فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      محمد عمارة .. في رَكْبِ أرباب المُواطَنة

      نشر موقع رسالة أون إسلام في صفحته اليوم، الأحد أكتوبر 21 لعام 2010، مقالاً للدكتور محمد عمارة بعنوان "مفهوم المواطنة في ظل المرجعية الإسلامية"، تساءل فيها "هل المواطَنَة لا بدَّ أن تكون علمانيَّة؟!‏ وهل تحقُّقُها يستلزم التخلي عن المرجعيَّة الإسلاميَّة في القانون والتشريع؟" اهـ. وقد أوضحنا رأينا في مفهوم المواطنة الذي يروج له بعض "المفكرين المسلمين"، في مقال سابق، ولكن أريد أن أضع بعض النقاط على الحروف، فيما يخص هذا المفهوم، إذ إن تناول الدكتور عمارة وغيره في هذا الشأن لا يقدم إجابات شافية شرعية على الكثير من النقاط التي تثار في هذا الشأن.

       والدكتور عمارة قد قرر أنّ المواطنة لا علاقة لها بالعلمانية، وأنّ الدولة الإسلامية الأولى قد أسّسَت هذه المواطنة في عهدها مع اليهود في المدينة. من هذه النقاط، أننا حين نتحدّث عن مفهومٍ معيّن، يجب أن يكون الفهم السائد الإستعمالي لهذا المفهوم هو المرجع في الحديث عنه، ولا يصلح أن نقرر صحة مصطلح إن لم نتفق على معناه ومضمونه. والمواطنة التي يرفضها الإسلام هي المواطنة التي تتبنها فرنسا على سبيل المثال، حيث العلمانية هي المرجع الرئيس من حيث تتمشى مع مصطلح المواطنة، وتنحية الدين من أمور الدنيا، ليتمهد لهم المساواة، في ظلّ التساوى بين الأديان.

       نعم، العلمانية ضرورية لتحقيق المواطنة بهذا المفهوم. ونعم، لا يتلاءم هذا المفهوم مع الدولة التي تتخذ ديناً لها كمبدأ للتعامل، ومرة أخرى، نحيل القارئ على ما قررته الدولة الصهيونية، من إصرار على يهودية الدولةن وعلى أداء قسم الولاء لها "كدولة يهودية"، وهو، إن حدث في أي بلد إسلاميّ قامت قيامة الدنيا، وفيها أهل الوسطية العلمانية من مفكرى الإسلام، أن هذا تطرفٌ وتصلفٌ، وجريمة في حق الإنسانية، ومثل هذا الخبث الذي لا يحمل إلا نفوراً من الإسلام وإزوراراً عن رسالته.

       والأخطر في مقال محمد عمارة هو قوله: "فالإنسان -في الرؤية الإسلاميَّة- هو مطلق الإنسان‏,‏ والتكريم الإلهي هو لجميع بني آدم‏,‏ "ولقد كرَّمنا بني آدم" الإسراء ‏70,‏ والخطاب القرآني موجَّه أساسًا إلى عموم الناس‏، ومعايير التفاضل بين الناس هي التقوى المفتوحة أبوابها أمام الجميع "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" الحجرات ‏13،‏ بل قد جعل الإسلام الآخر الديني جزءًا من الذات‏,‏ وذلك عندما أعلنَ أن دين الله على امتداد تاريخ النبوات والرسالات هو دين واحد‏,‏ وأن التنوُّع في الشرائع الدينيَّة بين أمم الرسالات إنما هو تنوُّع في إطار وحدةِ هذا الدين "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" المائدة 48‏".

       ولن نتمكّن، في نِقاشِنا للدكتور عمارة، من الرجوع إلى أحاديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحةَ الثابتةَ في الصحيحين، ، إذ إنّ الدكتور عمارة لا يَعتدّ بأحاديثِ الآحادِ (أي غير المتواترة)، التي هي غالب السنة، وإن صحّت، وإن رواها البخارى أو مسلم، إلا إن وافقت ما يراه صحيحا بمقياس العقل (عقل الدكتور عمارة)، وهو ما قرّره في العديد من كتبه، وما شَرُفَت جريدة المصريون بنشره له منذ عدة شهور، مبرّرة ذلك بأنّ هذا أمْر خِلافيّ! لكن، وبهذا النظر، فالأمر بين الإسلام والنصرانية وغيرها أمرٌ خِلافيّ، والفرق بين السنّة والبدعة أمور خِلافية! وعندها تتوه الحقائق وتتميّعُ الثوابت، وتتصدّعُ الأصُول، ولا حَول ولا قوة إلا بالله، ولهذا الحديث مقام آخر إن شاء الله.

       والمفهوم الذي يقصده عمارة في نصّه السابق، يقرر، في هذا التسلسل، أنّ:

      • الله سبحانه كرم بنى آدم، كلّ بني آدم (يقصد بهذا مسلمهم وكافرهم).

      • القرآن توجه بكلامه إلى كل بنى آدم، مسلمهم وكافرهم، فكافة الآيات فيها مخاطبة لبني آدم، مسلمهم وكافرهم.

      • معيار التفاضل بين الناس هو "التقوى" كما في آية الحُجُرات، وهو، بناءاً على ما تقدم، خطاب للكافة، مسلمهم وكافرهم، أي، بمعنى آخر، أن المسلم لا يتفاضل على الكافر إلا بالتقوى، والعكس صحيح، فالقبطي المُثلّث قد يكون أتقى في تثليثه من المسلم، فيكون أفضل منه!

      • ثم، الدين واحد، فلا فرق بين إسلام ونصرانية ويهودية، طبقا لما قرّر القرآن من أنّ رِسَالات الأنبياء واحدة، فالقبط المثلثون، دينهم كدين المسلمين واليهود، إذ أصله التوحيد!

      • الفرق بين الأديان هو فَرقُ في التطبيق والشرعة، أي التكاليف، وليس في العقيدة. وهذا الفرق والتفرق مقصود للشارع، وليس إنحراف من بني آدم، حسب قوله تعالى في المائدة!

       ووالله قد أعياني فهم موقف الدكتور عمارة في هذا النصّ الذي لا يحتمل تأويلا إلا ما أوردنا، في ضوء ما كتبه من تحريف النصرانية في كتابه الذي منعه ما يسمى مجمع البحوث الإسلامية. لكن، هذه هي عين المشكلة التي نعانيها، نحن المُسلمون السَلفيون المُتشددون الأصُوليون، ممن يتبع سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دون خَلط ببدعة أو تقديم بين يدي الله ورسوله بعقل، إذ لا نرى المنهج مستقيما ولا الرأي مستوياً في حديث هذه الفئة، وهو ما ننقده وننقضه في كلّ مرة ترفع البدعة رأساً.

       والأمر فيما أوردناه من تسلسل الأفكار التي أوردها الدكتور عمارة كما يلي:

      • نعم، كرّم الله سبحانه بني آدم مُسلمهم وكَافرهم، لكنّ منهم من كفر ومنهم من إهتدى. فمن كفر ردّه الله أسفل سافلين كما في سورة التين، ومن أسلم كان من أصحاب اليمين ومن السابقين.

      • نعم، كلام القرآن موجّه لكلّ بني آدم، لكنّ بعض الآيات موجّه لتطيبق المسلم دون الكافر كَكَافة آياتِ الأحكام مثلاً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنه لا يَصحّ أن تنتزع آية من سياقها الموضوعي وتعمم دون دليل، فإن التقوى المقصودة في كافة آيات القرآن هي الإسلام دون غيره، الذي هو الدين عند الله دون غيره، ومن ثمّ، فإنّ آية إن أكرمكم عند الله أتقاكم يقصد بها المسلمون دون غيرهم، أو من تابع الرسل من قبل سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوحيد الصحيح. ولا يصحّ ما أراده عمارة من معنى على وجه الإطلاق، ولا يَصِحُ ذكرَها على الإطلاق في هذا السِياق إلا تمويها وتعْمِية.

      • ولا أدرى لِمَ وَرّط َعِمارةَ نفسَهُ في هذا الخْلط،؟ فقوله أنّ التوحيد هو أصل الديانات معروف مقرّر، ولا علاقة له بأهل الكتاب، فهم قد إنحرفوا عن التوحيد، كما يعلم عمارة، ولا مناسبة لهذا التقرير هنا، فلعله يوضح في مقالٍ آخر ما يقصَد بهذا التقرير في هذا السِياق، فواضِح أنه كَتب هذه الكلمات قبل أن ينضُج المَعنى والتسلسل في فِكره. • كذلك ما ذكر من أنّ الفرق بين الأديان في الشِرعَة والمنهج التطبيقيّ (السنة)، لا أدرى ما يقصد بهذا، والله وحده أعلم به. الحاصِلُ، أنّ مقالَ محمد عِمارة، مَرّة أخرى، مُتسِقٌ مع مُسلسل المفاهيم المُجدّدَة المُحَرّفَة، الذي تتسَارعُ خُطاه وتتّسِع دائرَتُه، من محمد سليم العوا، إلى أحمد الريسونيّ، وفهمى هويدي، ثم محمد عمارة، في عرض مفاهيم المواطنة والتجديد والوسطية وغيرها من وجهة نظرٍ لا تخدم الإسلام في معركته المحتدمة مع العلمانية والتنصير.

       www.tariqabdelhaleem.com