فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      طبيعة العدوان

      العدوان، أي عدوان كان، سواء على أرضٍ أو عرضٍ أو مالٍ أو حق جيرةٍ أو حق نسبٍ أو رحمٍ، سيئ بطبيعته، تشمئز منه النفوس ويتأذي منه الحسّ، وتحاول النفس أن تنحرف بصاحبه إلى غير حقيقة العدوان ليمكن له، سواء كان فردا أو كياناً أو نظاماً، أن يرفع رأسه بين الناس وأن يظل يحتفظ بشئ من الكرامة وإن كانت بغير حقّ، وإن كان الناس يعرفون أنها ظلّ كرامة مهدرة لا حقيقة لها.

      والحياة مليئة بما يطابق هذا المعنى ويعضده، فأمريكا استباحت الدم العراقيّ والأفغانيّ بلا مروءة أو شرف، بل هو عدوان صرف وتعد على الحق لا مراء فيه، لكنها راحت تبرر هذا العدوان والتعدى بأنه ردّ للعدوان "الغاشم!" الذي شنته عليها "قوى الإرهاب" الإسلاميّ في سبتمبر 11. ونحن لا نقيس بمقياسين ولا نكيل بمكيالين، فإن من وقع عليه عدوان يجب أن يردّ عليه بمثله، ولكن هذا العدوان المزعوم مشكوك في أمره أولا، وفي دوافعه ثانياً، ثم كيف يكون هجوماً مثل هذا مبرر لقتل مئات الآلاف من الأبرياء! ولكن الجريمة البشعة والعدوان المحض يأبي إلا أن يجد مبرراً له ولو كان وهماً بارداً وسخافة رديئة.

      والكيان الصهيونيً، لما أراد أن يبرر الحقد الصهيونيّ وإغتصاب أرض فلسطين، راح يتبجح بحق العودة لليهود إلى أرضهم المقدسة بعد أن طُردوا منها بزعمهم منذ آلاف السنين، بينما أنكر على عرب فلسطين هذا الحق بعد سنوات من نزوحهم من الأرض! القياس بمقياسين والكيل بمكيالين، ولكن الأمر أن الصهاينة، حتى الصهاينة، لم يجدوا مندوحة من زعم أن العدوان ليس بعدوان، بل هو مجرد ردّ حق ضائع منذ آلاف السنين! هي طبيعة العدوان تأبي أن تقدم نفسها في ثوبها المجرد وصدق الله العظيم "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً".

      ثم كيف بالحكام الذين يقبعون على صدور شعوبهم عقوداً متطاولة، بلا مؤهل للحكم ولا قدرة عليه، يستبيحون المال والأنفس والثمرات، بدعوى واحدة، هي أنهم أوصياء على الأمة، يحمون الأمة من نفسها، من أراذلها الذين يقبعون في الظلام يتربصون بها الدوائر! ووالله لا نعلم غيرهم ممن يتربص بهذه الأمة الدوائر، ولكنها طبيعة العدوان أن يقدم نفسه وكأنه صاحب حقٍ منزوع، ووجودٍ مشروع!

      بل وعلى مستوى الأفراد، تجد هذا المعنى متحقق على التمام والكمال، فكم من صديقٍ رفيق أو أخٍ شقيق أو جارِ دارٍ أو زميلِ عملٍ، قد جار على حق صديقه أو رفيقه أو حق رحمه أو جاره، وبرر هذا التعدى بما شاء له مما يراه حسنا في حق نفسه، بأن يدعى إما أنه هو من وقع عليه التعدى، أو أنه ما فعل إلا ما له في فعله حق، وأنه إن ردّ عليه صديقه أو زميله أو شقيقه أو جاره أو ما شئت ممن له به صلة، هذا العدوان فإنه هو المظلوم المهان! ولينظر إحدنا إلى نفسه وإلى من حوله فسيجد مصداق هذا أقرب اليه من حبل الوريد.

      المهم أنك دائما ما تجد مبرراً للتعدى ولإرتكاب الجرائم الإنسانية سواء المادية أو المعنوية فإن هذه هي طبيعة الشرً، والعدوان من الشر، والتعدى على الحقوق أمر ممنوع في الشرائع والعقول، ولكن صاحب العقل والشرع هو الذي له من العين المبصرة والنفس الشفافة والنظر المحقق ما يجعله يرى مصدر الشر والبادئ بالعدوان، فلا يغتر بحديث عن حق العودة للصهاينة أو بدعوى الصليبيين أنهم إنما يدافعون عن بلادهم ضد من إعتدى عليها، أو بتلك القوى الخفية التي يُرعب بها الحكام رعاياهم، وكأنهم إن تولوا أمر أنفسهم بشورى أو ديموقراطية أو ما شئت مما يجعل حق تقرير مصائرهم في أيديهم وبشرع ربهم ، فسوف تقوم تلك القوى بسحق كلّ ما هو غال وثمين في حياتهم! هراء وتزيين للباطل وتحسين للعدوان على الأمة وعلى حقها.

      التعرف على اصل العدوان أمرٌ عزيز دقيق، لذلك فإن من مهام القاضي في الشريعة أن يحدد موضع النزاع أولا ثم من هو صاحب الحق في الدعوى ثانياً، قبل النظر في الدعوى. ودون هذا التحديد والتمييز فإن ما نراه من ضياع الحقوق واستشراء العدوان لن تكون له نهاية أو حدّ يقف عنده. بل يظل الإنسان على تلك العادة الكريهة التي محصلتها تلبيس الحق بالباطل، وتزييف الحق، وتبرير العدوان واستحسانه.

      نقلاً عن صحيفة "المصريون" الالكترونية