فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      كيد الشيطان .. وقوى التغيير

      لا شك أنّ الحلم الذي بات يداعب المصريين ويترائى لهم في صحوهم قبل نعاسهم، هو الأمل في التغيير السياسيّ، الذي يتبعه التغيير في كافة المجالات الأخرى. وللمصريين الحق في ذلك، بعد أن عاشوا في ظلّ الدولة المباركية ثلاثين عاماً وصلت فيها بلادهم إلى حضيض قياسيّ من الفقر والجهل والمرض، بل وتورط وطنهم في سلسلة خيانات سياسية آخرها التآمر على حصار أبناء غزة المسلمين، وبيع الغاز للصهاينة، وغيرها من الفضائح السياسة المزرية بالكرامة المصرية والهوية الإسلامية!

      لكنّ التغيير له أسلوبه ووسائله وإمكاناته التي لا يتحقق إلا بها. وقد علّمنا العليّ العظيم أنه "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وترجمة هذه الاية العظيمة إلى الواقع المعاش ينبؤك عن الصورة التي بدأت تتشكل جوانبها لتصل إلى غاية محددة في الأعوام القليلة القادمة.

      العوامل الحاسمة في عملية التغيير هي تحديد القوى المتناطحة، أو ما هي القوة القائمة المسيطرة وما هي القوة الباحثة عن التغيير، من هم القائمون علي كلّ منهما، ما هي القوة المساندة لكلتاهما، وما هو الهيكل الذي تتحرك هاتان القوتان من خلاله، وما هو مدى إستعداد كلتاهما لتحمل التضحيات في سبيل الوصول إلى هدفه.

      والقوة الرئيسة في هذه الحقبة من تاريخنا هو النظام الحاكم، وعلى رأسه أسرة الرئيس ويساندها كلّ من له سلطة وطول في المراكز الحساسة بالدولة ومؤسساتها، ويُضم إلى ذلك ويخدّم عليه رجال الدين الرسميين. ولا يأتي هذا الدعم عن جبّ وولاء، بل عن رعاية مصالح شخصية ضمنت السلطة المتحكمة تحقيقها لهذا الملآ فربطت مصالحها بمصالحهم بحيث أن أي متمرد عليها تلفظه هذه الجماعة دون أن تتدخل السلطة العليا في الأمر.. والهيكل الذي تتحرك من خلاله هذه القوى وينظم تحركها هو الحزب الوطنيّ – كما يطلقون عليه. والأمر أن هذا الحزب رأس بلا جسد، إذ إن كلّ من ينتمون اليه حقيقة هم أولئك الملأ من القوم، ثم الصفّ الثاني ممن يتحكمون في رقابهم، دون أي من أفراد الشعب، فليس للحزب اي قاعدة في الشارع المصري على الإطلاق، رأس بلا جسد! وهم على إستعداد للتحرك بأي وسيلة، مهما اتّضَعَتْ (أي كانت وضيعة)، إن تعرضت مصالحهم الحيوية لخطر الزوال، بلا حدود إن إستطاعوا. ثم إنه وإن تكاتفت قوى الشرّ وتتطابق الملآ على الصدّ عن سبيل الله، فيجب أن نذكر "إن كيد الشيطان كان ضعيفاً" صدق الله العظيم.

      ثم القوة الداعية إلى التغيير، وهى ليست جبهة واحدة، بل منها مجموعات الليبراليّة والإصلاحيّة العلمانيّة، واليساريون، وكلهم من الصغار الذين لا يرجى منهم نفع أو قوة دافعة للإصلاح الحقيقي، كما بدر من تلك التكتلات المهلهلة التي تشارك القوة الحاكمة في الهجوم على البرادعيّ كقوة دافعة للتغيير، ذلك أن مصالحها ترتبط بمصالح القوى الحاكمة من حيث إنها "كمالة ديكور". ثم القوة الوليدة الناشئة التي بدأت تتكون بقيادة البرادعي، والتي أدركت أن لابد من وجود هيكل تتحرك فيه. وهي قوة وليدة تجمع مناصريها من أفراد الشعب وتتجه إلى الوقوف في وجه القوة الحاكمة. ثم القوى الإسلاميّة متمثلة في الإخوان والسلفيون. والإخوان هيكل عملهم هو الجماعة، وكوادرها ومنتميها من الشعب، وصدامها مع القوة الحاكمة معروف، وهو مثال واضح لتعامل القوة الحاكمة مع اي تهديد لمصالحها أيّا كان.

      الأمر أنه لا سبيل إلى تغيير دون أن تفهم هذه القوى المعارضة الشريفة، سواء الإسلامية أو الديموقراطية أنه لا بد من تكاتفها وتراصّها وتواضنها أمام الغول الحاكم وهياكل عمله ومواطن نفوذه. هذه القوى المعارضة تستند إلى جسد الأمة وتفتقر إلى رأس حربة يمكن أن يسدده الرامون إلى النظام فيفقده توازنه. ولا ينخدع أى طرف من أطراف هذه القوى فيرى الأمر سهلاً قريبا، بل هو صعب في غاية الصعوبة، شاق في غاية المشقة، سيكون له تبعاته وقت يحين الحين، والتي بدأت بوادرها بإعتقالات الإخوان الأخيرة.

      ورغم التحفظ على النهج البرادِعيّ وما يمثله من خروج على النهج الإسلاميّ، ورغم شكوكنا في جدية التوجه البرادعيّ، وإستعداده لخوض معركة ذكر أنه يريد أن يكون فيها مجرد رمز، دون أن يبيّن المعنى التطبيقيّ لهذا الدور، فلا أرى بأساً شرعياً أو وضعياً – في التحليل النهائي - في أن يضع الإخوان والسلفيون وغيرهم، أيديهم في يد البرادعي ومن سيصطف وراءه من جسد الأمة، فالرجل، وإن تفوه بكلام دالٍ على مذهبه في رؤية محلّ الدين من الحياة، مما يخرج عن نهج الإسلام بلا شك، إلا أنه صرح كذلك بأن ديموقراطيته يُمكن بها أن يَحكم من يختاره الشعب وتتفق عليه الأغلبية، وهي فرصة المسلمين الوحيدة في إسترجاع حكم الله سبحانه الذي اضيع بالكامل في عهد الدولة الحاكمة، فلعل من يخالف في هذا يعرف أن العلمانية هي الحاكمة في كلّ أمر من أمورنا في حقيقة الواقع، العلمانية الشرسة الديكتاتورية التي يأخذها في الله لومة كلّ لائم. والله سبحانه أعلم وأحكم.

      نقلاً عن صحيفة "المصريون"