الصراع الذي يدور في مصر في الوقت الحالي صراعُ مصيرٍ سيتحدد به مصير أبنائها وأبنائهم لأجيال كثيرة قادمة، كما سيحدد موقع مصر في العالم العربي، وعلى الخريطة العالمية لأزمان لاحقة. وهو يتركز بين قوى ثلاث واضحة على الساحة، وقوةٌ مراقبةٌ تنتظر نتيجة الصراع لتحسمه لصالح ما تراه في صالحها.
القوة الأولى، والأعظم والأمكر، هي قوة الأسرة الحاكمة التي سلبت مصر حقها في العيش الكريم على مدى ثلاثين عاماً، ووضعت من مكانتها في العالم العربي إلى أدنى مكانة في تاريخها الطويل. ثم تلك القوى الصغيرة المتمثلة فيما يسمى بالمعارضة، وهي لا ترقى كلها إلى ما يمكن أن يحرّك ساكناً لقوى الفساد والإنتفاع. فمنها من هم أنفسهم من أهل الإنتفاع، ومنهم من ليس له قاعدة شعبية تسانده البتة، ومنها، وأكبرها – على تواضعه - التيار الإخواني الذي شذّبت أطرافه القوى الحاكمة وشغلته بالسجن والإعتقال عن العمل في سبيل إيصال رسالته إلى الجماهير، على أخطاء له في المنهج. وأما القوة التي تنتظر من وراء حجاب فهي المؤسسة العسكرية التي سيكون لها في آخر الأمر تقرير المصير إن لم يخرج الأمر عن يدها بتجمهر شعبي لا دافع له.
لكن القوة الحقيقية تكمن في رجل الشارع المسلم الذي لا يزال ذاهلاً عما يجرى حوله، أو مشغولاً بتوفير لقمة العيش لأبنائه وبناته، مصدوماً فيما كُتب عليه من "غُلْب" في عيشه ومرارة في حلقه! ملايين الجماهير المسلمة الصامتة التي لا تزال تراقب عن بعد دون أن تحرك ساكناً هي التي تحمل في يدها الحلّ الحقيقيّ لأزمة مصر المتفشية في كلّ جوانب حياتها وحياة ابنائها.
الشرطة وأجهزة الأمن المركزى وأمن المظاهرات و..و.. من تلك القوات، التي هي حقيقة سجّاني الشعب، لا تعرف لنفسها هوية، بل هم إما أبقارٌ لا عقل لها، وإما قيادات صغيرة خائنة ومرتشية وفاسدة حتى النخاع، لا فائدة فيها، ويخطؤ من يظن أنها مطحونة ومُرغمة، فهذا ديدن قوات الشياطين على مر الزمن.
الصمت التي تعيشه جماهيرنا لا تأويل له إلا واحد من إثنين، إما أنّ القهر قد أنهى عمله في كرامتهم وإحساسهم، فسلّموا للظلم وانتظروا الموت طائعين، أو أنهم لا يزالون ذاهلين عن الطريق إلى التغيير الحقيقيّ، وهو الخروج إلى الشارع، وتحدّى قوات الشيطان، وتحمل الثمن بضع مئات من الشهداء، لإسقاط هذه الطواغيت الحاكمة، أما إستمرار هذا الصمت، فهو الموت البطئ، وهو السرطان الذي يأكل كلّ خلية حية باقية في الجسد الإجتماعيّ.
لن يكون هناك تغيير على يديّ المعارضة الهزيلة التي لا تملك من أمر نفسها شيئاً، ولا على يديّ البرادعيّ الذي أعلن سلفاً أنه رمز، وإن كان من الذكاء أنه عرف أنّ التغيير لن يكون إلا على يديّ الجماهير الغاضبة. ولا تغيير على يديّ الإسلاميين بوضعهم الحاليّ، إذ إن الجماهير لا تعرف عنهم الكثير، ثم إنهم منشقون بينهم وبين أنفسهم، وليس منهم من هو على إستعداد لتقديم نفسه وتنظيمه فداءاً لإشعال الشرارة الجماهيرية المرتقبة. والإخوان لا يعتبرون النظام خارجاً عن الشرعية الإسلامية بدليل اشتراكهم في مجالسه وهيئاته السياسية، وإنما سيصيبهم ما يصيبهم من سجن وإعتقال لمجرد أنّ إسم الإسلام – الذي لا يطيقه هذا النظام العلماني المارق - مرتبط بتنظيمهم، أكثر منه أنهم يمثلون خطراً حاضراً أو يعملون عملاً مرجياً.
الخروج من الصمت، وتحدى قوات الشيطان، وإتحاد الهدف والإتفاق على الوسيلة هو الطريق للخروج من هذه الأزمة التاريخية التي تعيشها مصر، وعلى المسلمين المخلصين أن يكونوا قادة هذا التحرك دون نظر إلى إنتماء أو تنظيم، فمصر مسلمة شاء الطغاة أم أبوْا.