هل إستوْعَب حكام العرب الطغاة دَرسَ تونس؟ لا أظن. فإن طَبيعة الحُكام الطُغاة تأبي استيعاب دروس التاريخ، المَاضى منه والحَاضر. فلا يَعرف التاريخ طاغية تنازل عن الحكم بمحض إرادته لأنه عرف أن نهايته محتومة. فطولُ الأمل هو الخُلقُ المُشترك بين هؤلاء الطُغاة. وهم، كلهم، يتميزون بنقص في الصفاتِ الإنسانيةِ التي تميّز بنى آدم عن الحيوان، لذلك تجد أن ردود أفعالهم تُسَيطِر عليها الغَريزة اللاإرادية لا العقل الواعي.
فالإنسان السويّ، إن تعرّض للخَطر، بدأ جهازه العَصبيّ اللاإراديّ في العَمل تلقائياً بزيادَة ضَربات القلب، وضَغط الدمِ وما أشْبه من أمور، وهو ما يُؤدى، إن استمر، إلى الخَلط والتَخَبط في ردّ الفِعل، مما يزيد الموقف خطورة. لكن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بقدرة في عقله، تبدأ في العمل فور هذه اللحظات من الخطر، فيُلجؤ العَقل الواعي إلى إعتبار المُمْكنات وموازنة الأطرُوحات ليخرج منها بأفضَل إختيارٍ ممكنٍ لتجنبِ الخطر القائم في المَدى القريب والبعيد. وكلما قَوِىَ هذا الجُزء من العَقل كلما كان الإنسان "أعقل" وأبعَد عن مَرتبة الحَيوانية، وكلما ضَعُفَ، كان الإنسان أقل رتبة في الإنسانية، وأقرب إلى تصَرّفات الحَيوان الغَريزيّة التي تدفعه إلى التَصَرف في موقف الخطر بما ينجيه منه في المدى القريب لا البعيد.
هكذا تعمل عقلية الطغاة في كلّ زَمان. لا ينظرون إلا تحت أقدامهم، وما هذا إلا بِسبب نقص آدميتهم، وقربهم من مَصَاف الحيوان الذي يعتمد على الغَرِيزة أكثر مما يرجِع إلى العَقل. ويشْهد على ذلك تصَرفاتهم مع أبناء شُعوبِهم. ولا نقول هذا تَشفياً أو تَجنياً أو سَبّاً، بل هي حقيقة شهد بها القرآن على مثل هذه الطبقة حيث قال تعالى: "أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ". وقد جعل الله سبحانه هذه الطبقة أقل من الحيوان لأن الحيوان يقف تهجمه وتتراجع وحشيته حين يقع في مِلكه ما يكفيه، وهؤلاء لا يَرْعوى أحدُهم عن الوحْشية والقتل والسَلب والنَهب ما دام فيه عِرقٌ ينبض، فَهم بهذا أقلُ دَرجة من الأنعَام ولاشكّ.
ثم نعود إلى سؤالنا عن طُغاة العَرَب، هل يفقَهون ما يَحْكيه لهم التاريخ أو ما يرَونه في الواقِعِ المَشْهود؟ اللهم لا. بل سَيلجئون إلى عَرض بعض تنازُلات وخفضِ بعض أسْعار، كما حاول بن عليّ، لكن، أن يعيدوا الحرية والكرامة للشعوب، فهيهات هيهات! لابد أن يخرجوا هارِبين فَارِين، أو يقتّـلوا أذلّاء وُضَعَاء.
هنيئاً لك با مبارك .. رجال مصر في غيبوبة!
قال بعض المؤرخين، أنّ السَبَبَ في ضَعفِ رجال مِصر أمام زوجَاتهم أنه لمّا خَرج فرعَون وأشرافُ مصرَ للّحاقِ بموسى عليه السلام، وغَرقوا في البَحر، لم يبق بمصرَ إلا العَبيد من الذكور، وزوجَات الأشرافِ من النِساء، فتزوّجت هؤلاء النسوة من العبيد، فغلبوا عليهم، وبقيَ الأمر في نفوسِ رجال مصر، إلى يومنا هذا، مُشاهدٌ ومَعْروف. فتجد الرَجل إمّا أن يَسكت على بذاءة إمرأته، أو يتحمل تدلّلها المَائع الذائد، ومنهم من يَسْكْت لها على الشَتيمة والإسْتهزاء، حتى صَارت كُنية الزوجة في مِصر "الحكومة"، أي التي يُخْضَع لها! وتجد الرجل منهم يُبرّر ذلك الضَعفَ لنفسه، ولِغيره، بأقوالٍ من مثل "كبّر مخّك"، "يعنى هي الشتيمَة بتلزق"، "إحنا برضه رجاله نِسْتحمل"! ومثل هذا الهراء الذي لا يُنبِؤ إلا عن ضَعفِ نفسٍ متأصّلٍ لا نراه إلا في الواقع الأسريّ المِصري، وأستثنى من ذلك، أولئك المصريين الذين نَزَحوا من بقاع أخرى وإنتموا إلى قبائل عَربية أو بَربرِية، كهوّارة الصَعيد وغيرهم، فهؤلاء لم تسْرِ فيهم هذه الطِباع من غَلبة نِسَائهم عَليهم.
وأذكر هذا، بكل ألمٍ وحَسْرةٍ، في هذا المَقام لأنّ من لم تثور نَخوتُه من إستيلاء زوجه على الأمْر والنْهي في بيته، لن يثور لكَرامَة ضَائعة ولا حُرية مغصُوبة. وها هو الشعب التونسيّ، مَات فيه فردٌ واحدٌ، محمد بوعزيزى، أحْرَق نفسه لما أصَابه من ذلٍّ ومَهانة، فقامَت جُموع الجماهير ولم تقعد حتى زال حُكم الطَاغية ريف العابدين بن عليّ. وفي مصر، واحسرتاه، إختطفت وفاء قسطنطين وكاميليا شحاته وغيرهنّ من المُسلمات، وزيّفت الإنتخابات تزييفاً ما بعده تزييف، وقُتل خَالد سعيد وبلال على يد قوات الإرهاب المصريّ، وأهين القرآن والرسول، وُضّرب ممثلوا الدولة والإسلام على يدِ أنجَسِ خَلق الله من المُشركين الأقباط، فما تحَرّك ساَكن لرِجَال مصر! أيّ خِزيٍ وأي عَارٍ وأي شَنار؟ هم كالمَوتي أو كالخُشُب، كما وصَفَهم الصَحابيّ الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه، الفاتح الأجلّ.
ثم نعود إلى مُبَارك؟ فرغم ضَعفَ نظامِه وتهافُتِه، هل هُنَاك ما يَخشَاه وأهله من شَعبِ مِصر؟ لا والله، بل فليهنأ بشعب ذاك تاريخُه، وهذا حَاضِره.
خانوا وفاءَ، وعهد الله ما وفّـوا باعوا كاميليا، بئس بيـــعٍ جاؤا
خَلَدَ الرجال لمَخْدعٍ أو مكتــبٍ غُفلاً، فهمْ ونسائُهن ســــــــواءُ
أين الرجولة، أينَها في وَقعَــةٍ ينزفْ بها قلبُ السَليـمِ دمـــــاءُ