فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      أزمة الدعوة ... وأزمة دعاتها

      (1)

       لا شك أن أزمة الدعوة الإسلامية تتمثل في كثير مما يحيط بها من ظروف محلية وعالمية، على رأسها ذلك العداء المستحكم لها من قِبَل النظم الحاكمة التي باتت الدعوة تكتوى بنارها وترسف في أغلالها جهاراً نهاراً، تتعاون على ذلك مع القوى الصليبية والصهيونية التي أعلنت حرباً مفتوحة على الإسلام في كل بقاع الأرض بعد أن بدّلت إسمه إلى "الإرهاب". هذه كلها أمور لا يشك فيها عاقل اليوم، مسلم أو غير مسلم، إلا من عميت بصيرته من المسلمين، أو إنخرم عقله ومات ضميره من غيرهم.

       لكن الأمر هنا ليس ما تعانيه الدعوة على أيدى اعدائها، بل ما تعانيه على أيدى بعض دعاتها وإعلاميّها ممن إنحرف بهم طريق الهوى أو إنجرف بهم تيار الدنيا، وعَمِيَت عن الحق بصائرهم، أو إضطربت في خضم المعترك مذاهبهم. وحتى لا تختلط الأوراق، فإنه يحسن بنا أن نُعرِّف المقصود بالدعاة في مقالنا هذا، إذ إنّ المتكلمين في الإسلام، إمّا علماء، وإما علماء دعاة، وإما دعاة ليسوا بعلماء، وفي هذه الطبقات الثلاث من هم على المحجة، وهم كثير بحمد الله تعالى، ومنهم من إختلط بعلمه شوب بدع، ومنهم من خرج عن الصراط إما جهلا أو هوى.

       والمشاركون في أزمة الدعوة عادة هم من الطبقة الثالثة، إلا قليل ممن إبتلي بفتنة الفكر الإعتزاليّ أو الإرجائيّ من الطبقة الثانية. أما عن الدعّاة، الذين حَصَّل بعضهم بعض العلم، ثم خرج على الناس ينشر ما عَلِمْ، منهم من عَرَضَ على الناس عَرْضَ ما يعلم، ولم يتوسّع في الكلام عن الإسلام وراء ذلك فأصاب وأفاد، ومنهم من توسّع وراء ذلك، وخاض فيما ليس له به علم، فضَلّ وأضلّ، سواء بالحديث عن الإسلام عقيدة وشرعاً أو بالحديث عن تطبيقات الإسلام في واقعنا المعاصر سواء في حال الموسومين بالدعاة أو من أهل الإعلام المفترض أنهم حُمَاةُ الكلمةِ وأوصياءٌ على نشرِها بالحق لا بالباطل.

      (2)

       تحمّل أخف الضررين .. أم ترويج لأخف الباطليْن

       ما علينا من هؤلاء الذين خربت نياتهم وباعوا دينهم بعرض قليل، ولكن من هؤلاء الدعاة والإعلاميين من خلصت نيته ثم إجتهد في محلّ لا يصح له فيه الإجتهاد، فتراه إما ساكتاً على منكرٍ في الإسلام يراه رأي العين، أو ناشراً له وداعياً اليه على أنه أخف ضرراً مما هو واقع حال! وهم كلهم في هذه الطبقة يرجعون إلى قاعدة أصولية فيستخدمونها في غير محلها ويؤلونها غير تأويلها، ونقصد بها قاعدة "جلب أعلى المصلحتين بتجنب أدناهما، وتحمل أخف الضررين لدرأ أشدهما".

       ففي الشق الثاني من هذه القاعدة التي يشهد العقل والمنطق بصحتها، والتي ثبتت بمتواتر من الأدلة في الشريعة، يرى الشارع أنه إن وقع ضرر خفيف، حالا أو مآلا، وجب تحمله إن ثبت أن هناك ضرر أشد منه سيلحق بنا لو رددنا هذا الضرر الخفيف، فحينئذ يجب السكوت على هذا الضرر الخفيف لأن أذاه أقل من هذا الأشد وطأة، وهذا معقول مقبول. أما ما ليس بمعقول أو مقبول، كما ليس بمقصود للشارع، ما ذهب اليه بعض هؤلاء – على غير علم – أنه لو كان الضرر الأشد واقعاً، وجب أن ندعو إلى الضرر الأخف ليرتفع به الأشد! فإنّ هذا ليس في منطوق القاعدة ولا مفهومها، بل الأصح أنه في مثل هذه الحالة يجب أن ندعو إلى ما فيه المصلحة وما دلّ عليه الشرع ابتداءاً، فإن أدى هذا إلى تبدل الضرر الأشد بالأخف فبها ونعمت، وعلينا أن نستمر في الدعوة للحق وأن نتحمل الضرر الأخف حتى يأذن الله في التغيير. أما أن ندعو إلى الضرر الأخف، حتى دون بيان أنه ضرر إطلاقاً، فهذا لا يكون إلا ممن آمن بأن هذا الضرر ليس بضرر اصلاً، أو خلّط في تطبيق القاعدة الشرعية كما أسلفنا.

       والمثال الأشهر على ذلك هو فيما تدعو اليه هذه الطائفة من الدعاة والإعلاميين من تبنّى الحلّ الديموقراطيّ في مقابل ما نرزح تحته من دكتاتورية فاشية فردية بغيضة، عسى أن يأتي ذلك بالإسلام، أو بما هو أخف وطأة مما نحن فيه. نسي هؤلاء أن الدعوة إلى الباطل باطل، وأن ليس في هذا تحمل لخفيف أو رفع لثقيل، بل هي دعوة لباطل في أوضح صورها! وأنّ النية التي قد تكون معقودة عند البعض أنّ في ذلك سبيل إلى الحكم الإسلاميّ، لا إعتبار لها إذ هي من حكم الباطن الذي لا إعتبار له في الشرع. ثمّ يقال إنه إن كانت الدعوة قائمة لأمر من الأمور فلم لا تكون للإسلام وأن يتحمل الناس والدعاة تبعاتها، فإما أن ينتج عنها التخفيف من الباطل، إذ لا يقف الداعون إلى الإسلام وحدهم في الساحة، بل تتوحد كلمة الدعاة كلهم على الإسلام لا غيره، وهو ما ترتفع اليه أنظار الداعين إلى الديموقراطية، أو أن يرتفع الباطل كافة ويتحقق الموعود.

       الفارق هو أنّ من هؤلاء من لا يريد تحمل تبعات الدعوة الواضحة إلى الإسلام، ويظن أنّ هذه التمسحات بالنظم العلمانية الأخرى ستؤدى إلى نتيجة أفضل، والواقع والتاريخ، القريب لا البعيد، يشهد على كذب هذا الإدعاء، كما رأينا في الجزائر والكويت والأردن ومصر في نصف القرن الفائت. فما هي إذن مبررات الدعوة لباطل لا يتحقق؟ هذا مثال من كثير مما وقع فيه الكثير من الدعاة والإعلاميين في الساحة الإسلامية نظراً لجرأتهم على العلم دون تحقيقه.

       (3)

       بين زلات الدعاة .. والدعاة إلى الزلل

       طلع علينا أناس ممن كانت لهم بالدعوة صلة في العقود السابقة، وممن تسامح معهم النظام وتسامحوا معه مؤخراً، بتوجهات وتوجيهات غريبة على الحسّ الإسلامي السنيّ، فقد اشار أحدهم إلى ضرورة التعامل بالودّ والحسنى بين الدعاة بعضهم وبعض، إذ قد رصد كثيراً من "التهجم" على الدعاة من أصحاب الفضل والعلم والعمل من قبل غيرهم من الدعاة، وأن هذا ليس من الخلق الإسلاميّ وأنه يجب مراعاة قواعد الأخوة..إلخ إلخ.

       والرجل مثال لغيره ممن انقلب في مجال الدعوة من اليمين إلى اليسار مرة واحدة، أو كمن كان أقرب للخوارج، فأصبح أقرب للمرجئة، ومثال لمن استخدم الأدلة الشرعية في غير موضعها بعد أن انحرفت زاوية رؤيته إلى وجهة غير صحيحة. فقد أشاد الرجل بأمثال عمرو خالد، بل وحَمَدَ للرجل جهده وفضله، ولأمثاله من القصاصين المحترفين الذين تمسحوا بالدعوة وتدسّسوا تحت ردائها طلباً للشهرة أو المال أو كليهما، مع خلوٍ تامٍ من العلم الشرعيّ.

       الأمر هنا ليس أمرُ تشهير بداعية أو تهجم علي إعلاميّ، بل الأمر أمر نصرٍ للسنة ودرءٍ للبدعة، فالرجل – عمرو – ليس ممن يستحق أن يكون له دور بالمرة في مجال الدعوة، ولا أن يوجد على ساحتها ابتداءاً، وهو ممن لا تعرف له عقيدة، إن كان سنيا أو شيعياً أو احمديّ، وقد استباح ما حرّم الله من حلق اللحية، ومن الإختلاط، وخلّط في الكثير مما أفتي فيه في دين الله بغير علم فضلّ وأضلّ، وتجرأ على سيده وسيد الخلق – الذي يتمسح باسمه – محمد صلى الله عليه وسلم فأسماه فاشلا في رحلته إلى الطائف وهو ما يرقى إلى السبّ وما يجعل هذا المنافق أقرب للكفر منه للإيمان.

       والمشكلة ليست مع عمرو خالد ولا أمثاله، فقد كشف الله سترهم وأرجعهم إلى أحضان مواليهم من الصليبيين يتوددون اليهم ويتراحمون معهم، ولكن المشكلة مع أمثال هذا الداعية – ناجح إبراهيم – الذي كان له شأن في يوم من الأيام، ثم مع تلك المؤسسات الإعلامية التى تسمح بنشر مثل هذا الهراء علماً بأنّ هناك من العامة من ينطلى عليهم هذا التراحم الباطل، فيقعوا في باطل عمرو وأمثاله.

       ويتبع إن شاء الله