أزمةُ تطويعِ المفاهيم .. في ظلِّ "الفكرِ الإسلاميِّ" الحَديث
تلقيت رسالتين من بعض قراءِ مقالاتي الأخيرة، جزاهم الله خيراً، والتي تناولت فيها بعضَ ما كتب عددُ من "مفكرينا الإسلاميين" عن مفاهيم محددة، ممن لهم بريق وإنتاج، أوسَعَ لهم مكاناً على صفحاتِ الشهرة كمرجعياتٍ في الفكرِ الإسلاميِّ الحديث، منهم الدكاترة محمد سليم العوا، ومحمد عمارة، وراشد الغنوشيّ، وأحمد الريسوني، وفهمى هويدي ولا أُضمّ المفتي على جمعة لهذه الكوكبة إذ هو موظفٌ مدفوع الأجر على ما يقول ويفعل.
ومضمون الرسالتين أنْ: لِمَ هذا النقدِ الشديدِ لهؤلاء الأفاضل؟ وهل كلّ هؤلاء على خطأ إجتمعوا عليه؟ ومن ترَكْتَ إذن لم تناله بما يُجرّح؟ وهل هذا أوانُ نقدِ المرجعياتِ الإسلاميةِ ونحن نواجه العدو الصهيونيِّ اليهوديِّ والصَليبيِّ القبطيِّ؟ ولاشكّ إن هذه التساؤلات تستحقُ إيضاحاً يزيل غموضها ويبدّد ضبابها، بل ويُساعدُ على توضِيح موقفِ أهل السنّة من مثل تلك المفاهيم، وموقِف كاتبِ هذه السطور من هذه المفاهيم المعدّلة ومن مروّجيها، سلباً وإيجاباً.
وقبل أن أسجّلُ هنا عدداً من النقاطِ التي تُساعدُ بعون الله على جَلاء الموقفِ من هؤلاءِ المَشاهير، وممن في طبقتهم وتوجهِهِم الإسْلاميِّ، أود أن أُذكّر بعمومات تتعلق بهذا الأمر، هي منهجٌ ينير الطريق أمام نقدٍ بناءٍ لا يُداهن ولا يُجَامل، ولا يكفّر ولا ينفّر، إلا لمن يستحق:
1. أمر النقد في الحياة العامة حقٌّ يِمتلكُه الجميع طالما أنّ الشخْصية التي تُنتَقد شخصية عامّة خرجت بآرائها للنشر ولم تعد مُجردَ خواطرٍ تتداولها في الجَلساتِ الخاصّة. فالفكر والرأي متى خرج إلى العامة وجب نقده، إيجاباً أو سلباً، إن كان ولا بد، بشكل عامٍ، وعلى نفس القدر من الإنتشار.
2. هذا النقد لا يعكس أي ناحية شخصية في الموضوع، إذ الفكر أعلى من الفرد، والأفكار تتطاحن على مستوى أعلى من الأجسام والشخصيات الحسّية، وليس هناك ثأر مبيّت بين أهل السنة وبين هؤلاء الذين يتعدون حدودها بقليل أو كثير، إلا أن يرجعوا إلى أفقها ويمتثلوا لتوجهاتها.
3. أنّ الخطأ في الرأي الشَرعيّ أو الشُذوذات الفقهية لا تعنى "تكفير" قائلها بحال من الأحوال، بل يتوقف تقييم القائل على الرأي الذي يتبناه، فمن أشاع أنّ النصارى ليسوا بكفارٍ أو أنّ الحجاب ليس بفرض في الإسلام، يُستتاب، فإن تاب وإلا كفر وارتدّ، إذ إن هذا الأحكام مما علم من الدين بالضرورة. ومن تَبنّى شُذوذاتٍ فقهية فالنقاش يدور في حدود الخلاف الفقهي إلا إن كان وراءَ الفقهِ سياسةٌ يُروّج لها أو يُعين عليها.
ثم نعود إلى ما تعرضنا له على وجه الخصوص، مما تحدث فيه "المفكرون الإسلاميون" ونقدْناه بما يُبيّن موقف أهل السنة منه.
فالمفاهيم التي تعرض لها هؤلاء المفكّرين هي مفاهيم أصْليّة كليّة مُحكَمة في أصول المَنهج الإسلاميّ وليست من مَسائل الفروع التي تحتمل الخِلاف.
o فمفهوم المُواطنة يتعلّق بكُليّ شَرعيّ هو الولاء بين أهل الإيمان والبراء من أهل الكفر والعصيان، وهو كليّ عامٌ مُحكَم لا يَحتمل الظن. وهو ما خالف فيه كلّ هؤلاء المفكرين الإسلاميين بلا إستثناء.
o ومفهوم التجديد الذي هو مفهوم يتعلّق بإحداث فتاوى للمواقِف المتجدّدة، إذا هو بذاته يصبح، في فِكرِ هؤلاء المُفكرين الإسلاميين، خاضعاً للتجديد! وإذا التجديد يعنى تبديلُ الأصول الكلية، بل وأصول الفقه، كما زَعَم الترابيّ، ومعه سائر هؤلاء المفكرين الإسلاميين.
o ومفهوم الوسَطية الذي هو كُليّ شَرعيّ يعود إلى قول الله تعالى:"وكذلك جعلنكم أمة وسطاً"، هو أكثر هذه المفاهيم تعرضاً للتبديل والتحريف، والذي يدعيه لنفسه كلّ من أراد مفارقة السُنة والقربِ من البدعة من كلّ الإتجاهات، حتى الصوفية المبتدعة، وعلى رأسهم مفتى مصر، والعلمانيين ممن يُفرق بين الدين والدولة، يَدّعُونه لأنفسهم! والوسطية كما أسلفنا هي حقّ بين باطلين، كما في مثال أهل الباطن الذين يرفضون ظاهر القرآن مطلقا ويدعون باطنه ومعانيه، وأهل الظاهر الذين يعملون بظاهر القرآن مطلقاً دون معانيه، وأهل السنة وسط بين الباطلين، يعتبرون الظاهر والباطن، واللفظ والمعنى. والوسطية الجديدة هي وسط بين حق وباطل، فترى بعض الصحف تنشر أخبار الفن الساقط ونكت الدعاة "الجدد" جنباً لجنبٍ مع فتاوى الفقه وأخبار المسلمين ، ويقولون هذا هو إسلام الوَسط ! الذي لا يزيد عن أن يكون وسطُ "من كلّ فيلم أغنية"، عافانا الله من ذلك.
ثم تلك الشذوذات الفقهية كإنكار حكم المرتد، ومساواة المرأة والرجل في الدية، وتأويل مفهوم الديموقراطية بما تعنى في الفكر الغربيّ لإلباسها لباس الإسلام أو قريباً منه، هي من قبيل خلاف الإجماع، وتقع كفروع من مفهوم "التجديد" المُحرّف.
ثم، ، دعوى أن لا حق للمرء في تكْفير القِبْطيّ، كما قال سليم العوا وأنه لن يقول بهذا التَكفير في يوم من الأيام، هو أخطَرُ ما إنحرف به هؤلاء عن الإسلام، وهوما لم يَقدِر عليه القرضاوى حين سُئل عن هذا الأمر – كفر النصارى – فكان أن أجابَ إجابة سياسيّة أكثرَ منها شَرعية، بأن قرر إنّ المُسلم كافر في نَظر النصْرانيّ، كما أنّ النصْرانيّ كافر في نظر المسلم. وقول العوا، وإن لم يستلزِم الكُفر حالاً، فهو يحتاج إلى إستتابة وتوضيح لما يقصد، فإن إستمر على قوله، وأقرّ صراحة أن ما يقصد هو عدم كفر القبط، وأنه شخصياً لا يكفرهم، كفر بذلك إجماعاً هو ومن يتابعه على ذلك. ثم، ماذا كان مناط الخلاف إذن بين العوا وبيشوى بادئا ذي بدء؟ بيشوى إدعى تحريف الاية وإدخالها على النص القرآنيّ، والعوا قرر عدم العمل بها ما إمتد به العمر؟ فما هي مظاهر البطولة التي لَهَجت بها الصحف الإسلامية في حقّ العوا، ثم تجاهلوا ما قرر بعده؟ اللهم غفرانك!
ثمّ إن ما قرّر هؤلاء المفكرين الإسلاميين من خطأ وخطل، لا يعنى أنّ كلّ ما كتبوا وما قرروا خطأ مردودٌ بالضرورة، فقد وقفنا إلى جانب محمد عمارة في موقفه مع ما يسمى مجمع البحوث الإسلامية بشأن كتابه عن تحريف النصرانية، كما أكُبرنا ما كتب الريسونيّ في كتابه "المقاصد عند الإمام الشاطبيّ"، ولكن هذا لا يكون على حساب أن نَغُضّ الطَرفْ عن إجتهاد يتابع شواذ الأقوال في أمر مثل أمرِ الردّة. ثم، لا يمكن إلا أن نقرّر أنّ موقِف عمارة من أحاديث الآحاد هو بدعة إعتزالية متفق عليها بين أهل السنة والجماعة.
o ومما يَجدُر بنا أن نؤكده هنا، دون الدُخول في تفاصيل أصولية، أنّ ما إعتمَد عليه بعض هؤلاء المفكرين، ما كتب الإمام بن عاشور عن التجديد، وعن جمود العلوم الإسلامية في كتابه أليس الصبح بقريب، وأن "الطالب يدرسها – لتخدم فكره لا لتستعبد أفكاره، ... لأن إقتصارنا على ذلك لا يؤهلنا إلا للحصول على بعض ما أسسوه وحفظ ما استنبطوه"، فلو "جعلنا أصولهم اسسا نرتقى بالبناء عليها، فإنّا لا يَسوؤنا فواتُ جُزء من تعليماتهم متى كنا قد إستفدنا حظاً وافرا قد فاتهم" أليس الصبح بقريب عن مقدمة مقاصد الشريعة ص54، وهذا الكلام ثمين بلا شك، إلا أن منطوقه يقرر أنّ " أصولهم اُسساً نرتقى بالبناء عليها"، لا بهَدْمها ومُخَالفتها وتبديلها، وهو ما أدى إلى إشاعَة الفَوضى في عَملية التجديد، ومن ثَم إلى تغيير المفاهيم الثابتة في الفكر الإسلاميّ السنيّ.
ثم، أين هؤلاء المفكرين من الفِسق والعُهر الذي تتداوله القنواتُ التلفازية ليلَ نهار، والذي يربأ قلم المسلم أن يجريه على صفحة فيها إسم الله ورسوله؟ اين فتاواهم في تحريم هذا المُجون الذي يُخرّب عقول آلاف الشباب صباحَ مساء، أهذا أشد حضوراً وخطورة في حياة الناس أم حدّ الردّة الذي لم تشهده مصر منذ أجيال؟، بَلْهَ تساوى دية الرجل والمرأة الذي لانعرف له تطبيقاً حاضراً في أيامنا هذه.
والأمر الأخطر فيما يُقدم هؤلاء المفكرين الإسلاميين، هو التوقيت الذي تنَاغمت فيه هذه السلسلة من الإجتهادات في الأصول والفروع، إذ يؤكد هذا التوقيت النزعة السياسية في هذه الفتاوى الفقهية والمراجعات الأصولية، وهو الأمر الذي لا يصِحُ بحال من الأحوال. فالأمة تمُرّ بأزمة تزلزل أركانها وتضعضع أسس وجودها على كلّ مستوى، لا يجادل في ذلك عاقلٌ، من خروج عن شرع الله وعلمانية الحكام، ومحاربة الدين ودعاته، ونشر الفسق والعهر علناً، وموالاة الكفار من الصهاينة والصليبيين، وإعلاء شأن القَبَطْ المثلّثين على المُسلمين، والإفقار المتعمد للملايين، فهل يصح في أي عقل، فقهيّ أو غير فقهيّ، أن نتناسى هذا الواقع، ونخرج على الناس بفتاوى تُسهّل أمر الردة، وترفع حدّها؟ وأين الدولة التي تَحكُم بحدّ الردة حتى نناقش هذا الحدّ ونفتئت عليه؟ ألم يعلم هؤلاء المفكرين أنّ بن عباس رضى الله عنه قد أفتى لمن رأى أنه يزمع القتل بعدم قبول توبة القاتل، رغم منافاة ذلك لما يُفتى به عَادة مراعاة للواقع ودَرءاً للفتنة؟ أليس هذه الفتوى أشبه ببيع السلاح في وقت الحرب المنهيّ عنه شرعاً؟
أيمكن بعد هذا أن يكون هناك سبب لمثل هذه الفتوى التجديدية في مثل هذا الوقت إلا أن تكون سَنداً للنِظام المُتَحَكِّمِ في مواجهة المدّ القبطيّ، حتى يخلُص لهم مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه المسلم والكافر، ولا يعلو فيه دين الإسلام على أي دين آخر، كما قال العوا، فيتساوى المسلم والكافر، إن كفر المسلم فلا بأس وإن أسلم الكافر فلا بأس. وما أرى إلا أنّ قاعدة سدّ الذرائع شاهداً على ما أقول، بل وما قرر الإمام بن عاشور من أنّ "مقصد الشريعة من نظام الأمة أن تكون مرهوبة الجانب مطمئنة البال" مقاصد الشريعة 405، ولا نرى كيف يكون ذلك بتسهيل أمر الخروج على دينها؟
الأمر، ليس أمر نقد أو تجريح، فنحن نقدّر لكل باحثٍ أو عالمٍ ما كتب وأضَاف ممّا يتمشى مع منهج أهل السنة والجماعة، حتى إن شذّ فقهياً تحاورنا حسب معطيات الفقه وتقعيدات الأصول، لكن الأمر هنا أمرَ خروج عن نهج الشريعة بتبديل أصولها ومفاهيمها، ثم بالإتيان بما لم تستطعه الأوائلُ، في وقت نحن أحوج فيه بالتمسّك بما كانت عليه الأوائل، وقد قال مالك رضى الله عنه: "لن يَصْلُح آخر هذه الأمة إلا بما صَلُح به أولها".
ثمّ، الحق أحقُ أن يُتّبَع، والرجالُ يعرفون بالحق، ولا يعرف الحقُ بالرجال، والأمرُ أمرُ دينٍ، لا سياسةٍ ولا صحافةٍ، فليتق الله ربه من يكتب فيه، عالماً أو متعلماً.
www.tariqabdelhaleem.com