رغم أنّي لست من المحلّلين السياسيين المختصّين، الذين تترع بهم صحفنا، إلا أنّ الأحداث وتقلباتها تدفع بمن بقي له عقل أو سرت في كيانه أثارة نخوة أن يشارك وأمره إلى الله.
فإنه مما لا يغيب عن المتتبع الفطن للأحداث في مصرنا الحبيبة، وهو ما قرره بعض كتابنا من أنّ العائلة الحاكمة برمتها – بضم الراء - قد إنتقلت إلى خارج مصر إبّان مرض رأسها، وأنّ عودتها، برمتها كذلك، قد إرتبطت بعودة رأسها بعد التماثل للشفاء! ومنذ ذلك الحدث العجيب وتصايح المتفائلون من كتابنا أن ابشروا فقد وُئد سيناريو التوريث في مهده، وأنجانا الله سبحانه من مغبته! وقد ردّ بعضهم كذلك أمر هذا الوئيد إلى ظهور البرادعي على مسرح السياسة، وما أظهره من عَوار المتوارثين.
إلا أنّ ما جرى منذ يومين، من ظهور الوريث مرة أخرى بقوة على الساحة السياسية، مكملاً ما بدأه من سيناريو "الشقّ" على المحافظات، وتزامن هذا النشاط السياسيّ "المبدع" مع أول تأكيد على قرب الظهور العلنيّ لرئيس الدولة في لقاء له مع رئيس سوريا، "الوارث" الأول في بلاد العرب، يثير التساؤل عن مدى دقة التحليلات المتفائلة بموت سيناريو التوريث!
وما يظهر لي أنّه قد صحّ لهؤلاء المحللين جزء مما ذهبوا اليه، وخلطوا في جزئه الآخر. فقد صحّ أن سيناريو التوريث قد تأثر بظهور البرادعيّ على الساحة السياسية، وأنّ خروج العائلة المالكة من مصر يدلّ على ضعف، بل إنعدام، الجذور اللازمة لتثبيت التوريث. لكن، رغم ذلك، فإن هذا المشروع بالنسبة لأهله هو أمر حياة أو موت، ولنّ يتركوه إلا إنْ فاضت روحه فيضاّ تاماً غير كريم. وهذه العودة "الجمالية" إلى مسرح الأحداث، تنبؤ عن السعي الحثيث في إنقاذ سيناريو التوريث. فالمشروع لم يمت بعد، بل ذهب في غيبوبة ظهر للناس أنها موت حقيقيّ، لما لهذا من بشارة بقرب الخلاص. كما أن ذلك الخروج السارب وتلك العودة المتعسّسة، تدل على أنّ هذا المشروع لم يحظ بعد بتأييد القوى الحقيقية التي بيدها الكلمة العليا في أمر من سيحكم مصر بعد. فلو أن "الوارث" كانت يده مليئة من تأييد تلك القوى، لفعل ما يفعله أي مرشّح سياسيّ رئيس في مثل هذه الظروف، وهو أن يتزايد نشاطه لملئ الفراغ القائم من غياب ربّ الدار وصاحب القرار، وأن ينسق مع هذه القوى فيما يترتب على الإحتمالات الكثيرة المتوقعة في هذه الحالة. لكن بدلا من ذلك خرج "الوارث" في صمت الذاهل، ثم ظهر بعدها في سمت الباسل، حين دبّ دبيب القوة في رأس المؤسسة الحاكمة. ومن الواضح في ضوء مواقف المؤسسات التي تملك القول الأخير بعد "الرحيل"، أن قوى التوريث تعتمد على أن يفسح الله في الأجل حتى تتم العملية السياسية المفبركة ولا يكون هناك مجال لأي مؤسسة أن تنقلب على ما شهدت عليه من قبل.
لا أظن أنّ سيناريو التوريث قد إختفى طنينه، أو أنه قد وَجَبَ تأبينه. بل هو لا يزال حيّا وإن ضربت فيه يد الفناء بمعاولها، وعلى هذا الأساس يجب أن يتحرك المعارضون، حتى لا تبغتهم قوى التوريث وقد إطمأنوا لشهادة وفاته الزائفة.