كثيراً ما سائلت نفسي: لماذا الآن؟ ما الذي تغيّر في المنظومة العربية والإسلامية والعالمية، مما جعل الإسلام عدوا موحّداً للعالم الغربيّ، والشرقيّ على حدٍّ سواء؟ ثم تنشغِل النفس بأمور أخر، ثم يعود التساؤل من جديد.
هذا العداءُ الظاهرُ للإسلام، والذي أصبَح لا يخفى ولا يستخفى لا بِغَاياته ولا بسُبُلِه اليها، إنما إستفحَل أمرُه نتيجة مَجموعة من العَوامل التي تأخذ بيدِ بعضها البعض، وتتوحَّد في مِنهَجها لمُحاولة إنهاء وجود الإسلام على الأرض، وتقوم بتنفيذ خُطّة الشيطان الذي توعّد بنى آدم قبل الخلق أن يَقْعُدّنّ لهم الصِراطَ المُستقيم، وأن لا يَجْعلَنّ أكثرُهم شَاكِرين، بل كَافرين مُجرمين مُخادعين. هذه العَوامل تتأرجح بين الغرب الصليبيّ، واللادينيين اللذين يتخفّون بين المسلمين وكأنهم منهم، وبين التسلسل التاريخيّ الذي بدأ في هدم القوة الإسلامية منذ قرون.
- العداء التقليديّ المُستَحْكَم الذي لا ينتهى بين الإسلام وبين الكُفر الصَليبيّ والصَهيونيّ. وهو، بشهادة القُرآن، لن ينتهى إلا بالتَخلى عن الإسلام كليّة.
- أوهامُ القوة المُفرطة التي تَجعل الدول تشعر بإستعلاءٍ واهمٍ على كافة شعوب الأرض، وهو ما يحدث الآن مع الغرب عامة، ومع الولايات المتحدة، قائدة الغرب للهلاك، خاصة. هذا الغرور المتكبّر والإستعلاء المريض يدفع هذه الدول للهجوم على الأضعف، كأي حيوان مفترس لا يبالى قتل فريسته بأبشع الطرق. والغرب، في عصرنا هذا، يحوز قوّة لم يَعرف البشرُ مثلَها من قبل، قوة تَدمِيريّة هائلة جَبَانة، تقتل دون أن تواجِهَ عدُوها، وتُدمّر دون أن تلمس حُطامَها.
- الضعف المُزريّ الذى آل اليه العَربُ خاصة، والدول التي يقطنها المُسلمون عَامة. ضَعفٌ تكنولوجيّ يتمثّلُ في عَدم القُدرة الفنيّة والصِناعية بالتّمام، وضَعفٌ عسكريّ يتميز بإنعدام القوة النووية بالمرة، بل ولا حتى بالنيّة على إستحوازها، وضَعفٌ نفسيّ يتمثلُ في الإنهزامية التّامة أمَام قِيَم الغَرب وطُرُقه وأخْلاقِياته، فباتوا كقردة يتشبهون بأنصاف آدميين!
- الخيانةُ والعِمَالةُ واللادينيةُ وحبّ الدنيا وكراهية الموت، التي آل اليها حال كُلُّ حَاكمٍ عربيٍّ خَاصة، وكُلُّ نِظام في بلاد المسلمين عَامّة، مما أخضَع رقابُ المسلمين لمنْ باعوهم بأرخَصِ ثَمَنٍ، وحرموهم من التقدّمِ والنصرِ والكَرامةِ، وقيدوهم بقيودِ العُبوديةِ لصَالحِ الأسْيادِ في الغربِ، ومَمَاليكِهم في الشَرق.
- هذه الخيانةُ والعِمَالةُ واللادينيةُ وحبّ الدنيا وكراهية الموت قد أدّت إلى نظم حكم قمعية تَستذلّ شعوبَها وتَحتَقرُ رَعَاياها وتتآمرُ عليهم لا لهم، ففقدوا الحرية بكلّ أبعادها، حرية الكلمةِ، وحرية الرأي، وحرية الفكر، وحرية المال، وحرية الإسلام، ثم قالوا لهم "الخيرُ قادمٌ، فإنتظروا"!
- نضوج المؤامرة الصهيونية وخروجها إلى حيّزِ التنفيذ منذ عام 48، وما صاحب ذلك من تآمُر غَربيّ خاصة مع أولئك الذين إعتنقوا الديانة النصرانية البروتاستينية الأفِنْجِلِيكِيلِية المُتَطَرِفة Evangelical، التي ظهرت بوادرها في القرن 18 في إنجلترا، والتي يؤمن أتباعها، كبوش الصغير، بأن المسلمين هم "أعدَاءُ المَسيح" Anti Christ، وأنّه يجب سحقهم من الوجود ليمكن لليهود العودة إلى الأرض الموعودة، والذي هو شَرطٌ لِعودة المسيح إلى الأرض ليُعلنَ ويؤكدَ الوهِيته وأمّه (مع ملاحظة أن هذا السّيَاق لا يُظهرُ كيف سَتكون العلاقة بين أبنَاء المَسيحِ الظَافرين، وبين اليَهود العَائدين للأرضِ الموعُودةِ بعد القَضَاءِ على المُسلمين!). وقد استغلّت الصَهيونية هذه الديانة التي حُرّفَت مرتين! فعملت على بناء دولتها في فلسطينن وعلى إهَانةِ العربِ قاطبةً مرات ومرات.
- إنتهاء الحرب مع الشيوعية العالمية بسقوطها، مما أدى إلى ضرورة الإستمرار في منظومة حرب جديدة تضمن للإقتصاد العسكري الإستمرار، بما له من أهمية للإقتصاد الغربيّ الطفيليّ.
هذه العَوامل مُجتَمِعةٌ قد أدّت إلى ما فيه العالم الذي تَقطُنُه الغَالبية المُسْلمة، وهو العالم الذي نريد له الخروج من هذا المَأزق التَاريخِيّ الذي وَضَع نفسَه فيه بِبُعْدِه عن الإسلام، واستِسلامه لحكم غيره. ومن اسْتعراضِ هذه العوامل، يمكن للحَصِيف أن يرى من أين نبدأ.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى