فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      القرضاوى .. وتَصويف السُّنة!

      مرة أخرى، بل ثالثة وسابعة، يختلط الحقّ بالباطل تحت مظلّة "الوَسَطيِّة" في ثوبِها الجديد ومَعانيها المُحْدَثة التي كتبنا عنها وأوضحنا بلاياها، وذلك فيما صَرّحَ به الشيخ القَرضاوى مُؤخّراً في "الشرق الأوسط"، عن ضَرورة "تصْويف السّلَفِية وتَسْليف الصوفية".

      يحتاج كلام الشيخ القرضاوى إلى تحقيق وتدقيق في كلّ كلمة قالها، إذ كلها حمّالة وجوه، بل كلّها غير مُنضَبطة بشَرع أو سُنّة، إلا ما انتظَم له منها تحت ما أسماه "الوسطية"، التي هي، كما قررنا من قبل، في ثوبها الجديد ومعانيها المُحْدَثة، وسطٌ بين حقٍ وباطل، لا حقٌ بين باطلين. فما فيها من حقٍ هو قدرٌ مٌشترك بينها وبين السُّنة، وما فيها من باطل أو مُتشابه، فهو من قبيل ما اشترك مع البَاطل الوسَطِيّ.

      ونود أن نوجه النظر إلى أننا نَستَخدِم هنا لَفظ "السُّنة" بديلاً عن "السَلَفِيّة"، إذ إن التفريق بينهما هو من عَمل من أراد التفلّتَ من السُّنّة، فترك لفظ السُنِّية إلى السَلَفية حتى لا يُهاجم السُّنة عَلناً.  

      كما نود أن نبين أنّه ليس معنى أنّ مذهباً من المذاهب المبتدعة، أو ديناً من الأديان المحرّفة، يَحمِل بعض الحق، أن ندعو الناس إلى الدخول تحت مسماه تَبَنّيا لما فيه من حقٍ، فالنَصرانية المُحَرّفة تدعو إلى التسَامح والحُب، بزعمهم!، بل إن الإسلام يخبرنا أنّ كتبهم  لا يزال فيها قدر من الحقٌ، فهل يَصِحّ أن ندعو النَاس إلى "تَنصير" الإسلام بما في المَسيحية من تَسامُحٍ ورَأفة؟ كذلك، السُنّة تدعو وتُوجّه إلى أفضل تَوازن روحيّ وخُشوع قلبيّ، أفضلُ كثيراً كثيراً من الطرق البِدْعِية والأوراد المُحدّثة التي يَدّعى أربابُ الصوفِية أنها تُكمِل ما نقَصَ من السُّنّة (أو السَلَفِية بزَعْمِهم)، فما معنى "تصويف السنية السَلَفِية" إذن؟

      ولا يَصحُ إن يقال أنّ هناك من "السَلَفيين" من لا يتّبِع  السُنّة كلها، بل مِنهم من يَتجَاوزُ مَعاني الخُشُوع ويَميلُ إلى قَسْوة القلب، لأن ذلك هو من قبيل التعدد الذي يدعو أهل الوسطية إلى قبوله، والذي يمكن أن ندعو أهله إلى الرجوع إلى السُّنّة، بدلا من اللجوء إلى التصوف، الذي هو مظلة تحمل بعض الحقّ وكثير من الباطل المنحرف، بل والكفريات الشركيات، عقيدة وعملاً. وما علينا ألا ندعو هؤلاء السلفيين، من غِلاظ القلب، إلى الرُجوع إلى السُّنّة؟ المشكلة لدى الصوفية في هذا أنهم يريدون ألّا يلتزموا بما في السُّنّة من مُرقّقات للقلوبِ ومُروِّحاتٌ للنفوس، بل يريدون أن يروّجوا لطرقهم وأورادهم البدعية. فهلا نظر الشيخ القرضاوى إلى هذه البعد، حين يُصْدر ما يُصْدر من فتاوى وآراء، أذ إنّ التعميمات الكلامية لا خير فيها في هذا الواقع المَلئ بالبلايا والإنْحرافات.

      ومن الباطل ايضا أن يُطلق الشيخُ القَرضاوى على بن تيمية وبن القيّم أنهما من "كِبار الصُوفية"، فهذا أمر مُضحِك من ناحية، لمن عرف فِكرَ الشَيخين، إذ قد عرف الشيخان ما في الصوفية من مُشتركات مع السُّنة، وهي، في حقيقة الأمر، دَعوة عدد من كبارهم ممن لم ينحرف به الإبتداع إلى الهاوية، إلى الإلتزام بالسُّنة، كما نُقل عن الجنيد وغيره من الأوائل. لكن الشيخان لم ينتميا إلى التصوف طرفة عين من حياتهما، بل ناقضاها وفضحا عوارها، إذ علما أنه قد غلبت عليها البدعة، وما غلب على الشيئ عومل بمقتضاه، كما عرفنا في اًول الفقه، أنّ ما غلبت عليه المصلحة كان مطلوباً، وما غلبت عليه المفسدة كان مَمنوعاً، والصُوفية قد غلبت عليها المَفسدة حى النخاع، فما بال الشَيخ القرضَاوى يتَجَاوز هذا المَبدأ الشرعيّ الذي يعلمه أي طَالبُ عِلمٍ ليوجّه الناس إلى مَفسَدة عَريضة لكَسْب منفعة ضئيلة يمكن كَسبها بدعوتهم إلى الرجوع إلى السُّنّة لا غير؟!

      أما ما ذكره الشيخ القرضاوى من أنّ السَلَفيّين السُنيّين يرجِعون عن آرائهم حين يَخرجون إلى الدنيا ويرتَحلون إلى أرجاء الأرض ويَختَلِطون بالنَاس، فهذا أمر لا يُمكن تَعميمه بأي حَال من الأحوال، بل هو أمر فرديّ يرجع إلى تغيّر الإجتهاد، وكثير من السُنيِّيين لم يبدّلوا آراءهم الفقهية في التَصوير الفوتوغرافيّ أو غيره. وقد ابتلاني الله سُبحانه بالسَفَر إلى كَافة بقاعِ الأرضِ في الخَمسة والثلاثين عَاماً الماضية، عَاشَرت فيها من عَاشَرت من مسلمين ونصارى، دون أن يتغير ما أثبتّه من أقوال وترجيحات فيما دوّنت منذ نهاية السبعينيات.

      ثم إن السَلَفيّين السُنيّين لم يشاركوا في أية إنتخابات على الإطلاق، فهذا من ترويج الباطل، بل قد استمرّوا، والكاتب مِنهم، في الحَضّ على مقاطعة العَمليات الإنتخابية بِرمتها لحرمة ذلك عَقدياً، من حيث أنّ الدولة تَحكُم بغير ما أنزل الله، أو ببعضه لكي لا نختلف مع سليم العوا، وواقعياً من حيث أنه لا جدوى من الدخول في مُعترك خاسرٍ إبتداءاً، إذ لن تسمح قوى الباطل بالإنقلاب عليها عن طريق بِضعة صَناديقٍ مليئة بأوراق، وهي صَاحِبة القوى والنُفوذ والمّال، والمُتحَصّنة بإنعدامِ الضَمير والمروءة.

      أما ما ذكره الشيخ القرضاوى من أنّ الإخوان يتميّزون بالتحول من نظر إلى نظر، ومن رؤية إلى رؤية، فتراهم في بعض الأحيان ينزعون إلى التصوف، ثم إذ هم يَلتَزمون بالسَلَفية أو السُّنية، فلا أدرى والله أهذا مدحُ لهم أم ذمٌّ؟ إذ إنّ هذا التردد بين الأنظار المُختلفة لا يعكس إلا تردداً وحيرةً وقِلّة في العِلم وضَعفاً في الإلتزام. وفرق بين مجتمعٌ يحمل في جنباته آراءاً وأفكاراً منها البدعيّ ومنها السنيّ وبين جماعة تلتزم منهجاً تدعو اليه في مثل هذا المجتمع! وهو الأمر الذي فشلت حركة الإخوان في أن تُدرِكَه، فصارت كمنتدى عَام يدخله كل من يحمل جرثومة دون أن يجد لها عند أهله دواءاً، فالحَركةُ موئلاً للصَحيحِ والمَريضِ على السّواء. والإلتزام بالأمور العَقدية كصفاتِ الله ونبذِ التأويل ليس تشَدداً، بل هو تمسّكٌ بالسنة والقبض عليها، والتراوح بين هذه التأويلات وقبول هذه المتشابهات ليس توسّطاً، بل هو تسيّبٌ وحيرةٌ واضطرابٌ، وكفانا تبديلاً للأسماء وتحريفاً للمفاهيم. بل إن الشيخ القرضاوى نفسه قد حذر في مقال قديمٍ له عن كذبة إبريل من تبديل المفاهيم وتَسْمية الأشياء بغير أسمائها، فقال " كذب الناس على أنفسهم وزيفوا لهم مصطلحات جديدة ، الانحراف يسمونه تطوراً والفساد يسمونه تمدناً والعري يُسمونه تَحرراً وهكذا ، هذا في حياتنا الاجتماعية ، وفي حَياتنا التجارية والاقتصادية ساد الزيف والكذب في حياة الناس"، فما باله لا يَنضبط بها التوجّه في المَجَال العقديّ، والذي هو أولى من غيره من المَجالات بالإنضِباط؟ 

      هدانا الله، وعلماؤنا، لسديد القول وصحيح العمل.