فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      لنكن صرحاء – عن واقعنا الجاهليّ (5)

      ويدخل في عموم مفهوم شمولية الدعوة أن تكون واضحة بينة ذات عمق، فإن السطحية في عرض المفاهيم بدعوى التبسيط لا تنتج إلا عقلا ناقص الفهم والوعي، إذ يجب أن يستحضر المسلم مفهوم التوحيد في كليته وشموله دون إسقاط أي قدر منه حتى يتحقق التوحيد في نفوس الناس خاصة بعد أن إختلط المفهوم بالكثير من الغثاء على مر القرون، من علم كلام، وبدعة إرجاء وغيرهما، فاشتبهت معالمه وتاهت حدوده، وصار المسلم كافراً والكافر مسلماً وعمي الأمر عن السواد الأعظم من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله!

      من هنا وجب على الدعوة والدعاة أن يمحضوا التوحيد وأن يجعلوه لبّ دعوتهم، بأعمق صورة وأوسع تطبيق، فلا يشتبه بغيره ولا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخل فيه ما هم من غيره.

      العمومية:

      ونقصد بعمومية الدعوة أن تشمل كل مناحي الحياة الإنسانية التي يتقلب فيها الناس، وأن تتوجه إلى كلّ أصناف الناس عربيهم وعجميهم، أبيضهم وأسودهم، غنيهم وفقيرهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالدعوة ليست خاصة بطائفة من الناس، كما نرى البعض ممن يطلقون عليه "داعية" يخصص دعوته للأغنياء من الناس، رغن أن القرآن قد وجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن خاصة في قوله تعالى "عبس وتولى".

      كما أنّ الدعوة لم تكن لتحقيق عدل إجتماعيّ فحسب، أو مساواة أو ثراء أو تقدم حضاريّ أو تغلب عسكريّ أو نهضة إقتصادية، بل هي كلّ ذلك على وجه النتيجة لا الغاية، والمسبَبْ لا السبب. لذلك كانت عمومية الدعوة في قلب المبادئ التي يجب على الدعوة الناهضة مراعاتها والإلتزام بمقتضياتها. فإن توجيه الجهد إلى تحقيق نصر عسكريّ على العدو، سواء من الداخل أو الخارج، ليس تحقيقاً للدعوة في عموميتها المطلوبة، والسعيّ وراء الخلافة والحكم ليس تحقيقاً للدعوة في عموميتها المطلوبة، والسعيّ وراء إنشاء البنوك الإسلامية ليس تحقيقاً للدعوة في عموميتها المطلوبة، والدعوة إلى محبة الجار وتشميت العاطس وتقصير الثوب وإطالة اللحية وإعتياد المساجد ليست تحقيقاً للدعوة في عموميتها المطلوبة، وإن كانت كلّها أجزاء لا تتجزأ من الدعوة في عموميتها وشمولها.

      ولا يظنن أحد أننا ندعو الكلّ أن يقوم بالكلّ، أو أننا نقصد إلى إلغاء التخصص في المجال الدعوى، بل إننا نؤمن أشد الإيمان بالتخصص، خاصة في أيامنا هذه التي ضعفت فيها الهمم وقصر فيها الجهد والعقل أن يقوم بمطلوبات الدعوة في عموميتها وإتساع أغراضها، ولكننا نقصد إلى أنه حتى الدعوة المتخصصة لابد لها وأن تحوز على أوليات العمومية، وعلى متطلبات الشمولية، حين تبدأ في التحرك بين الناس، وأن تجعل في هذه المفاهيم مرجعية لا خلاف عليها، ونلحق هذا بمثال يبين الغرض المقصود. فمثلا، إن أراد نفر من الدعاة ممن أعطاهم الله سبحانه وتعالى علماً بالحديث الشريف، أن ينطلقوا بالدعوة من خلال تعليم الحديث وشرحه ومصطلحه، فهذا جهد مبارك، إلا أن هؤلاء النفر يجب أن تكون من لوازم دعوتهم أن يذكروا حضورهم أن الفقه أمر آخر جلل له موقعه من الإسلام، إذ به يعلم المسلم حكم الوقائع الفردية التي يعيشها يوماً بيوم، وأنّ الجهاد أمر مفروض إلى يوم الدين بشروطه وأركانه وحدوده وفي محله، وأنّ التاريخ هو علم قرآنيّ أرشدنا اليه الله سبحانه في ما لا يحصى من الآيات التي توجه النظر إلى تدبر أحوال الأمم السابقة ومعرفة الأحداث والوقائع الماضية، فإهماله إهمال لشق كبير من العلم الإسلاميّ، ..وهكذا في سائر علوم الإسلام وأحكامه عموماً وشمولاً.

      من هنا فإن طرق الدعوة التي يمكن أن يسلكها الدعاة في العمل الإسلاميّ المرتقب يجب أن تكون من العموم والشمول بحيث تغطى الساحة والمساحة الإسلامية وأن لا تتقيد بفريق دون فريق، أو علم دون علم او منحى دون منحى، بل هي، على تخصصها، لا يكاد يغيب عن عيون أفرادها عمومية الدعوة وشمولها لحظة، وإلا غاب عنهم نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاته في الدعوة.