فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      صرعى الديموقراطية – في الوسط الإسلامي

      تلقيت تعقيباً على مقالي الأخير "الديموقراطية .. والوجه العلمانيّ"، من صحفيّ مرموق تلخّص في أن المقال "يلقى اليأس في قلب القارئ إذ يغلق أمامه باب الديموقراطية ولا يفتح أمامه باباً آخر إلا الإشارة إلى الشورى التي هي غير متفق عليها بين الإسلاميين، وأن هذا المقال يسئ إلى الإسلاميين إذ يجعلهم في صورة الإنتهازيين الذين يمتطون البرادعيّ للوصول إلى الحكم الإسلامي"!    

      وهذا التعقيب لا يعكس إلا ما آل اليه فكر العديد من الكتاب الإسلاميين الذين، وإن خلصت نياتهم، إختلطت في فكرهم الأفكار الغربية المستوردة التي أكبروها لقلة العلم الشرعيّ الأصيل من ناحية، ولضغط الواقع المرير وغياب المثال الإسلامي عن الواقع غياباً تاماً من ناحية أخرى.

      ولست أول من كتب في حقيقة الديموقراطية ووجهها العلمانيّ، فقد كشف مستورها من قبل أعمدة الفكر الإسلامي في عصرنا كسيد قطب ومحمد قطب ومحمد محمد حسين وغيرهم، ولكن الهجمة الغربية الشرسة التي يتعرض لها العالم الإسلامي فكرياً وحضارياً منذ أوائل القرن، مروراً بسعد زغلول ولطفي السيد، آتت أكلها في عصر الخراب الذي تعيشه البلاد، والذي أدى نظامه الفاسد أن ينتشر الفساد بين العباد، وأن تشتد يد العلمانية وآلياتها، وأن لا يجد الإسلاميون طريقاً لبيان الحق في مواجهة الباطل، وأن يكون طريقهم هو مسايسة النظام وملاينته، ولما كانت النية خالصة، أصبح لزاماً في لاوعيهم أن يبرروا هذه المسايسة والملاينة أمام أنفسهم بتحسين القبيح والركون إلى فكرة الديموقراطية المنقذة من الهلاك الديكتاتورى.

      كلّ هذا مفهوم، ولكن أن يتخذه أصحاب النفوذ المعنوى والتأثير الجماهيريّ مذهباً مع صورتهم الإسلامية، فهو ما لا يغتفر، إذ يُقدم هذه الأفكار الواردة في صورة مقبولة للقارئ المسلم العاديّ ذي العلم المتواضع، فيرسخ في نفسه معنى غير شرعيّ وقبول واقعي للديموقراطية، ويكون الإسلاميّ عوناً للعلمانيّ ومنفذاً لخططه بلا وعي منه، وهي الطامة الكبرى إذن.

      والإسلاميون – كغيرهم من بني العرب – وإن تشدقوا بالديموقراطية، إلا أن كثيراً منهم في حقيقة الواقع لا يمارسونها، ولا يرتضونها ولايقبلون بها، لا من منطلق شرعيّ مع الأسف، بل من منطلق تكوين فكريّ عايش الديكتاتورية طويلاً طويلاً، حتى أصبحت هي المنهج المختار في حياتهم الشخصية والعملية والعامة، والذي يعرف ما أعرف عن الواقع الإسلاميّ يعلم صدق ما اقول، بلا مزايدة ولا مبالغة.