فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الحل الإسلامي ... بين الأسباب والنتائج

      المتأمل في الإتجاهات الإسلامية ورؤيتها للحلول "الممكنة" و"الواقعية"، والفارق بينهما كبير، يدرك أنّ الأمر في هذا الخلاف بينها إنما يرجع بالدرجة الأولى إلى تصور كلّ منها للواقع الحاليّ، ثم مدى إرتباط الأسباب بالنتائج المترتبة عليها، تكليفاً ووضعاً.

       أما عن الأمر الأول، فقد تناولناه من قبل في كثير من المقال، وبيّنا هنالك أنّ تصور الواقع فرع عن العقيدة، إن إنحرفت إنحرف، وإن استقامت استقام، فالإرجاء يلجأ بصاحبه إلى التفريط وقبول الواقع القائم ومحاولة التكيّف معه، والعمل من خلاله لأنّ القائمين على الأمر مسلمون لا يزالون، والنظام كله مسلم عاصٍ لا بأس من التعامل معه، والتصور القائم على الخروج والتكفير يرى العكس، فلا مصالحة مع النظام ولا القائمين عليه البته، ثم يلجأ إلى الإفراط بقتل النفس التي حرّم الله، ويسرف في التكفير وتوابعه دون ضابط إلا مما هيأته له عقيدته البدعية. وأهل السنة هم أهل الوسط بين ذلك.

       لكن مقالنا اليوم يهتمُّ بالشق الآخر، الذي نحسب أنه لم يُـتناول بالبحث من قبل رغم أهميته وأثره على الحركة الإسلامية، ألا وهو إرتباط الأسباب بمسبَبَاتها – اي نتائجها – وحدود هذا الإرتباط في التكليف الشرعيّ وفي الواقع العمليّ ومدى ما أراده الله سبحانه من الناس في هذا الباب، حين يقرّ المقرّون حلاً أو يتبنون سبيلاً للحلّ. ولا أحسب أن هذا الموضوع مما يمكن تناوله بما يستحق في مقال واحد، بل نحسب أنه يحتاج إلى بحث أكبر كثافة وأعمق غوراً، حتى يمكن من خلال البحث أن تتبين صحة الأسباب التي يتوسل بها المسلمون، ومدى جدواها في جلب النتائج المرجوة منها.

       لا شك أنّ العقل الإسلاميّ، بل والبشريّ في هذا الأمر، يرى العلاقة السببية بين السبب والنتيجة علاقة حتمية عادة، إلا إن أراد الله أمراً. والحلول الإسلامية للمشكلات الواقعية، والوسائل التي تتخذها الأفراد والجماعات لتبديل واقع راهن هو، حين التدقيق، أخذ بأسباب معينة على رجاء وقوع نتائجها المرجوة. وعلى قدر دقة تشخيص الواقع، يمكن أولا أن تتحدد الأسباب – أو الوسائل – التي يمكن الأخذ بها للوصول إلى النتائج التي تترتب عليها، وهي تغيير الواقع أو تبديله. ثم يأتي دور الأخذ بتلك الأسباب والوسائل، فعلى قدر الدقة فيها، وإستيفائها، ومراعاة شروط تحقيقها وموانع وقوعها، على قدر ما وقعت النتائج المرجوة، جزئياً أو كلياً، سلباً وإيجاباً.

       إن قوة هذه العلاقة السببية ومدى أثرها في فكر العاملين في الحقل الإسلاميّ، سواء في مجال الدعوة أو الإعلام، هو ما يحدد بشكل قاطع ما يأخذون به من أسباب أو وسائل وما يَدَعون. فمن لم ير يد الله سبحانه تعمل من وراء الأسباب ففرّق بين ما جمع بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من "العقل والتوكل" كما في الحديث، أفرط في حساب قوة العدو، وداهمه الرعب من النتائج التي يحسبها ستقع إن راعى ما أغفل من الأدلة التي تشير إلى غير ما ذهب اليه، وقلل من شأن القوة الإيمانية وأثرها في النصر، وهكذا العكس مع من أغفل قوة العلاقة السببية التي بني الله عليها بناء الحياة، والتي ذكر الشاطبيّ أن إعتبارها هو إعتبار لعلاقة الظاهر بالباطن والذي هو "الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر، وطاعة المطيع وعصيان العاصى...بل هو كلية التشريع وعمدة التكليف" موافقات ج1ص233، فتجد هذا الذي أغفل قوة هذه العلاقة السببية، قد لجأ إلى أسباب ووسائل تنحاز به عما رجا من نتائج تترتب عليها، كما تعسف في تفسير بعض الأدلة لتسير على منهاج نظره.

       والعجب للمتأمل في هذا الأمر أنه يجد كلا من الطرفين المتضادين في الواقع الإسلاميّ، ونقصد بهما الصوفية وبعض الجهادية (إن صح استعارة هذا الوصف لغرضنا في هذا المقال، إذ كلّ مسلم ملزم بالجهاد بشكل وبقدر حسب الواقع المتاح والجهاد ماض إلى يوم القيامة)، يجد أنّ كلا منهما إتخذ نفس الموقف وانتهج ذات النهج في النظر إلى العلاقة السببية بين الوسيلة والغاية، أو السبب والنتيجة، فكلاهما لا يرى إعتبار هذه العلاقة حين تُعرض الأدلة الشرعية التي يعتبرها قاضية في هذا الأمر. فالصوفية يرون أنّ حق التوكل هو نبذ السبب، فدخول الصحراء دون زاد أو شراب يستوى مع أخذ الزاد، إذ لا علاقة بين الوسيلة التي هي أخذ الزاد وبين الغاية وهي سلامة الوصول إلى الغاية. ثم نرى بعض الجهاديين يتمسكون بآيات الجهاد الواضحة الجلية، ثم لا يرون التكاليف الوضعية التي تتمثل في حكم المانع الذي يمنع من الأخذ بهذا السبب أو الوسيلة، فيكون ما يكون من تأخر النصر أو الحدّ من أثره.

       ومثال آخر على ذلك، ما نرى من بعض العاملين في الحقل الإسلاميّ، سواء في الدعوة أو الإعلام، إتخذوا – أو هكذا يحاولون – طريقاً وسطاً بين مهادنة السلطة والتعامل معها، أو ملاينة بعض أهل البدعة، بأسلوب إمساك العصا من النصف، على اساس أنّ هناك موانع تمنع من ذكر الحق أو التعامل المستقيم مع النظام، ثم يكون تقدير هذه الموانع، قوة وضعفا، هو العامل الذي يحدد قدر الملاينة والمهادنة. وهذه الموانع ذاتها تتغيّر بتغيّر الناظرين وقربهم أو بعدهم عن السنة، ومدى علمهم الشرعيّ وإحاطتهم بالأدلة وتأويلها وغير ذلك كثير مما يجعل الأمر مُتشابكاً مُشكِلاً حتى على أنفسهم، فلا يروْن من أين جاء الخَلل أو كيف انحرف بهم الطريق.

       ثم يجب أن ندرك أن الناس تفترق في إعتبار النتائج والنظر إليها حين الدخول في الأسباب واستخدام الوسائل المؤدية لتلك النتائج. وكما قرر الشاطبيّ (انظر الموافقات ج1 ص187 وبعدها) فإنه من المكلفين من ينظر إلى النتائج التي تترتب على أسبابها ويعتبرها إعتباراً كاملاً على أنها لابد واقعة بناءاً على القوانين الكونية، ومنهم من لا يعتبرها ولا ينظر اليها بناءاً على أنّ الله سبحانه فاعل النتيجة كما أنه فاعل السبب، فلا ضير في عدم النظر لأيهما، ومنهم من يدقق في النظر إلى ما يترتب على كل سبب ووسيلة يتخذها بناءاً على أن تلك النتائج تتحقق عادة إلا إن أراد الله أمراً.

       وهذه الأخير هو موقف أهل السنة من هذه العلاقة السببية. فإنه لابد وأنْ يدرس المسلم السبب أو الوسيلة التي يراها محققة لما يريد، وأن يعتبر ما يشترط لها وما يمنع منها، ويوازن هذه الشروط والموانع، ويخرج بما يؤيد حصول النتيجة أو غالبها إن اقام هذا السبب واتبع هذه الوسيلة لبلوغ غايته، ثم يَكِلُ أمره لله. والخطأ كل الخطا في إعتبار موانع او تقدير شروط ليست بموانع أو شروط شرعية، وكذلك تعظيم مانع أو تصغير شرط من المشروعات، فالتهوين من قوة العدو كما يفعل بعض المتهورين، أو المبالغة في تقدير قوتهم وأثرهم كما يفعل بعض من ابتلاهم الله سبحانه ببلاء إمساك العصا من النصف ونصر المذاهب الأرضية كالديموقراطية كخطوة في سبيل إقامة الشريعة. كلاهما ضلّ عن سواء السبيل في إعتبار علاقة السبب بالنتيجة، فما ربح كلاهما ما سعى اليه.

       والحديث في هذا الأمر يطول كما ذكرنا لتشابكه وتشعبه وغوره في النفس الإنسانية ودورها في توجيه الإجتهادات في ضوء تلك العلاقة بين الوسائل والنتائج، أو – إن شئت بالتعبير الأصوليّ - الأسباب ومسبَبَاتها.

       ولنا عودة لهذا الأمر إن شاء الله تعالى.