أود أن أفتتح مقالي بحمد الله سبحانه الذي جعلني ممن يكتب دفاعاً عن دينه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا ممن انتشر اسمه بين الناس بما يدسّ السمّ في الدسم، ويخلط الحق بالباطل.
الأمر أن محمد عمارة قد كشف عما يخبئ، مما عرفنا عنه منذ زمن، في مقاله الأخير عن عقلانية الإسلام، في الجريدة التي تداهنه، نعم، فالمداهنة ليست لأهل السلطان فحسب، بل قد يُداهن من له اسم يتردد في مجال الدين، إما موافقة له، وإما رغبة في إسترضائه، والمداهنة هنا هي أخف الأمرين.
قد كتبت من قبل مقالا عن مذهب محمد عمارة (http://www.tariqabdelhaleem.com/details.php?id=327)، وهو ما رفضت الصحيفة نفسها نشره آنذاك، تحت زعم أن عمارة قد تبدل مذهبه! بينت فيه مذهبه الإعتزاليّ فيما يردد عن عدم قبول أحاديث الآحاد – وإن صحّت، وإن رواها البخاري أو مسلم – وهو بالضبط ما يتمشى مع مقولة أنّ الله يُعرف بالعقل لا بالشرع أو النقل. هي هي دعوى من هم أحدّ ذكاءاُ وأكثر معرفة من عمارة كالنظام والغزال والعلاف والجاحظ، من مؤسسي هذا المذهب قبل ما يزيد على عشرة قرون، وهم من بيّن علماء أهل السنة، بلا استثناء مخالفتهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليك بما دوّن في ذلك شيخ الإسلام بن تيمية وبن القيّم والحافظ اللالكائي والإمام البغوي وعشرات غيرهم من أعلام السنة، يزيّفون هذه المقولة المغرضة التي ظاهرها الرحمة وباطنها البدعة.
ومحمد عمارة ليس من أهل الحديث كالألباني أو العلامة أحمد شاكر رحمة الله عليهما، ولا من متخصصي العقيدة والتفسير كالشيخ الأمين الشنقيطي أو الإمام محمد بن إبراهيم أو الإمام الدوسريّ، رحمهما الله، ولا حتى من المفكرين العلماء كالعلامة محمود شاكر أو كالدكتور السباعيّ رحمهما الله تعالى، بل هو كاتب أزهرى غير متخصص من الطبقة التي يسمونها "المفكرون!". وكأن التفكير ينفصل عن العلم المتخصص، وهو ما بينته في مقال سابق (http://www.tariqabdelhaleem.com/details.php?id=403)، يكتب في شؤون مقارنة الأديان، وهو أقل العلوم الإسلامية شأناً وجلالة بلا خلاف. وقد تأثر الرجل بالمذهب الإستشراقي، حتى أنه حين أراد أن يدلل على مذهبه الباطل بتقدم العقل على النقل، استشهد باقوال مستشرقين، لا بعلماء السنة كما هو معهود، وما ذلك إلا لإنبهاره بالعجم، وقلة معرفته بعلم السنة، وعدم وجود من له اسم علم يقف معه في مثل هذه العقيدة، وكان أولى به أن يذكر من تأثر بالعجم من أمثال محمد أمين أو محمد حسين هيكل من المحدثين، إذا لواستقوى بمن هم من جلدته من أهل هذه البدعة، لكنه يعلم أثر الإستشهاد بإسم عجميّ مستشرق لعلمه ما لهذا من أثر على القارئ العاميّ، فيا له من تدسّس مقيت. ويكفى تدليله على مذهبه بقول مستشرق وبقولة شعبية مصرية لا تُعرف إلا في مصر، ولا نعرف عن نشأتها ومتى أُحدثت، لنرى مدى تهافت أدلة هذه البدعة
وليس بيني وبين محمد عمارة ثأرُ شخصيّ، إذ قد دافعت عنه ضد محاولات رجال الدين الرسميين من أهل السلطان أن يبعدوا ما كتب عن العقل المسلم بشأن الديانة النصرانية المثلّثة (http://www.tariqabdelhaleem.com/details.php?id=401)، لكن أمر السنّة أكبر من أن يُجامل فيه، وأترك أمر المداهنة في الدين لأولئك الذين صرعتهم فكرة التوفيق والتنوع بين الحق والباطل من أهل الصحافة.
والعقل لا يُقدم على النقل بصريح المعقول وصحيح المنقول، فالعقل ليس عقلا مطلقاً، بل هو، على وجه الدوام، ملتصق بمن يحمله، فعقل محمد عمارة لا يمثل إلا محمد عمارة، ومن هنا فإن هذه الدعوى الباطلة قد أفرزت عقائد فلسفية و"دينية" لا حصر لها، إذ تبعت كلّ منها عقل مؤسسها، ثم عقل تابعيه وتابعي تابعيه. هذه واحدة، ثم كيف يصحّ عقلا أن يُحَكّم "العقل" بمعناه البدعيّ، فيما أتى لهدايته للحق؟ هذا خُلفٌ كما يقرر أهل المنطق.
ثم، إن قال القائل أن المقصود بالعقل الكليّ هنا هو مقتضى الضرورات العقلية التي لا يختلف عليها إثنان، قلنا: قد أخرجت بنفسك موضع الخلاف في المسالة من هذه الضرورات إذن، إذ قد إختلف البشر على مرّ الزمان في وجود الله، وكيفيته، منهم من زعم أنه ثلاثة في واحد كالنصارى، ومنهم من زعم أنه موجود في كلّ شيئ كأصحاب الحلول والإتحاد من الصوفية أو كثير من ديانات الهنود، ومنهم من زعم أنه مطلق مثاليّ كما زعم هيجل، أو أنه خلق الخلق ثم مات (تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً) كما زعم نيتشه! وغير ذلك من ترّهات، فأى عقل نتّبع؟ وأي ضرورة مشتركة بين العقول في هذا الكمّ الهائل من التخريف والتزييف؟
أما عن الشرع، فقد بيّن الله سبحانه أنّ الحساب لا يكون إلا بعد الرسالة، قال تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" الإسراء، وقال فيما لا يدع محلا لقائل في هذه المسألة: "رُسُلاً مُبشرين ومُنذرين لئلا يكون للناسِ على الله حجةٌ بعد الرُسل" القصص، وهو ما يعنى، لأى عاقل، أنه دون المرسلين يكون للناس حجة على الله إذ يقولون: يا رب، قد تركتنا لعقولنا وعقول سفهائنا لنعرفك ونعبدك، فأين النقل الذي يدلنا عليك حق الدلالة؟ وليس بعد هذا البيان من بيان، لمن ألقى السمع وهو شهيد. وانظر كيف دللّ الله على رسالته بمن "ألقى السمع" لا لمن حكّم العقل وهو شهيد!
ولا يحسبن أحد أننا نقول بإلغاء العقل، فهذا لا يكون، إذ كيف يفهم الإنسان ما يسمع إذن، وهو مقتضى قول الله تعالى "أفلا تعقلون" ، أي: بعد أن سمعتم ما جاءكم من قول، هلاّ تدبرتموه لتدركوا صحته، إذ هو صحيح في ذاته، وإن لم تفهموه وتستوعبوه فهذا لخلل في عقولكم لا لضعف في دلالته. ومن هنا يأتى مربط الفرس في مثل قول أمثال عمارة، إذ هم يريدون أن يوهمونا أن هذا العقل التابع يجب أن يكون متبوعاً، وأنه، نتيجة لهذا، يجب أن نقبل مقولة أن الحديث وإن صحّ يجب أن نحكم فيه العقل لنأخذ به وإلا فإنْ رَفَضَه "العقل"، وهو عقل محمد عمارة في هذه الحالة، أو قد يكون عقل أحمد أمين أو زيد من الناس في حالات أخرى! فإذن نرده ولا غضاضة.
خطل من الخطل وباطل من الباطل، يجب أن ينتبه له القارئ المسلم، فليس كلّ من سوّد صفحة كان بها منتصراً، بل يجب أن نزيف الزائف وأن نصحح الصحيح، فهذا ديننا وهذه عقيدتنا، ولن ندع من يتدسس لها وشأنه مهما كان.