فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الدور التركيّ في المنطقة العربية

      الدكتور طارق عبد الحليم

      حاوره : أسامة الهتيمي

      نجحت تركيا في الآونة الأخيرة إلى حد كبير في أن تستعيد دورها الإقليمي مجددا وأن تكون فاعلا قويا ورئيسا في العديد من قضايا ومشكلات المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تعد القضية المركزية للعرب والمسلمين على السواء باعتبارها النموذج الأوضح في الصراع الدائر بين الشرق الإسلامي والغرب الصليبي منذ الحروب الصليبية التي كانت تستهدف القضاء على الأمة الإسلامية.

      وبقدر ما مثل تفعيل الدور التركي في المنطقة لدى الكثيرين حالة من التفاؤل في أن هذا الدور يمكن يصب في صالح الموقف العربي والإسلامي بقدر ما عكس لدى آخرين توقعات بتزايد التراجع أدوار الدول العربية التي كانت توصف بالكبيرة ومنها مصر وسوريا والسعودية وهو ما يعني لدى هؤلاء المزيد من التراجع في احتمالات تحقيق مكاسب في الفترة المقبلة.

      حول الدور التركي وانعكاساته عربيا وإقليميا كان حوارنا مع الدكتور طارق عبد الحليم الكاتب والداعية الإسلامي المعروف والمقيم في كندا منذ عقود.

      *برز في الفترة الأخيرة الدور التركي كلاعب رئيسي في القضايا العربية والإسلامية.. ما هو تفسيركم لذلك وما دلالته بالنسبة للواقع العربي الراهن؟

      **بسم الله والصلاة على رسول الله، لا شك أن تركيا بثقلها التاريخي الإسلاميّ لم يكن من الممكن أن تغيب عن مسرح الأحداث كمشارك رئيس إلى الأبد. ولكن الخراب العلمانيّ الذي أحدثته ثورة أتاتورك، وسيطرة الجيش على الأوضاع رغم المحاولات المتعاقبة للخروج من هذا المأزق العلمانيّ أخّر هذا الدور. وهذا معلوم للجميع، لكن ما أريد إضافته من ملاحظتي الخاصة وهي أن لا يعلق العرب أو المسلمون أملاً كبيراً على هذا الدور في القريب العاجل، إذ إن العلمانية اللادينية لا زالت هي المؤثر الأول في السياسة التركية، ولا يزال الدور التركيّ محكوما بعوامل أخرى عديدة مثل رغبتها في المشاركة في الإتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل تحالفها مع "إسرائيل" له قوة أحسبها أكبر من النزعة الإسلامية الفردية لدى رؤساء حكومتها والتي لا تمثل في حقيقة الأمر سياسة يمكن للعرب الاعتماد عليها.

      أما دلالته بالنسبة للموقف العربي الراهن، فإن أي مساعدة من أي جهة كانت في إظهار الظلم الواقع على المسلمين وهضم حقوقهم هي بلا شك مُرحب بها.

      *يرى البعض أن تنامي الدور التركي مؤشر على تراجع الدور العربي في حين ينظر إليه آخرون باعتباره مكسبا سنيا في مقابل تنامي الدور الإيراني الشيعي في المنطقة.. ما رأيكم؟

      **تراجع، بل هوان، الدور العربي في مقابل الصهيونية اليهودية والصليبية المسيحية أمر لا يحتاج إلى الدور التركيّ ليكون مؤشراً عليه، فهو أوضح من أن يحتاج إلى دليل، وكلّ سياساتنا العربية وموقف حكوماتنا المخزية من كافة القضايا الإسلامية كغزة والعراق وأفغانستان والصومال والإنبطاح الإقتصاديّ التام أمام المؤسسات الغربية التي يحكمها اليهود عامة، وقصر دور الجيوش العربية على قمع الشعوب والإحتفاظ بالحكم لأسر وعائلات محددة في الدول التي تتلفح بوشاح الديموقراطية المهاهل، هي دلائل على ذلك.

      وكوُن الدور التركيّ متواضعاً في نصرة المسلمين على مسرح السياسة العالمية، هو غير إعتبار ثقلها السنيّ – بالمعنى العام للكلمة – أمام الزحف الرافضيّ الصفوي الإيراني، والذي لا يقل خطراً عن التغلغل اليهوديّ في قلب المنطقة العربية. وهو ما يجب أن يرحب به المسلمون على الصعيد الأهليّ وأنْ يحاول ممثلوا التجمعات السنية – بعيداً عن الدول – تقويته ودعمه.

      *تتزايد المطالب بأن تتحول الأدوار العربية والإسلامية في المنطقة من إطار الصراع والتنافس إلى إطار التكامل ..هل تعتقدون أنه يمكن تحقيق هذا التكامل في ظل الخلافات بين القوى العربية والإسلامية؟

      **إن كنت تقصد ب"القوى العربية والإسلامية" الحكومات العربية الإسلامية، فالأمر ليس أمر مطالبات تتزايد، بل هو أمر واجبات أهملتها هذه الحكومات لمصالح أعضائها الخاصة، بل وتعاونت مع أعداء الإسلام جهاراً نهاراً لضرب الوجود الإسلاميّ بكافة صوره في المنطقة، وهناك أمران تتفق عليهما النظم العربية بلا خلاف بينها هما قمع الشعوب وقهر إرادتها إلى أقصى حدّ ممكن، والثاني هو التعاون مع القوى الصهيونية والصليبية للوصول لهذا الهدف على أكمل وجه.. أما إن أردت ب "القوى العربية والإسلامية" الجماعات والتجمعات الإسلامية، فهي كلها تدور في إطار صغير محدود لا يسمن ولا يغنى من جوع وهي لا تزال حائرة بين إختلافها في النظر العقدي الإسلاميّ وما نشأ عنه من إختلاف في رؤية الحلول وتطبيقات الواقع. ولا أقصد تثبيط الهمم ولكن ضبط الواقع والصراحة والصرامة في رؤيته هي اقرب طريق إلى إصلاحه.

      *مكانة العرب في الكثير من التقارير المتعلقة بالتنمية الاقتصادية أو البحث العلمي متدنية إلى أقصى حد فهل تعطي هذه التقارير صورة دقيقة عن الأوضاع العربية أم أنها تميل إلى الانتقاء؟ وإن كان تشخيصها دقيقا فما سبب هذا الفشل العربي؟

      **مرة أخرى أخي الكريم، لا يحتاج الأمر إلى تقارير عن حالة المواطن العربي المسلم، وعن حالة الإقتصاد العربي الذي يمس حياة الشعوب العربية المسلمة، خلاف إقتصاديات الحكام التي تعتبر غاية في الإنتعاش والنمو بمعدلات تفوق الخيال! والتقارير العالمية في هذا الشأن ترسم صورة حقيقية إن لم تكن متفائلة عن وضع الإنسان العربي إقتصادياً. وهذا الفشل العربي هو مكمل للفشل السياسيّ فالاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة هي النهضة. وإن كنت لا أريد أن أدعم إستخدام كلمة "الفشل العربي" إذ إن هذا يلقى بلائمة الوضع على أكتاف "الغلابة" من الناس الذين ليس لهم في الثور ولا في الطحين، وإنما يكون فشلاً إذا قُصد إلى النجاح وعُمل عليه، ولكن الأمر هنا أنه لم يكن مقصوداً لهذه الحكومات بادئا ذي بدء أن تُحسن من وضع أفراد شعوبها إلا بما يجعلهم قادرين على الزحف، لا السير ولا الركض! فهو في حقيقة الأمر نجاح لسياسة هذه الحكومات وإنما هو فشل بمقياس البشرية والإنسانية والنظم العالمية التى استقر عليها مقياس التقدم الإنسانيّ.

      *استعار العرب العديد من النظريات والأيدلوجيات السياسية في محاولة لتحقيق النهضة.. متى وكيف برأيكم يلجأ العرب للاستعانة بالإسلام لاستعادة حضارته؟

      **أخي، لا أريد أن أكرر نفسي والآخرين حين أقول أن الإسلام ليس بديلا لنظريات سياسية وإقتصادية، والرجوع اليه ليس أمر بحث عن حضارة ضائعة أو نهضة مرتقبة، الإسلام دين الحق. الإسلام هو ميراث النبوة وكلمات الوحي الإلهي وخريطة الوجود الإنسانيّ في الدنيا والآخرة. وحين إنحرف العرب والمسلمون عن هدايته، خسروا أول ما خسروا نصيبهم في الآخرة، دعنا لا ننسى هذا ابدا. ثم خسروا كنتيجة لذلك نصر الله، فتوالت الهزائم وتتابعت النواكب وتلاحقت الأكلة على القصعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكان لابد أن يُسْتبدل النظر الإسلامي بتلك النظريات الوضعية التي وإن إختلفت وتباينت فإنها تتفق على أمر واحد كليّ، أنها من نتاج فكر المخلوق الذي لا يمكن لعاقل أن يقول أنها توازى أو تقارب الوحي الإلهيّ. والطريق الوحيد فيما أرى لعودة المسلمين إلى الإسلام هو التغيير، أو بالتعبير القرآنيّ "التبديل" قال تعالي "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم". نسأل الله العافية.

      نقلاً عن موقع رسالة أون لاين