لا أدرى كيف بدأ، أو إلى متي سيظل،استعمال تلك التسميات العديدة لجماعات إسلامية تدعي اتباعها لمنهج أهل السنة والجماعة، ثم تطلق على أنفسها أسماء مثل "أنصار السنة" أو "السلفيون" أو غير ذلك من تسميات لا سند لها ولا رصيد من تاريخنا!
ومع إدراكنا أن لا مشاحة في التسميات، إلا أن الواقع الممزق والحاضر الذي تبعثرت فيه المعاني وانحرفت فيه المقاصد يملي علينا ان نتمسك بما كان عليه السلف الصالح، ولا أعتقد أن مثل هذه الجماعات تنكر ذلك أو تدعى غيره، والسلف الصالح كانوا يطلقون على أهل القرون الثلاثة الفضلى، ومن جاء على هديهم من بعدهم، أهل السنة والجماعة، تلك هو إختيار السلف، فما بال "السلفيون" يخالفون ذلك إلى إطلاق اسم لا يحمل بعمومه أي دلالة. فالمعتزلة سلفيون، لأنهم يتبعون سلفهم كواصل بن عطاء و والجاحظ وغيرهم من سلفهم، وكذلك الخوارج والمرجئة والرافضة، إذ هم "سلفيون" ولا شك، وهم ليسوا من أهل السنة والجماعة بلا خلاف، فما بال المنتمين إلى منهج أهل السنة والجماعة من سلفنا يتركون إختيار السلف إلى إختيار خلف الخلف؟ أليسوا أولى الناس بأن يتصفوا بما تعرف عليه المسلمون السنة طوال قرون متطاولة؟
ووصف أهل السنة والجماعة، يحمل دلالات عديدة تعجز عن أدائها تلك التسميات المستحدثة. فهو يحمل في طياته معنى إتباع السنة، وهو ما قصدت اليه تسمية "أنصار السنة" ويحمل معنى إلتزام إتباع السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة الفضلى ومن تبعهم، وهو ما يهدف اليه "السلفيون" دون أن يحققوا بتسميتهم إلا شتاتاً من هذا المعنى، ويفتحون به أبواباً للخلط والمرج في المعاني والدلالات لا يكاد ينسد.
ويحمل كذلك هذا الوصف المعبّر معنى إلتزام الجماعة، وهو الأمر الذي أكاد أجزم أنه السبب الرئيسي الذي إنحرف بتلك الجماعات عن أن تنضوى تحت مسمى "أهل السنة والجماعة"، إذ إن كل جماعة من هذه الجماعات قد رفضت بعض ما جاءت به الأخريات أو كله، فكان لزاما عليها أن تسمى نفسها إسماً يحفظ عليها هويتها ويكرس خلافها مع الآخرين، ويعطى المنتمين لها هوية خاصة هي ما يسعون اليه طلباً للتميز وحرصاً على التفرد، وهو خلاف المقصود من الشريعة التي تدعو الى التوحد تحت راية واحدة اختار لها الله سبحانه اسم "المسلمون"، ثم عيّن منها السلف الصالح اسم "أهل السنة والجماعة" تمييزا لها عن تلك الفرق التي انشعبت خارجة عن السنة، حاملة للبدعة. واحتفظت الفئة الناجية بتلك التسمية عبر قرون متطاولة وخلال أحداث متتابعة، لم تغير هويتها ولم تبدل اسمها إلى أن أظلنا عصرنا هذا بما حمل من سخريات تحسبها جِدًّاً، فتغيرت أعراض وجواهر ولم يسلم من ذلك إلا النادر.
وأهل التغيير الصادق والعمل الإسلاميّ الواعد لن يكون لهم اسم إلا ما عبق برائحة السلف وتجارب القرون "أهل السنة والجماعة"، إتباعا للسنة وتوحيداً للصف.