فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      الجرح والتعديل في الواقع الإسلاميّ

      من أهم مكونات الوعيّ الإسلاميّ الصحيح ، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، تشرُب ثقافة الإسلام، والحياة بمعانيه، فكراً وعملا، والرجوع إلى شريعته في الفكر والعمل جميعاً. ومن أهم مظاهر هذا الوعيّ القدرة على تمييز الصحيح من السقيم، والصالح من الطالح، وصحة الحكم على الأمور الثلاثة التي يختلف الناس عليها وينشأ عن سوء تقديرها والخلط في تحقيقها الخلاف والتفرق، وإعلاء الوضيع وتصغير الكبير، وجلب المفسدة، وإضاعة المصلحة، وهذه الأمور الثلاثة تتعلق بتقييم الأفراد والأفكار والأحداث.

      وليس هنا مقام تحقيق هذه الجملة فهي أوسع من أن يحاط بمعانيها في هذه المساحة من الحديث، ولكن الأمر الذي قصدنا اليه هنا هو التنبيه علي أهمية عملية تقييم الأفراد جرحاً أوتعديلاً، أو إن شئت مدحاً أو ذماً، أو تقريظاً أو نقداً، سواء في الحياة اليومية الخاصة للأفراد أو في الحياة العامة للشخصيات المعروفة. وأقول "تقييم الأفراد" لا "الحكم علي الأفراد" كما هو شائع إذ إن "الحكم" يحمل معنى "التنفيذ" كحكم الله ورسوله أو حكم المحكمة، بينما الجرح والتعديل لا يحمل في طياته هذا المعنى التنفيذي.

      وتأتي أهمية عملية تقييم الأفراد جرحاً أوتعديلاً من دلالاتها التي تنشئها، ومن آثارها التي تترتب عليها. فتقييم الأشخاص يدلّ على فهم المقيـّم للشريعة وللواقع ولحقيقة الفرد المقصود ولتوابع هذا التقييم في أمر نفسه وأمر الناس من حوله، خاصة إن كان هذا التقييم يأتي ممن له كلمة مسموعة، أو كان في حق من له موقع سياسيّ أو فكريّ مميـّز في المجتمع. ولا يخفى أثر الخطأ في التقييم في مثل هذه الحالة إذ إن الإسراف في الجرح لمن لا يستحقه يجعل الأمة تخسر خيراً كثيراً بعد أن يسقط من عينها من فيه الخير الكثير، والعكس أصح وأهم، إذ إن الإسراف في التعديل أو المدح في غير محله لا ينشأ عنه إلا تجميل صورة قبيحة، وتحسين مفاسد يحملها الممدوح زوراً في أعين العامة، كبدعة شرعية أو فساد فكريّ أو أخلاقيّ. وقد قلت أن التعديل بغير حق أصح وأهم إذ إن ما يترتب عليه هو جلب المفسدة وتحسين القبيح، بينما تجريح من لا يستحق التجريح، وإن كان خطأً كبيراً، إلا أنه يمنع مصلحة، وهذا، في التقدير الشرعيّ أقل ضرراً من جلب المفسدة المترتبة على إيقاع المدح على من لا يستحق.

      وقبل أن نضرب أمثلة تبيّن ما قصدنا إليه، نود أن نذكّر بأمر قد دلّنا عليه القرآن في هذا الخصوص وهو أنّ مقياس المدح والذمّ يرتبط بأمور عدة، منها خطر المفسدة التي تنشأ من مدحِ ذميمٍ، أو قدر المصلحة التي ستفوت من ذمِّ ممدوحٍ. ومنها قدر الفساد في الممدوح بغير حقّ بالنسبة إلى قدر الخير فيه، وقدر الخير في المذموم بغير حقّ إلى قدر الفساد فيه. ألا ترى أن الله سبحانه، وإن أحصى كلّ شيّ عددا، وقال تعالى: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" الأنبياء، إلا أنه سبحانه، في ساعة الحساب، أخذ بالغالب على الإنسان من خير أو شر، فقال سبحانه: "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشهٍ راضيه وأما من خفت موازينه فأمُّه هاويه"، فأن يكون في المرء خير لا يمنع من أن يكون تقييمه النهائي صفراً أو تحت الصفرِ، وأن تكون أمُّه هاوية، كما لا يمنع عكس ذلك ممن غلب خيره شره. ومن هنا تسقط دعوى من قال أنّ مدْح من غلب فساده على بعض الخير الذي صدر منه يشجعه ويدفعه للأحسن، فهذا وإن صحّ على مستوى الفرد الممدوح، فإنه يتجاهل الفساد الجماعيّ الذي ينتشر ببثّ الثقة فيمن غلب ضَرُّه على نفعه، ومن ثمّ في نشر بدعه أو فساده. ومن الأمثلة على ما نقول في هذه الأيام الحاضرة، نضرب ثلاثة قد تغنى عن غيرها.

      أولها ذلك الموقف الغريب الذي إتخذه كاتبنا المفكر المستشار طارق البشرى من الرافضة ونشر دعوتهم في العالم السنيّ، وهو حدَثٌ أجمع على خطورته كلّ مَنْ له مِنْ علم الشريعة نصيب، ولكنّ المستشار البشرى قلّل من أهمية هذاالحدث، وقلّل من خطر الرافضة غلى العالم السني بأدلة أقل ما يقال فيها الضعف والخلط. وهو الأمر الذي لم يكن فيه على حق، لا شرعاً ولا واقعاً، والنقطة هنا أنّ المستشار البشريّ عالم قانون جليل له مكانته المرموقة وكلمته المسموعة، ولا يأمن أحد أن يغترّ من لا علم بالشريعة بما قال، وأن يُستدل بقوله على التهوين من أمر الرافضة ومن ثمّ ترْك السرطان الرافضيّ ينمو ويتكاثر في الجَسد السنيّ الهزيل، المصاب أصلاً بأدواء تكفي للقضاء عليه.

      فعند التقييم النهائي نجد أنّ ، المستشار البشرى له مواقف وكتابات قدمت الكثير من الخير لأهل هذا الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى فالدعوى التى إدعاها خطيرة تمس هذا الدين في صميمه، فهو من باب تعارض الدليلين أو قريب من ذلك، ولكن الترجيح المتأني يكشف أنّ المستشار البشري ليس من أهل العلم الشرعيّ المتخصصين، وهو لا يشغل منصباً دينياً يموّه به على العامة، وهذا ما يجعل أثر حديثه غير ذى خطورة في الواقع. وظلّ المستشار البشرى ذا قيمة عالية وكلمة مسموعة في مجال الفكر والتأريخ، لا تضره هذه الزلة وإن وجب التنويه بها من أهل العلم.

      والمثال الثاني يأتي مما نشره الأخ الصديق الصحفيّ جمال سلطان في جريدة المصريون عن "شخصية على جمعة" مفتى مصر، والتي أثارت تعجباً واستياءاً عند العديد ممن ينتمى إلى أهل السنة والجماعة من المصريين والمسلمين عامة. ومع أنّ الأستاذ جمال قد ذكر كلمات في مقاله عن أن كلّ منا يخطأ ويصيب، وأنه ليس هناك من ليس له زلات أو معايب، وهو ما يصدق على كلّ من تحدث بحرف أو خطّ كلمة إلا الصادق المصدوق، إلا أنه في المقابل قد ذكر كلمات عن على جمعة لا توحى إلى القارئ إلا بعظمة ورفعة هذه الشخصية التي قال الأستاذ جمال عن أعمال صاحبها "تصب في السجل الأخلاقي للشيخ بما فيها من نبل وأخلاق رفيعة وتسامي على حظوظ النفس"، وقال "أتمنى أن ترزق المؤسسات الدينية الرسمية بمثل تلك الشخصيات الذين لا يعملون "كموظفين" ، وإنما أصحاب رؤية وأصحاب رسالة وأصحاب طموح ، يحرصون على أن يتركوا "بصمتهم" بخير في تاريخ أمتهم"! الأمر أن هذا المفتي الذي نتمني أن يكثر الله من أمثاله قد "كان أول أعماله عند تولى الافتاء تأسيس الاكاديمية الصوفية لتخريج دعاة الصوفية المؤهلين لنشر عقائد وضلالات الفرقة ومبناها بجوار دار الافتاء، ثم نشر الفتاوى العلنية التى لم يجرؤ أحد ممن سبقوه عليها مثل أن الاحتفال بالمولد النبوى سنة ومندوب! وجواز الاستغاثة بالولياء واباحة الربا بل عدم اخراج الزكاة عن أصل المال المودع فى البنك الربوى باعتبار ذلك أداة العمل والتربح مثل السيارة التاكسى، وقبل كل ذلك موقفه من قضية الأمة الأساسية من تحكيم شرع الله" كما جاءني من أحد الأخوة المهتمين بهذا الأمر. هذا إلى جانب ما عرف عنه من سوء اللفظ وسوقية الكلام خاصة عند الغضب. وأمر البدعة يهون إلى جانب حالقة السكوت على تبديل شرع الله، إذ كان عدد من علماء الأمة السابقين من سقط في بؤرة الصوفية متأولاً أو مخطئاً، ولكن، ليس من هؤلاء أحد نعرفه سكت على تبديل الشرع الجنيف ورفعه بالكلية من حياة الناس.

      والأخ الزميل جمال ينتمى إلى أهل السنة قلباً وقالباً، لا شك في هذا، وهو ممن يرفض البدعة ويحارب الفساد، لا شك في هذا، ومن هنا فلا مجال للتردد في تقييمه كواحد من الدعاة في المجال الصحفيّ، إلا أن الأمر هو ذلك التوازن الدقيق بين العمل الدعوى لحساب دين الله الحق مع البعد عن مواطن السلطة أو الخلطة بأهلها، وبين الدعوة ذاتها مع القرب من أهل الخلط والتميّع من أمثال المفتي على جمعة أو سيد الطنطاوى، حتى ولو كان ذلك مع حسن النية وإرادة الخير، وقد رأينا أن النصرة كانت على الدوام لجانب أصحاب السلطة المتربّعين على كُرسيّ من كراسيها، والظاهر أنّ للسلطة القاهرة وهَجُ يحرق كلّ من يقترب منها بغضّ النظر عن نيته كما تحرق النار من يلمسها حسُنت نيته أم ساءت! وعلى جمعة من أعمدة السلطة وأركانها، لا شك في ذلك، يلعبُ على أوتارها، وتُحرك مراكبُه مجاديفَها، لا شكّ في ذلك، والأمر أنّ مثل هذا المديح يطغى على أفعال السوء والبدعة التي حذر منها سلفنا الصالح، ويجعل تلك الكبائر تتوه في خضم أعمال إدارية صغيرة لا يقال عنها إنها "بصمة خير" إلى جانب "لطشات" الشر التي تتركها بقية الأعمال في تاريخ أمتنا، أو أن يقال في صاحبها "كفى بالمرء نبلاً أن تعدّ معايبه"!.

       

      وفي التقييم النهائي، فإن تعديل من يسكت على الحكم بغير ما أنزل الله أمرٌ جللٌ يكاد يُسقط من لا تتداركه رحمة الله تعالى، ويبقى على جمعة أهون وأقل خطراً من أن يُسقط جمال سلطان مرة واحدة، صاحب سوابق الكلمة والدعوة والنية الطيبة بإذن الله تعالى، ,وإن وجب عليه الحذر في هذا المجال، والتراجع عمّا كتب في الرجل إسرافاً منه في المديح، وإغضاءاً عن زلاته المردية،  ويبقى على جمعة صاحب بدعة وعالم سلطان ، وساكت على جُرم الحكم بغير ما أنزل الله إلى أن يتوب الله عليه.


      والمثال الثالث، هو كلمات ربيع المدخليّ في شأن سيد قطب رحمه الله، وتكفيره له وإعتبار أنه أخطر على الأمة من اليهود والنصارى! وربيع المدخليّ أستاذ جامعي في علم الحديث، وهو ليس بعلم من أعلام هذه الأمة، وما أنتجه من بحث أنتج مثله وأكبر منه عديد من اساتذة الجامعات، ولكن سبب وجود اسمه على لوحة الوجود الإسلاميّ هو موقفه هذا من سيد قطب، وهو ليس نداً لسيد، لا في فكره ولا في عطائه ولا في إخلاصه لدعوة الله سبحانه، لا شك في ذلك، وليس هو من أقرانه سناً فيقال أن هذا من قبيل نقد الأقران، بل هو خطل محض من استاذ جامعيّ لا أكثر ولا أقل، استاذ جامعيّ رضي أن يبرر الخروج على شرع الله ويمالئ الحكام ويعينهم على معاصيهم أو على كفر أنظمتهم الحاكمة التي أنشؤوها وحموها بالقوة والقهر. ولكن كان من مفاسد هذا التجريح أن انصاعت طائفة ممن قصر علمهم الشرعيّ إلى أقصى حدود القصور، وتكونت طبقة من الشباب المُضَلَلَ المُضَلِلِ، تقبلُ بالشرع الوضعيّ عملا وواقعاً، وتعطى ولاءها لمن قتل الدعاة إلى الرجوع لحكم الله سبحانه، وتتخذ من الوشاية عليهم قربة إلى الله! وهذا غاية الفساد الذي يمكن أن ينشأ عن خطأ في التقييم. وقد يكون سيد رحمه الله قد خرج عن نطاق فهم أهل السنة في بعض ما خطّ قلمه بشأن الصفات، ولكن قد كاد أن يجمع أهل العلم على أنها زلات قلم أدبيّ، والمدخليّ لم ير ما قدم سيد من دفعات إيمانية عالية لأجيال متوالية، وقاده إرجاؤه العتيد إلى أن يجعل الحكم بغير ما أنزل الله تشريعاً وتقنيناً معصيةٌ في مقام التدخين! وبإعتبار قدر سيد قطب في الساحة الإسلامية وبإعتبار قدر مصيبة تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله تشريعاً وتقنيناً بإتباره معصية لا تنزع الولاء للحاكم، فتقييم المدخليّ لسيد قطب تقييمٌ ظالم جاهل لا يسقط إلا صاحبه.