فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      إسلام بلا دول .. ودول بلا إسلام

      لا شك أنّ مقولة أن الإسلام دين ودولة، في حال الواقع، قد تفكّكت عُراها وتحلّلت مُركباتها في هذا العصر الذي يشهد حربا ضروساً على الإسلام وأهله وشرائعه وكلّ ما يمت له بصلة، والذي يشهد صعود علمانية النظم الحاكمة، وسيطرة سدنتها على مقاليد القوة والمال والنفوذ في كافة البقاع التي تقطنها أغلبية مسلمة، فإذا هي كلها دول بلا إسلام، تتسول فكراً، وتصطنع ثقافة تروجهما بين قاطنيها من المسلمين لتدمر ما بقي من عناصر إسلامية بقيت في نفوسهم بعد أن سحبت الإسلام "دين ودولة" من حياتهم بشكل قاطع.

       والنتيجة التي كان لا بد منها أن تتجرد هذه النظم، التي تسمى نفسها دولاً، من الكرامة والعزة والقوة الحقيقية التي كتب الله سبحانه أنها لن تكون لمن يهجر الإسلام "دينا ودولة" ويلهث لهث الكلاب وراء فتات الدنيا، يتلقاه من قوى الإلحاد والشرك من صهيونية أو صليبية.

       ولكن الأمر ليس أمر هذه النظم وسدنتها ممن اشترى دنياه بدينه، إنما هو أمر المسلمين الذين يعيشون في هذه البقاع التي تمرّد حكامها على دين الله وشرائعه. المسلمون اليوم، وأقصد بهم من لا يزال يرى الإسلام "دين ودولة"، يعيشون أفراداّ، قلّة متناثرة، في تلك البقاع، يحولون، بجهود فردية لا غير، أن يحافظوا على هويتهم الإسلامية، وأن يوسّعوا من دائرة وجودهم قدر ما تسمح به هذه الأنظمة.

       الإسلام اليوم لا تمثله دولة أو نظام، إنما يتمثل في أفرادٍ وجماعات. أفرادٌ يعيشون على مستوى العائلة، يحيون يوما بيوم، يقاومون العدوان الثقافيّ والفكريّ من ناحية، ويتشبثون بميراث دينهم من ناحية أخرى. ثم جماعات متعددة متشعبة الأهواء والتوجهات العقدية والرؤى الفكرية، ومن ثمّ تتشعب بهم دوافع التصدى للواقع العلمانيّ وطرقه ووسائله وحدوده. وهم، رغم أنهم كلهم مطاردون مستهدفون في أنفسهم وأبنائهم وأرزاقهم، إلا أنهم متفرقون متناحرون، لا يرون ما حلّ بالإسلام إلا من خلال استراتيجيتهم الخاصة، ووسائلهم المحدودة.

       هذا الواقع الذي أسلفناه لا يُحْسَد عليه. فالمنحنى التاريخيّ منذ نهاية القرن الثامن عشر إلى وقتنا هذا لا يمثل إلا خسارات متلاحقة، بدأت أول ما بدأت بالسماح ببعض "الإمتيازات" أن تأخذ طريقها في صالح أهل الذمة والوافدين من بلاد الفرنجة آنذاك، ثم التنازلات المتعاقبة في حقوق المسلمين لصالح هذه الفئة ذاتها، ثم إختراق الحكم الشرعيّ بالمحاكم المختلطة، ثم بإلغاء الخلافة بالمرة واستبدالها بمشروعات دول قومية متناحرة تتمسح كلها بالغرب الصاعد وتنسلخ كلها من الشرق الآفل. والنتيجة هي ما نراه في واقع اليوم الذي لا يُحْسَد عليه.

       ولا يزال من المسلمين أفراد وجماعات يعتقدون أن لهم دول تواليهم ويوالونها، ، وإن شذّت في بعض تصرفاتها، وما يجب أن يعرفوه ويصدقوه ويعتقدوه أنهم لا ولي لهم ولاونصير من أهل الدنيا، اللهم إلا في كرة القدم!، وأن الدول "الرسمية" التي تجتمع وفودها في المؤتمرات "الإسلامية" والجامعات العربية، لا شأن لحكوماتها بالإسلام إلا أن ترفع عنه صفة "الدين والدولة" وأنْ تسعى لصبّه في قالب علمانيّ يتخذ من التجربة المسيحية في الغرب مثالاً، وأن تستبدل بالقرآن الحكيم دساتيراً علمانية بشرية تخدم صالح الصهيونية أولاً والصليبية ثانياً، وتضمن لهم الفتات آخراً.

       الواجب الأول علي المسلمين الذين لا يزالون يرون أن الإسلام "دين ودولة"، "عقيدة وشريعة"، "سيف وقلم"، أن يبنوا تصرفاتهم ويتصوروا حلولهم على هذه الحقائق التي عرضنا. ولا يعنى هذا التسرع والهوج والإستهتار في الحلول ! بل يعنى أنّ تحقيق الداء وتشخيصه بدقة هو الطريق الأوحد لفاعلية الدواء، واي خلل في الفهم، ناتج عن ضعف في الإرادة أو انحراف في العقيدة، لن ينتج إلا بعدا عن نصرة الحق ونصرة دينه.

       لابد للمسلمين من أن يبدؤوا طريقهم بتحديد هدفهم، وهو ان يكون لهم مأوى وملجأ يتمثل في دولة من الدول، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأن الخطوات التكتيكية لهذا الهدف يجب أن تمر بما يلزم من بناء الإنسان المسلم أولا، وبناء الأسرة المسلمة، نشر العقيدة الحقة، ومقاومة بدع المبتدعين واباطيل المبطلين، ثم توقع النصر "وما النصر إلا من عند الله".