فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      مبارك .. على شنودة - الطائفية المُركّبة!

      لا شكّ أن السِّمَة الواضِحة في تَصَرُّفات النِظَام المُتَحَكِّمِ في مِصر هى الطَائفية المُتَحَيزَة لصَالحِ القبَطِ ضدّ الغَالبِيّة المُسْلمة. والسَبب في ذلك، من وجهة النظر اللادينية العلمانية الحكومية، أنّ مناصرة الغالبية المُسْلمة تعنى مُناصَرة الإسلام، وتقوية المُسلمين، وهو ما يَخشاه هؤلاء القائِمِين على النِظَام المُتَحَكِّمِ، إذ إنهم يعلمون أن لا بقاء لهم في الحُكم مع أغلبيّة قوية بأي حال من الأحوال. وفي المُقابل، فإن التحالف مع النصارى، الذين هم أقلية "تُظهر" نفسها كالمُسْتَضْعَفَة، لا يُسبب خوفاً للنِظَام المُتَحَكِّمِ أولا، بل ويؤدى غلى دعم الغرب والحكومات الصليبية للنظام، خاصّة الولايات المتحدة.

      والأمر الذي غَشَيتْ عنه بَصيرَةُ النِظَام المُتَحَكِّمِ، خِلاف ما في الخُروج عن الإسلام من حَسْرَة ونَدامة، أنّ الأقلية التي تعاضدها، وتسعى لشراكتها في النظام السياسيّ القائم، كما ظهر جليّاً في لقاء رأس النِظَام المُتَحَكِّمِ برأس الكنيسة القبطية مؤخراً، هو أنّ هذه الأقلية لم، ولن، يكون ولاؤها لأي نظامٍ يحمل القائمون عليه اسمٌ مسلم، كمحمد وأحمد، وإن أشْهروا الكفر، إلا أن يغيّروا دينهم رسمياً، بلا مبالغة أو تزيّد، وأن يُعلنوا تَبَعِيّتهم للكنيسة، تبعيّة سَافِـرة مُسْتَعلِنة، لا تشوبها شائبة إسلام من قريب أو بعيد. لن يكون لهؤلاء القبط ولاءٌ لمِصر أو لأهلِها إلا أن يتحقق لهم الإنفصال عن الدولة بشكلٍ تامٍ. وهو ما نحسبُ أنّه كان موضوع النقاش الأخير في لقاء رأس النِظَام المُتَحَكِّمِ برأس الكنيسة القبطية مؤخراً بشكلٍ غير مباشر. فإنّ المشاركة في العملية السياسية، والسماح لإتجاه دينيّ أن يكون ندّاً سَياسياً لرئيسِ الدولةِ، يحملُ في طَياتِه مُخبّآت مُرعبة، لا تقلُ أهمية في توابعها عن الإستفتاء الإنفصاليّ القريب في السودان. بل لعل من توابع هذا التوجّه السياسيّ للنِظَام المُتَحَكِّمِ أنّ القبط يصبحون، فعلياً لا رسمياً في هذه الفترة على الأقل، أصحاب حكم ذاتيّ منفصلٍ عن الدولة الأمّ، لا يخضعون لقوانينها إلا ما كان من قبيل القَوانين التَنظيمية كالمُرور والتَموين. بل وأحسَب أنّ هذا التَوجّه السياسيّ للنِظَام المُتَحَكِّمِ، في علاقته الجديدة بالقبط في مصر، يؤسس لشكل من أشكال الحكم الذاتيّ في المستقبل القريب لا البعيد.

      والنِظَام المُتَحَكِّمِ لا يشغل باله بما قد يؤدى اليه هذا التَطَرّف الطَائفيّ الذي يُمَارسُه، إذ إنّه، في ظَنِّه الواهِم، يحسبُ أنّه بهذا اللون من التَحَالف يَضمَن بقاءُ السُلطة تتدَاول بين أيدى العائلة الحاكمة، أو من هم تحت طيّات أجنِحَتَها، وما عليه أن يكون جُزءٌ من البلاد تحت حُكمٍ ذاتيٍّ قبطيّ، طالما ظلّ الرأسُ مُوحّداً، وظلّت أنيابه مَغروسَة في جَسَدِ الأمة، يَسْتنفذ دِماءها لصالحه، ويبُثُ فيها سُمومه.

      لكنّ كلّ الحسابات العاقلة، التي تستشِفُ الماضى، وترصُد الوَاقع، تُظْهِرُ أنّ هذا التوجّه السياسيّ للنِظَام المُتَحَكِّمِ، من السذاجة وقصر النظر الذي يصل به إلى حدّ الغباء والبلاهة. فما من حركة طائفية إحتجاجية، في أية بلد كانت، إلا وتحولت إلى حركة مسلحة أولا، ثم حركة إنفصالية ثانيةً، وسواء حدث الإنفصال بالفعل إم لم يحدث، فإنّ هذه الحركات تظل شوكة في جنب الدولة الحَاضِنة لهذا التمَرُد. وشاهد على ذلك حَركات الإنفصالِ في المَغرب والسُودان وغيرهما. كما تُظهر أنّ النظام الساداتيّ، حتى من الوجهة العلمانية، كان أذكى بمراحل من هذا النظام المُتَحَكِّمِ الحاليّن حيث إستطاع السادات أنّ يضع شنوده في حجمه الطبيعيّ حين نفاه إلى الصحراء. والفارق أنّ السادات لم يكن طامحاً في توريث ابنه للحكم، خلافاً لعِصَابةِ النِظَام المُتَحَكِّمِ الحاليّ.

      وكما ذكرنا، إنّ النُظُمَ المُتَحَكِّمّة عَامّة لا ترى أبعد من قدميها، فالقبط، كما يحدث في السودان، لن يكتفوا حتى بحُكمٍ ذَاتيّ في جزء من أجزاء مصر، بل سَيستغلُ هذا الإعتراف المتبادل بينه وبين الكنيسة القبطية ليبدأ مرحلة جديدة، تُجند لها الجنود، وترصد لها الأموال، وتسنّ لها القوانين، داخل الكنيسة ذاتها، لتدير شؤون رعاياها، خارج نطاق النِظَام المُتَحَكِّمِ، وخَارِج قبضَته الرَخْوة عليها.

      ويبقى أنه على المُسلِمين، من الذين يَهتمون بشُؤون هذا البلد، أن يُدبّروا لأنفسهم طريقاً للخَلاص من هذا النِظَام المُتَحَكِّمِ أولا، وأن لا ينشَغِلوا بصِراعَات مع أقليّة تَسعى عَمدا لتصْعيد هذا الصِراع، إذ متى ما سَقط للنِظَام المُتَحَكِّمِ، لم يُصبح لهذه الأقلية مُتَعَلّقٌ يُغنى، ولا لنباحها صوتٌ يُسْمَع.