لا شَكّ أنّ ما يَحدث الآن في مِصر له ما يتبعه من أحداث مخيفة، ستُغير معالم البلد إمّا إلى الأفضَل أو إلى الأسوأ، لا قدّر الله. فأحداثُ التفجيرِ التي وَقَعَت أمام الكنيسة، وقتلت 23 قبطياً، هي مُجرّد حَلَقة مُتَطورة في سِلسِلة أحُداثٍ بدأت تُنْسَجُ خُيوطُها وتُكْتَب فُصُولُها منذ تولى حسنى مبارك الحكم. فبعد أن وقف السادات وقفة الرِجال، دهاءا ومكراً، أمام رأس الأفْعَى القِبطيّة شنودة، جاء النظام المتحكم برئاسة مبارك، نظاماً دكتاتورياً مَنفَعياً لا يرى إلا صَالحِه المَاديّ، ولا يَعملُ إلا لتَكْتيل الثروة في حِسَابات رؤوسِه وعُملائه. ونِظَام كهذا هو نِظَامٌ مكتُوبٌ عليه الضَعفُ والرخاوة، والخُضُوع لمن يَشْعَر بأن له قَبضَة تُهدد قَبضَته، أو قوةٌ تُعَارض قوتَه، من خَارج أسْوار دَولته.
وكان أن فَهِم الأقباط مَسار اللعبة السياسية منذ 1981، فرَسَموا وأعَدّوا، وخَطّطَوا وتَربّصوا، ونَسّقوا مع من يُسمونهم قَبطُ المَهجر، العُملاء الصليبيون الخائنون لبِلادهم وأبناء أرضهم، مُرتقبين سَاعة التنفيذِ، وكانت أحداثُ سِبتمبر هي سَاعةُ الصِفرِ التي بدأ معها التآمر القبطيّ على مصر الوطن تتسارع خُطاه وتتتابع خُطواته، من تكْديس السِلاح، إلى التلويحِ بالخَارج الأمريكيّ، إلى المُطَالبة العَلَنية بالحَقّ القبطيّ المَغْصوب، إلى إهانة القُرآن، ثم إختطاف المُهاجرات إلى الله، بعلمٍ من النِظَامِ المُتَحَكِّم وبمساعدته، أملاً منه في التأييد القبطيّ الداخليّ والخارجيّ لإمتداد الحكم إلى الأبناء والأحفاد.
وخَسِرت حِسَابات النِظَامِ المُتَحَكِّم كُلُّها، فكان ضَعفه في مواجهة هذه الظاهرة المُستحدثة، والتركيز على قمع الأغلبية المُسْلِمَة، ولم يرى إلا مواضِع قدمِه، وعَمِيَت بَصيرته عمّا رآه أنورُ السادات، من ضَرورة كَبْحِ جِمَاح النَصَارى قبل أن يَستفْحل شَرٌّهم، فولاؤهم لم، ولن، يكون لهذا النِظَامِ، ولا لأي نظامً، إلا لكنيستهم، التي تقودهم إلى النَار في الدنيا والآخرة.
أخطأ النِظَامِ المُتَحَكِّم ي تقدير مطامح القبط ومطامعهم، ولم يدرك أنّ هؤلاء لا يَصْدُرون عن فِكرٍ سَطحيّ او مَحدود الطُمع، بل هم يريدون مثل ما حِقَقه الصَهاينة في فلسطين، وكما يدّعى الصهاينة أنهم كانوا سُكّان فلسطين منذ خَمسين قرناً، وأن لهم الحقّ في إسْتعادتها من المُغتصِبين، فكذلك يدّعى هؤلاء المُثلِّثِون أنّ العربَ قد إغتصبوا الأرض التي كانت أرضهم منذ خَمسة عشر قَرناً، وأنّ لهم الحقُّ في إستعادتها من الغُزاة المُسلمين! وهي في الحالتين دَعاوى جَوفَاء خَرفَاء رَعْناَء، لا حقُّ فيها ولا حقيقة.
إذن فالمَسؤلية كلها تَقعُ على الضَعفِ المُفرط للنِظام في مواجهة أعداء البلد الحقيقيين، وعلى خَطَل النظام وجهله في حسابات القوى الوطنية وتوازناتها. ثمّ على رؤوس القبط المُثلِّثين، الذين لا يأبهون بتعريض مصر للتفكك والإنهيار لينشؤا لأنفسهم داراً يزعمونها حقاً لهم.
والخطأ كلّ الخطأ في تساهل النِظَامِ المُتَحَكِّم مع ما أبداه هؤلاء القبطُ المُثلِّثون من تظاهر وعنف، وإعتداءٍ على شخصيات عامة، ترمز، مجرد رمزٍ لا حقيقة له، للإسلام وأهله من غالبية مطلقة، وما هو إلا متابعة سياسة الجُبنِ والضعف والخوف من الأقلية المستقوية بالغرب. ووالله إن لم يأخَذ النِظَامِ المُتَحَكِّم على أيدى هؤلاء بأسرع وبأشد ما يكون الأخْذ، كما يَفعلُ دائما مع المُسْلمين، لتكونَن هذه نِهايته المُحتّمة، بل ونهاية مصر كما عَرفها التاريخ منذ آلاف السنين، إذ إن هذا لن يدع للغالبية المُسلمة بُداً من أخذ حَقِهم بأيديهم، وهو إذن يوم التَنادِ، للنِظَامِ المُتَحَكِّم أولا، ولمصر ثانياً.
والسيناريو الذي نرجّحه هو أن تتعاظَم غفلة النِظَامِ المُتَحَكِّم، وأن تعود النخوةُ والحياة لبعض المُسلمين من شَباب الأمّة، فيبدأ في الردّ على إسْتعلاء الأقليّة القبطيّة المثلّثة، ولن يكون أمام الجَيش إلا أن يُعلن حالة الإستنفار العَسْكريّ لحماية البلاد، ويُسقط النِظَامِ المُتَحَكِّم، ونعود كما بدأنا أول مرةٍ، في 1952، حُكومةٌ عَسْكرِّية مُطلقة، إلى أن يأذَن الله بأمرٍ. وهو فيما نرى أفْضَل من أن يَظل النِظَامِ المُتَحَكِّم متغافلاً عن إسْتعلاء الأقليّة القبطيّة المثلّثة، حتى تحلّ الكارثة، ويتحقق إنشطار مصر كما بات مُحققاً إنشطار السودان.
حفظ الله مِصر الوَطن، مُسْلمة مُوَحِّدة، واحِدَة.