الظاهر من أمر السياسة المصرية، وإن كان أمراً لا تزال تفزع فيه آمال الكثير منا إلى الكذب والإنكار، أنّ السيد جمال مبارك هو القائد التالي لشعب مصر إلى ما شاء الله لهذا الشعب من مصير، أدركنا بعضه في الثمانية والعشرين عاما السالفة، وسنصل إلى غايته تحت حكم السيد جمال في القريب العاجل. إذ لستُ ممن يتلاعب به خياله أو تصرفه عن الواقع أمانيه وأحلامه، فهذا الأمر، كما هو ظاهر لذي العينين، في رأيى المتواضع، قدر زاحف على أمتنا بما قدمت أيدينا.
والأمر هنا أنّه في اللحظة التي يتولى فيها السيد جمال منصب الرئاسة تنخلع عليه بقدرة قادر حصانة طوطمية وحماية علوية سحرية تجعل القلم يرتعش في يد حامله إن أراد به نقداً فلا يملك إلا أنْ يلقيه من يده مستعيذا بالله من شر ما كاد أن يقترفّ. وتجعل الفكرة الفاحصة المخلصة، بشأن قوله أو فعله، تضطرب في عقل صاحبها حتى تـُطرد من عقله بلا رجعة. ولكنه الواقع الذي تعيشه الجماهير العربية المسلمة على كلّ أرض عربية مسلمة. ومن ثم، فإنه يجب على اصحاب الأقلام والكتاب من المخلصين، من القلة الذين تبقوا منهم على أرض الكنانة، أن يهتبلوا هذه الفرصة ويغتنموا فترة ما قبل التنصيب (من النُصُبْ!)، ويظهروا ما للسيد جمال من مساوئ أو حسنات فجمال مبارك مواطن من بقية مواطني مصر، ليس من عائلة ملكية، ولا شبه ملكية، بل هو إمرؤ عادي من هذا الشعب لا أكثر ولا أقل. من هذه الناحية فإن الحديث عنه لا يجب أن يجد أحد فيه حرج أوعنت. جمال مبارك، وإن كان من أهل السياسة الذين وصلوا إلى عروشها من أقصر الطرق، يبقي من أهل السياسة الذين يجب أن يكونوا تحت مرقاب الشعب في كافة أحوالهم وأقوالهم، فتصرفاتهم تنعكس مباشرة على مصير الملايين لا على مصير عائلة أو مجموعة من الناس، ومن ثم يجب أن تكون محكومة مراقبة لا تعلو على نقدٍ أو تجريح. أهل السياسة، على وجه الفرض، كتاب مفتوح لكل قارئ يتصفحه ويعلّق علي ما فيه بما شاء وقتما شاء. هكذا يجب أن يكون جمال مبارك إن أراد أن يكون من أهل السياسة.
ولكن، من ناحية أخرى، فإن جمال مبارك هو الإبن المختار لرئيس هذا الشعب، وهذا البعد يلقى بظلاله الثقيلة على صورة جمال مبارك، الإنسان العاديّ العاميّ، أو السياسيّ صاحب الشخصية العامة. جمال مبارك الإبن المختار الذي لم تصعد به قدراته العلمية أو خبرته السياسية الطويلة، بل صعد به نسبُه إلى مكانة لولا هذا النسب لما كان له أن يتطلع إلى القرب منها، بله توليها. وهذه الصورة، وهذا الجانب، يطغى على كلّ جانب آخر حين يريد كاتب أو صاحب قلم أن يتحدث عن جمال مبارك. حرج يمنع أي حديث موضوعيّ عن الرجل وعن إمكانياته الحقيقية التي قد، وقد لا تكون مناسبة لما يهيؤنه له من منصب.
أن يسعى صاحب سلطة في أن يؤهل من ذريته من يصلح أن يتولى من بعده، فليس هذا من قبيل ما لم يتعارف عليه الناس بشكل أو بآخر، في الصورة الملكية المعاصرة التي تملك ولا تحكم، بل ويحدث – من وقت لاخر - في ظل الجمهوريات الديموقراطية ، كما حدث في تزييف نتائج انتخاب بوش الصغير، لكن بشكل عارض طارئ على النظام، وهو ما أدى إلى أن تولى غير كفء فخرب الدنيا بأسرها. لكن هذا الشكل من التوريث في الجمهوريات الدكتاتورية هو ما يمثل خطراً عظيماً لأن هذه النظم أصلا لا ترعى إلا مصالح نخبها ولا تبيع شعوبها إلا كلاماً لا طائل تحته. فلا يمكن أن يكون التوريث فيها إلا استمراراً لفساد قائم وديكتاتورية مهيمنة، كما نرى في مستقبل الإخوة سيف الإسلام القذافيّ وأحمد على عبد الله صالح الذين يسيرون على نهج بشار الأسد.
يجب أن يدرك أصحاب الأقلام أنه لا وقت للخوف، فوقت الخوف قادم سيطول أمده إلى ما شاء الله. عليهم أن ينتهزوا هذه الفرصة، قبل التنصيب، فيبينوا للناس ما يستحق البيان، ويضعوا النقاط على الحروف، قبل فوات الأوان. والكتّاب وأصحاب القلم يفترض فيهم النزاهة والشجاعة والتضحية وحب الحق، والفارق بين الجبن والنفاق الذي يتلبس بخدعة "المصالح" وبين الشجاعة ونصرة الحق والقوة فيه دون تطرف أو مزايدة هو الفارق بين قلم يعيش ويفيد، وبين قلم هزيل يكشف صاحبه. فهم أمناء على فكر ابناء هذه الأمة، إلى حين.
ثم إن الله قادر على أنّ يغير من حالً إلى حال رأفة بهذه الأمة وبمن بقي من صالحيها.