القرار الذى نُسب الى مجمع البحوث الإسلامية بسحب كتاب الدكتور محمد عمارة، ليس في حقيقته إلا رمزاَ، بل مقدمة، لسحب القرآن من الأسواق. ولا ادعى هذا لمجرد الإثارة، بل إن الحقائق تكشف عن هذا التوجه لمن كان له أدنى بصيرة، والإعلان عنها واجب لمن لديه أقل إحساس بالضمير تجاه هذا الدين وبالمسؤلية تجاه هذا الوطن.
إن ما قرره الدكتور عمارة في كتابه، وهو ما نُسب إلى المجمع سحبه، لا يعدو ما قرر القرآن الكريم مثقال ذرة، ما يجعلنا نتساءل: هل أصبحت أوليّات هذه العقيدة محل مساومة وسياسة؟ هل أصبحت مقرراتها الأساسية محل تشكيك ومحاورة؟ هل أصبحت أوليّات هذه العقيدة مما يعتذر عنه المعتذرون، ويتبرأ منه المتبرؤون؟ إرضاءاً لقلة مهما عظم شأنها وامتد نفوذها؟ هذا والله خزى الحياة الدنيا والآخرة على من أمر بهذا القرار، ومن وقع عليه، ومن رضي به وبتمريره.
ونذكّر من إتخذ هذا القرار أن القرآن الكريم يقرر وحدانية الله سبحانه في ألوهيته وربوبيته، وأن من قال بتثليث الإله فقد أشرك في ربوبيته، وأنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنّ من خالف ذلك فقد أشرك به سبحانه.
إن العقيدة النصرانية السائدة في هذا الزمن هي هي التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي هي التي تحدث عنها القرآن فدحض صحتها، وأثبت تحريف كتابها، ولكن إلتزم بأنه "لا إكراه في الدين" بعد أن "تبين الرشد من الغي"، بل وجعل خصوصية لأهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى فأحل طعامهم والزواج من نسائهم، وبرهم والإحسان اليهم. يعرف هذا القدر تلميذ السنة الثانية الإبتدائى في بلادنا، حين كان الإسلام هو دين الدولة التي يحترمه مسؤوليها وقادتها. أما الآن في عهد الخلط والخبط والتحريف والتبديل، يصل الأمر إلى نسبة مثل هذا التحريف والتخريف إلى إصدار هذا القرار باسم مجمع البحوث الإسلامية!
المسلمون ليسوا على إستعداد للإعتذار عن توحيدهم ولبّ عقيدتهم والإعتذار عنها وسحب ما يؤيدها ويوضحها، بل هم ثابتون عليها رغم محاولات المستهترين بها الرازئين لها. القرآن بين ايدينا نحتكم اليه في هذه الجزئية، بل وفي كلّ جزئية من حياتنا العامة والخاصة، ذلك هو مقتضى توحيد الوهيته سبحانه.
ثم، أليس التأذي من بحث الدكتور عمارة – سلمت يداه في هذا البحث - يعنى الخجل ضمنا من العقيدة النصرانية؟ أليس القول بالآلهة الثلاثة شرك بالله الواحد لغة وشرعاً؟
المسيحيون أحرار فيما يعتقدوا، لا نجبرهم على تغييره، لهم في هذه الحياة الدنيا ما لنا وعليهم ما علينا، ما احترموا دين الغالبية وعاشوا بقواعده وتوجيهاته التي تضمن لهم أموالهم وأنفسهم. هذا ما نحن عليه في مصرنا خلال الأربعه عشر قرناً السالفة، ولكن العجب كلّ العجب من صانع القرار الذي يهين الغالبية المتسامحة المتفهمة لحساب الأقلية المتجبرة المتمردة!
لسنا في حرب مع النصارى في مصر ولا في غيرها. لا نريد مشكلات ولا نعمل عليها، ولكن صانع هذا القرار الخائب الوضيع هو الذي يؤجج مشاعر الغالبية المسلمة ويدفع بالأمور إلى هاوية ليست في صالح الأقلية في شيئ.
ونتساءل، هل سحب القرآن الكريم الذي يقرر العقيدة الإسلامية التوحيدية الصحيحة، ويبين ما – ومن – خالفها بأوضح بيان عربيّ، هو الخطوة التالية لمن صنع هذا القرار المشين؟