"التغيير" كما بات مفهوماً عند الغالبية المصرية المسلمة المقهورة، يعنى بالدرجة الأولى التخلص من النظام الحاليّ وعلى رأسه حسنى مبارك وعائلته، ثم تتراوح في المقام الثاني أولويات البديل حسب إتجاه الحزب أو الحركة المعنية، من علمانية وطنية لا دينية بحسب حزب الوفد وحركة كفاية والغد وغيرهم ممن يدور في نفس الفلك، والبرادعي وحركته الوطنية ممن يدور في هذا الفلك ذاته، أو إسلاميّ كما يسعى له الإخوان وغيرهم من الإتجاهات الإسلامية التي في المعترك السياسي أو خارجه .
ولكن الأمر – أمر التغيير – كما أكدنا من قبل، يحتاج إلى أكثر بكثير مما هو في إمكانيات اي من هذه القوى، منفردة أو مجتمعة. فالنظام الحاليّ الذي اسسه مبارك، قد إتخذ لنفسه بطانة من مؤسسات الأمة وطبقاتها التي يمكن أن يكون لها أي تاثير في أي تغيير أو إصلاح، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي اشترى النظام رؤوسها العليا والوسطى ومنحها امتيازات وخصوصيات وصلاحيات لا يمكن لمرتشٍ عاقل أن يفرط فيها، فأي إصلاح أو تبديل في المؤسسة الرئاسية يعنى بلا جدال إما انتهاء هذه الإمتيازات أو تبديل شلة المنتفعين بشلة أخرى موالية للنظام الجديد. وقل هذا في بقية المؤسسات كمجلس الشعب والشورى وأعضاء الحزب الحاكم وكبار الخارجية وأعضاء الحكومة من وزراء ونواب وزراء، ومحافظين ورؤساء مجالس إدارات ورجال أعمال مرتبطون بالمؤسسة الرئاسية وصنيعة لها .
والمهم في هذا الأمر أن النظام لا يهتز لتلك الصراخات التي تطلقها الأحزاب والحركات، ولأن النظام قد إشترى ذمم القيادات والنواب والمشرفين على الإنتخابات، فإن النتائج ستكون لصالحه بلا جدال، وسيكون اي تحرّك جماهيريّ غير "قانونيّ" أو "دستورىّ" حسب دستور "البالوظة" الملفق، وفي اللحظة المناسبة إن لزم الأمر، ستتحرك فرقة أو فرقتين من الجيش، لحفظ الأمن – اي النظام – غير مئات الآلاف من الأمن المركزي والشرطة، فإي معارضة يمكنها حينئذ الوقوف في وجه هذه القوى الغاشمة المنتفعة من هذا الظلم والقهر ونهب الثروات وقتل الأنفس وبيع الوطن وتخريبه.
والتعاون الذي يطالب به البعض بين الأحزاب والحركات المتناوئة، لا أرى له نفعاّ، والحالمين بالتغيير لا يعرفون أنّه لو أمكن لأحد من هذه القوى أن يساعد غيره لساعد نفسه أولا، بل النظام يعرف أنّ كلّ هؤلاء يلعبون في دائرة قد حُدّت حدودها بما لا يسمح لها بتعديها مهما بلغت تكاليف ذلك. والحقّ أنّ النظام أصبح لا يخشى على نفسه، إذ يعلم أنّ شُلل المنتفعين هي التي ستتولى الدفاع عن مصالحها قبل أن يصل أي خطر له، فالقبضة محكمة والأخطبوط العفن قد أحكم أرجله حول رقاب المساكين من ابناء الشعب المصريّ.
الأمر أن الذمم قد بيعت، والشرف قد أصبح يوزن بالمال، والكرامة تكمن في المصلحة وقالت كلّ نفس: نفسي نفسي، قبل الأوان .
أعلم أن سذج من الناس سيقول :مالك قد سددّت أبواباً وغلّقت نوافذ، ومنعت الهواء والنور! عن الخلق، أليس من الأفضل ان نتفاءل ونسلم أمرنا لله فلعله يجرى علينا مقدوراً لم نحسب له حسابا؟ وأقول: إنما سددّت أبواباً وغلّقت نوافذ، ومنعت الهواء والنور لمّا رأيتها مغلقة مسددّة، وأن اراد من أراد أن يستغرق في حلم البرادعيّ أو أوهام "كفاية" أو محاولات الإخوان للسنة الخامسة والسبعين، فليتفضل! ولكن الحقيقة تبقى غير هذا كله ووراء هذا كله، أن تغيير النظام لن يكون من خلال هذه القوى المتناحرة المتنافسة الضعيفة، ولن يتم طالما أن الأمر في المؤسسات السيادية موكّل لموتى الضمائر وسدنة المصالح وعُبّاد الدولار !
الأمر أنه لن يكون تغيير إن لم تتحرك جموع الشعب وملايينه، لا نقول مئات آلافه، لتقف في وجه فرق الجيش والأمن المركزى، وتدفع من دماء ابنائها ثمن تحررها، كما قال شوقي رحمه الله :
وللحرية الحمراء باب *** بكل يد مضرجة يدقُ
نعم، قد تغلغل الخراب وماتت الضمائر وتسرّب الفساد من هذه الطبقات إلى ما تحتها، إذ لو رأي أحدهم من له بقية ذمة، إما اشتراها أو شرّد بصاحبها، فلم يبق في الوطن إلا مقهور مظلوم أو خرب الذمة فاسد مفسد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله