من القياسٍ والاستصحابٍ والاستحسانٍ والمصالح مرسلة، والعرف وسد الذرائع، مما هو ثابتٌ في كتب الأصول، التي أنصحك يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية أن تطّلع على بعضها، قبل أن تذهب في مهمة تصيّد عدد من الأمثلة الفقهية، تعتقد أنك تحرج بها فقهاء الأمة!!

      وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن تفصيلات ما نقلت، بلا أمانة علمية، من أمثلة من كتب الفقه، نودّ أن نسأل متى كان التعدد في الآراء مانعاً من تطبيق أيّها على الإطلاق؟ أليس في هذا التعدد توسعة على المكلف، وعدم حجرٍ على القاضى؟ أليس هذا دليلٌ على القدر الهائل من السماحة في الأحكام الشرعية المبنية على الكتاب والسنة، وما ثبت منهما من أحكام وقواعد كلية؟ أتقول يا هذا أنّ أحكام القضاء ليس فيها تنوّع، وأنها ثابتة جامدة، كما يأخذ القضاء الأنجلو ساكسوني بحكم السابقة، فلا يجوز مخالفتها[2]؟ أهذه هي المرونة والحرية الفكرية عندكم يا علمانيو العصر؟  أليس في هذا تقليل من قدر القاضي الحالّ، بأن يُفرض عليه رأي من سبقه، لمجرد أنه سبقه بالحكم؟ ثم إنه من المعلوم أنّ الدولة تتبنى رأياً محدداً يكون عليه المعوّل في الأحكام العامة، ثم تدع للمحاكم الشرعية الحرية في تطبيق أفضل وأنسب الأحكام، دون تقيدٍ بسابقة حكم، إذ القاضى الحالّ هو صاحب القول الفصل في الواقعة المنظورة.

      ثم ننتقل إلى ما نقلت، بغير أمانة علمية، عن كتب الفقه في الأمثلة التي أوردتها.

      قلت: "وبالتالي في حالة الزوجة التي تطالب بفسخ نكاحها لغياب الزوج يشترط الأحناف مرور 99 أو 120 عاما على غياب الزوج حتى يسمح للزوجة بالتفريق". وهذا عيبٌ عليك، فإن هذا قولٌ واحدٌ منقول عن أحمد بن أصرم عن الإمام أحمد، وهي تسعون عاماً من تاريخ ميلاده لا تاريخ غيابه. وهو ما قدّره الإمام أحمد، في هذا القول، كأطول عمرٍ يعيشه الغائب. ثم، لماذا لم تنقل أقوال مالك والشافعيّ والمشهور من قوليّ أحمد أنها تتربص أربعة سنواتٍ لا تسعين سنة[3]؟وما الضير أن يكون الحكم في هذا حكم المالكية والشافعية إذا؟ أهذه هي الأمانة العلمية يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية؟

      أما عن الخلع، فإنى ممن يرى أحقية المرأة في الخلع، لا بحسب قول المجلس القوميّ للمرأة، الذى هو مجلس علمانيّ ساقطٌ حتى النخاع، ولكن بناءً على حديث امرأة ثابت بن قيس المروي في البخاري، وقد كتبت بحثاً مفصلاً في هذا الأمر لم ينشر بعد. أما عن العِوض في الخلع، فوالله إنه لمقتضى العدل، تتزوج المرأة رجلاً، وتعاشره، ثم تريد فراقه، فتذهب ومعها ما أعطاها؟ أهذا هو العدل ليدكم يا علمانيو العصر؟ وكيف إذا تبررون أن الله قد جعل حقاً على المُطلِّق أن يعطى النفقة الشرعية، ونفقة الحضانة إن لزمت، والمتعة حسب ما تيسر له؟ أنقر هذا ونرفض ذاك؟ أيّ عدل هذا يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية؟ ثم إن عليك إقرارك بأن الحنابلة قد جعلوا الأمر أيسر في موضوع الخلع، فلم لا يكون مذهبهم هو المذهب المعتمد، رغم أننا في بحثنا قد ذهبنا إلى أبعد مما قالوه في حِلّ الخلع أصالة، بناء على صريح السنّة؟

      أمّا عن الحرابة، فقد أوردتَ قول الله تعالى، لمحادته لا استشهادا به"إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الَأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوا مِنَ الَأرض"المائدة 33. وهذا يجعل مبدأ الحرابة مقرراً بشكلٍ قطعي الثبوت، لا أدرى كيف تتفلت منه كمسلمٍ! ثم يبقى التطبيق والتفصيل الذي جادت بالكثير منه قرائح الفقهاء، التي لا تعتمد على منطق أوروبا، بل على القواعد الشرعية والأدلة الكلية المستنبطة من الكتاب والسنة.

      وقد قلت  في مشكلاتك"قال أبو حنيفة: يجب أن تكون في مكان لا يوجد فيه إمكانية الغوث، وبالتالي فلديه الحرابة لا توجد في المصر، أي في المدينة. الشافعية اشترطوا الشوكة والتكبر، وبالتالي يمكن أن تحدث في المصر". فنقول إن أبو حنيفة قد أعمل مبدأ "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، وهو مبدأٌ عظيم النفع، وبه تحقن دماءٌ وتُعصم أرواح، فقرن أبو حنيفة بين الشبهة الواردة من وجود الصبيّ والمجنون في العصبة، وبين المرآة، وجعل ذلك دارئاً لحدّ الحرابة، لتخلف وصف المحاربين عنده، وإن لم يسقط به حدّ السرقة أو القتل أو أيّ مما قد تكون العصبة قد ارتكبته، وهو ما لم تذكره يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية. ثم إنّ الشافعيّ وأحمد لم يسقطا بهذا وصف الحرابة، وأقاماه على المرآة دون الصبيّ والمجنون، كما أقاماه على العصبة لأن الوصف قائم عندهما. فما الخطأ في اختلاف الاجتهادات هنا؟ والدولة لها كما ذكرنا أن تتبنى قولاً يجرى به العمل في القضايا العامة ومنها الحرابة، ويكون هذا بناءً على ما تتخيره لجنة العلماء من أصحاب العلم والتقوى والإنتاج، لا من العلمانيين الليبراليين وأعضاء هيئة التدريس في الجامعة الأمريكية؟

      ثم يقال في اختلاف الفقهاء فيمن يعتد بشهادته في إثبات الحرابة، ما قيل من قبل، إنّ في هذا إختلاف تنوعٍ يثرى الأحكام الفقهية لا يلغيها.

      • ثانيا. المشكلة الثانية هو اعتقاد الإسلاميين أن الشريعة ولدت كاملة سامية شاملة، وهذه هي كلمات عبد القادر عودة الشهيرة في كتابه "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي".

      والحق أن هذه المشكلة من أكثر مشكلاتك سفاهة يا "دكتور" خالد فهمى! تقول "المهم هنا هو تركيز الإسلاميين على فترة السلف الصالح وإهمالهم لثلاثة عشر قرنا من تاريخ الإسلام وتحديدا من تاريخ المجتمعات الإسلامية وتاريخ الدول والأنظمة الإسلامية. كل ذلك يسقطوه عندما يركزون على فترة الرسول والخلفاء الراشدين دون سواها، وعندما يغفلون تاريخ الممارسة الفعلية مفضلين التركيز على تاريخ الفكر(أي الفقه). وبالتالي أرى في موقفهم اللاتاريخي هذا تعاليا ليس فقط على المختلفين معهم في الوقت الحاضر، بل أيضا تعاليا على كل من سبقهم في التاريخ الإسلامي الممتد على مدار ثلاثة عشر قرنا باستثناء الأجيال الأولى القليلة التي صاحبت ميلاد الدعوة المحمدية".

      وهذا قليل من حقٌ أريد به كثير من باطل، فقد شملت جملتك غلطات ومغالطات، نهنؤك على حصرها بهذا الكم الكبير في هذا العدد الصغير من الكلمات. فإن الإسلاميين لم يهملوا شيئاً قطّ، وهي دعوة مفرّغة من الحقيقة. إنك، كبقية العلمالنيين، لا تفرّق بين مصدر التشريع، الذي هو كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما قد كَمُلا بلا خلاف ساعة وفاة سيدى وسيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم "ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا" المائدة 3. ثم ألحق الفقهاء بهما ما أجمعت عليه الأمة خاصة في عصر الصحابة، وما أجمعت على فعله الصحابة رضى الله عنهم، لقول سيدى وسيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية برواية الترمذيّ "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم ير اختلافا كثيرا ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" حديث صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني والأرنؤوط. هذا ما يتمسكّ به المسلمون يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، الأصول الثابتة. ثم إن المسلمين (الذين تسميهم الإسلاميون) قد سلّموا بتطور الفقه، بلا تعديل في أصوله الثابتة، ولكن بما أنتجته قرائح العلماء من طرق الإستنباط من تلك الأصول كما بيّنا سابقا في تنوع أدلة الإجتهاد، ثم ما انبنى عليها من فقه، تجاوز المنصوص عليه، لا كما زَعِمتَ أننا نقف عندها، إذ من المعلوم المقرر أن النصوص محدودة والوقائع غير محدودة، فلزم الإجتهاد. هي بديهياتٌ وردت في كل كتب الأصول والقواعد الفقهية بلا استثناء. فقولك محضَ إفتراءٍ علي المسلمين (الذين تسميهم الإسلاميون).

      ثم إشارتك المتشابهة التي وضعتّها بين قوسين لتسوّى بين بين الفكر والفقه، هي مردودة عليك. ولا أدرى ما أقول يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، أن فات عليك الفرق بينهما. فالفكر لغة هو "إعمال الخاطر في الشئ"[4] ، واصطلاحاً هو إفراز عقليّ لفردٍ بعينه بناء على معطيات شخصيته وقدراته العقلية واتجاهه النفسيّ. وهو إما أن يكون تأملاً كما طلب الله سبحانه التفكّر، والتوسم، أو يكون مستقلاً عن المعارف القائمة لينشأ مركباتٍ فكرية جديدة كما فعل الفلاسفة. أما الفقه، فهو في اللغة العربية "الفهم"، وهو يستلزم أن يكون هناك مادة ثابتة يقع عليها "الفكر" لغة" إن شئت، أو الفهم، فلا يخرج فقهها عن محتوى ما تنتمى اليه المادة ذاتها ولا يعارضها، والتي هي في حالتنا هذه الكتاب والسنة، وما استنبط منهما من أدلة.

      ثم لا ندري ما وجه حيرتك في "وجود المصادر التاريخية العديدة التي تمكننا من النظر بموضوعية لنماذج عديدة لتطبيق الشريعة عبر العصور. هذه المصادر ليست كلها كتب فقه، بل تشمل أيضا سجلات المحاكم الشرعية، ومجموعات الفتاوى، والحوليات التاريخية، وسجلات قضاء المظالم التي سميت في مصر في القرن التاسع عشر بمجالس السياسية والتي تزخر دار الوثائق ببولاق بالآلاف منها". من الذي قال بعدم الرجوع إلى هذه المصادر، أو عدم استعمال ما ثبت ملاءمته و موافقته للأصول الشرعية وطرق الإستنباط المرعية؟

      نحن نعرف أن الفقه تطوّر، بمعنى أنه ازداد ثراءً لأنه عالج ما لا يحصى من الحالات والحوادث، وأنّ عقولاً جبارة قد تناولت النصوص، حسب القواعد التي لم يخرج عليها أحد، فتأمّلتها، وجمعت بين أطرافها، وحققت مناطاتها، وتركت لنا هذا الثراء الفقهيّ الذي تريد أنت والعلمانيين المعاصرين أن نغضّ الطرف عنه لصالح أوروبا وقوانينها!

      ثم نأتي إلى ما يزيد من حيرتك، وما يزيد من يقيننا بشرعنا. قلتَ معترضاً على قبول الدية في القتل "فالقتل في الشريعة حق من حقوق العباد، عكس جرائم الحدود الأخرى، وبالتالي فمن حق أولياء الدم أن يقبلوا بالدية أو حتى أن يصفحواعن القاتل. ذلك أمر له تبعات خطيرة على المجتمع وعلى الدولة، ذلك أنه يعني عمليا أن الأثرياء يمكنهم الإفلات بالقتل، كما يمكّن الأقوياء في المجتمع من إرهاب الضعفاء حتى يقبلوا بالدية أو حتى بالعفو". وغفلت وتغافلت عن أن تقول أولاً أن القصاص هو الذي يسقط بالعفو لا الحدود. ثم ثانياً أنّ هذا في القتل الخطأ ابتداءً، إذ لا يجب فيه إلا الدية، أما القتل العمد فالأصل فيه هو قتل القاتل، إلا إن عفى له من أولياء الدم "فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ ذَ‌ٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ" البقرة 178. وقد نصّ القرآن على حكمة ذلك أنه تخفيف من الله ورحمة، وأين أنت يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية ممن قالوا بحقوق الإنسان، فأسقطوا عقوبة القتل رأساً دون تصالح ولا دية، كما في غالب ولايات أمريكا، ومعظم دوا أوروبا التي تسترشد بقوانينها؟ أليس هذا مدعاة للشنآن والرغبة في الانتقام والأخذ بالثأر، أم أن يتصالح القوم ويتراضوا؟ وما الحكمة في إغلاق هذا الباب كلية، وفيه حقن للدماء؟ أيكون ما ذكرت من أن "الأثرياء يمكنهم الإفلات بالقتل، كما يمكّن الأقوياء في المجتمع من إرهاب الضعفاء حتى يقبلوا بالدية أو حتى بالعفو"؟  أيكون الحلّ عندك هو الإغفال عن الحكم الشرعيّ وتبديله، وهو يعنى قصوره وعدم صلاحيته، لا أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بصحة تطبيقه، ثم هل القانون المخالف قد ضمن صحة التطبيق؟

       ثم تنتقل إلى أزمة تالية عند عقلك المشتت بين الشرق والغرب: قلت "المشكلة الثانية في قضايا القتل تتعلق بطرق الإثبات في الفقه، فحتى يتمكن القاضي من إصدار حكم بالقصاص يجب على القاتل أن يقر بفعلته أو على المدعين أن يأتوا بشاهدين تتطابق شهادتهما في كل التفاصيل. عمليا هذا شبه مستحيل، إذ أنه يعني عمليا أن أحكام القصاص يمكن أن تطبق فقط على القاتل الأهبل الذي يرتكب جريمته في وضح النهار، الأمر الذي يمكن شاهدين عدلين من مشاهدته، أو على قاتل شهم ذي مروءة ونخوة يصحو ضميره فجأة ويذهب للقاضي بعد ارتكاب فعلته ليقر بها. أما وإن أغلب حالات القتل لا يرتكبها أي من هؤلاء القتلة فكان معنى ذلك أن أحكام القصاص في التاريخ (وليس في الفقه) أحكام نادرة جدا. ففي سجلات المحاكم الشرعية المصرية من القرن التاسع عشر، مثلا،  نجد أن 2% فقط من قضايا القتل حكم فيها بالقصاص". احترنا والله بين الليبراليين من حفظة حقوق الإنسان وبين الليبراليين ممن هم ضد حقوق الإنسان!! أليس في هذا حفظ للنفس حتى لا تقتل هباءً؟ كما في الشهود الأربعة على الزنا؟ ثم قد قصر علمك يا أستاذ التاريخ، فإن الفقهاء قد أثبتوا طرقاً كثيرة في باب شكل الجريمة من باب القياس، حين قاسوا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد على سبيل المثال. والأهبل حقيقة هو من جهل ما في الشرع من حكمةٍ اقتضت هذه الشروط، ومن تنوّعٍ يشمل كافة الأحداث والوقائع.

       ثم إذا بك تصل إلى ما أردت، وهو أنه "إذا كان الأمر كذلك، فقد رأى فقهاء القانون المصري ضرورة استكمال أحكام الشريعة بقوانين أخرى تسمح للمشرع أن يثبت جريمة القتل بأساليب أخر". هذا بيت القصيد عند العلمانيين والليبراليين الخارجين عن شرع الله! يصلون بطرقهم الملتوية وحججهم المدحوضة إلى نتيجة يضعونها قبل مقدماتها، إنه يجب إغفال الشريعة، أو استكمالها (كأن بها نقصاً والعياذ بالله)، بما في قوانين البشر.

      ثم يتحسر أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية لماذا يطلق المسلمون علي أمثاله كفاراً؟ عليك بمراجعة أيّ كتابٍ من كتب الفقه الذي تطور خلال الثلاثة عشر قرناً لترى أن الجملة التي أوردتها آنفا من إنه "ضرورة استكمال أحكام الشريعة بقوانين أخرى" بعد أن قال تعالى أنّ الدين قد اكتمل، ثم يأتى من هو مهينٌ ولا يكاد يبين، فيوصى بضرورة إكمال الشريعة من قوانين أخر! هذا كفرلإ بواح، مهما ولولت وتباكيت على التكفير والردة التي يرميك بها المسلمون (الذين تسميهم الإسلاميون)، فما هو إلا ما سطرت يداك وأفرز عقلك وتلاعب به شيطانك.

      • ثالثاً: ذلك الاتهام القوي الذي يوجهه الإسلاميون لكل من يتساءل عن المقصود بالشريعة أو لمن يتردد في تطبيقها

      تقول "هؤلاء في نظرهم مغيبون منبهرون بالغرب، على أحسن تقدير ، أو مستقوون به، على أسوأ تقدير. هذا إذا غضضنا الطرف عن اتهامات العمالة والكفر التي كثيرا ما يرددها الإسلاميون لكل من اختلف معهم في هذه القضية.  والحقيقة أن هناك الكثير والكثير من الأسباب التي قد تدعوا المرء للتردد عند موضوع تطبيق الشريعة".

      يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، إن الإختلاف في هذه القضية، قضية إقرار مبدأ الطاعة لله وحده في الحياة كلها، وكونها مادة أعلى من الدستور، ليس من قبيل الفكر، بل هي مرتكز التوحيد الذي يقتضى عبادة الله وحده، أي طاعته، فالعبادة يا أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية هي الطاعة في لغة العرب، وفي المصطلح القرآني، إن كنت من الجاهلين! هذا أمرٌ لا يقال فيه "اختلفنا مع الإسلاميين"، بل يقال فيه "اختلفنا مع ربّ العالمين"! وهو، من ثمّ ، أمر كفر وإسلام، رضيت بذلك أم لم ترض، وفهمت أم لم تفهم.

      ثم لماذا لا تعترف بتقديرك وحبك للثقافة والقوانين الغربية، وثقتك في اتزانها وعدالتها أكثر من ثقتك بالشرع الإسلاميّ، وأنت ومن معك، تدعون إلى إهدار فقه ثلاثة عشر قرناً، لأجل فكرٍ مختلطٍ في القرن والنصف الماضيين، فقط بسبب تعدد الآراء الفقهية؟ لماذا لا تخرج على الناس بحقيقة ما تقول؟ ما الذي يخيفك؟

      أما عن مخاوفك الأخرى التي ذكرتها، وهي:

      • o  تقول "ثانيا إن أخشى ما أخشاه أن يؤدي التقنين ليس فقط للتخلي عن تنوع الفقه ومرونته بل أيضا لاختيار أكثر الآراء تشددا من كل مذهب وصياغة قانون مصمت".

      وما الذي يدعوك لهذا الظن يا أستاذ التاريخ؟ أين هؤلاء الذين يتخذون ،أكثر الآراء تشدداً فيمن ترى اليوم؟ الإخوان المسلمون، الذين هم أشدّ ليبرالية من كثير من العلمانيين والليبراليين، أم السلفيون الذين تخلوا عن نبذهم للديموقراطية، وولجوها من أوسع أبوابها بمجرد أن انفتح بابها أمامهم؟

      • o  تقول "ثالثاً، الوقائع التاريخية التي تثبت أن هناك أسبابا عديدة كانت وراء صياغة القوانين المصرية الحديثة مثل القانون المدني والقانون الجنائي والقانون التجاري وقانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية. إن القول بأن ما لدينا الآن هو قانون فرنسي لا يمت بصلة للبيئة المصرية المسلمة وأنه نتاج تقاعس النخبة القانونية والسياسية المصرية عن القيام بدورها التاريخي وعوضا عن ذلك افتنانها الأعمى بالغرب – كل ذلك هو محض افتراء".

      إنّ هذه كلها مخاوف في عقلك المُتمَرّد على الشريعة ابتداءً لا أكثر ولا أقل. فإن حصيلة المائة والخمسين عاماً التي تتحدث عنها، لابد أن تكون موضع اهتمامٍ ومحل دراسة شاملة شافية من فقهاء القانون المسلمين (الذين تسميهم الإسلاميين)، وأن يأخذوا بأحسنها بما يتوافق مع قواعد الشرع الحنيف وثوابته وأصوله وكلياته.

      تقول "وباختصار، مشكلتي مع مليونية اليوم أنها تطالب بما قمنا به بالفعل ، كمصريين، على مدار 150 سنة. أما القول بأن ما لدينا هو قوانين غربية غير نابعة من البيئة المصرية فهذا افتراء وكذب وإهدار لمجهود فقهاء قانونيين ودستوريين أجلاء .بل هي نابعة من بيئة مصرية تلوثت في ال150 عاما الأخيرة"

      نقول، نعم، هي قوانين نابعة من ثقافة وبيئة مصرية مختلطة، غزتها الثقافة الغربية التي أنتجت أمثالك، منذ عصر نابليون وجهود محمد على ورفاعة الطهطاوى في التغريب، على مر المائة والخمسين عاماً التي تقدسها.

      مشكلتي معك ومع سائر العلمانيين أنهم يهدرون جهد أربعة عشر قرناً من البناء ، ثم يتباكون على جهد المائة والخمسين عاما الأخيرة من الهدم.

      ثم، أخيراً، لقد بنى الأستاذ كلّ هذه الملاحظات، على فكرة رئيسة هي استحالة تطبيق الشريعة، بتفاصيلها لتعدد الآراء الفقهية. وهو أعجب سببٍ يمكن أن يخرج به عقل رجلٍ أكاديميّ حرّ. فهل ياترى حين يتعارض رأي الديموقراطيين والجمهوريين في أمريكا بشأن تطبيق قانون ما كقانون إباحة اللواط، أو زواج المثليين، أو تطبيق ضرائب على الأغنياء دون الفقراء، أو أي قانون شئت، وما أكثر ما يختلفون فيه، أطالَبَهُم أحدٌ أن يتنازلوا عن البناء الديموقراطيّ كله مرة واحدة؟ أهذا هو ما دار عليه جدلك السالف؟

      ولعلى هذه الوريقات قد أنارت لك السبيل فيما تساءلت فيه، فإن لم يكن، فهو ليس من الله ولا منى، بل هو من الشيطان، أعانك الله عليه.


      [1] https://www.facebook.com/notes/khaled-fahmy/%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%85%D8%B9-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9/429910200407134

      [2] The Anglo-American common-law tradition is built on the doctrine of Stare Decisis ("stand by decided matters"), which directs a court to look to past decisions for guidance on how to decide a case before it. This means that the legal rules applied to a prior case with facts similar to those of the case now before a court should be applied to resolve the legal dispute. (The Legal dictionary).

      [3]  انظر المغنى بن قدامة ج7 ص326

      [4]  لسان العرب ج5 ص 150