فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      أزمة الإقتصاد العالمي .. وتوابع الجشع

      ليست الأزمة المالية العالمية الحالية أزمة طارئة ظهرت فجأة دون مقدمات، بل إنها أشبه ما تكون بالمرض السرطاني الذي يداخل الجسد، ويسعى مفسداً بين جنباته حتى لا يترك فيه جزء إلا إخترقه، وحين يكتشف المصاب داءه، يكون أوان البرء قد فات ولات حين مناص.

      والجشع هو الباب الذي وَلَجَت منه هذ الأزمة، جشع المرابين على رأس المنظومة المالية الصهيونية العالمية، وجشع المستهلك العادي من العامة. ولنلق نظرة أقرب إلى ما حدث ليكون عِبرة لمن إعتبر. والجشع – لغة – هو أسوأ الحرص، وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك، اللسان ج1ص427، وهو صفة ملازمة للربا إذ إن الربا ، في النظرة التحليلية، هو طمعٌ في مال الآخر دون بذل جهد لتحصيله. وهو مختصر ما حدث في هذه الأزمة المالية الطاحنة.

      كانت بداية الخمسينيات، حين ظهرت بطاقات الإئتمان في الظهور بين طائفة محدودة من رجال الأعمال في الغرب. ولكن ظهورها الحقيقيّ يرجع إلى عقدين من الزمن، في الثمانينيات، حين أصبحت في متناول المستهلك العاديّ ثم في بداية التسعينيات، حين أصبحت في يد كل من له دخل ثابت في الغرب.

      وتزامن مع ذلك، ذلك الفيض الهائل من الإعلانات المتلفزة عن كافة أنواع السلع والبضائع، بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. والحق أن العلاقة بين ظهور البطاقات الإئتمانية وبين هذه الفيض من الإعلانات التي تطرق مسامعهم وتصمّ آذانهم ليل نهار، علاقة سببية متبادلة، أحدهما سبب للآخر ونتيجة عنه في آن واحد. والمدلول هو أنّ البنوك، التي تقرض أصحاب الأعمال، لإنتاج البضائع ولدفع ثمن الدعاية المتلفزة لها، وتأخذ فائدة باهظة على ذلك، مما يرفع ثمن هذه السلع، هي ذات البنوك التي تقرض المستهلك لشراء هذه السلع، عن طريق القروض المباشرة، كما في حالة شراء المنازل، أو عن طريق بطاقات الإئتمان في حالة شراء أي من السلع الإستهلاكية الأخرى، المعمّرة منها وغير المعمّرة، وتأخذ على هذه القروض فوائد مضاعفة، مرة أخرى، والنتيجة أنّ المستهلك يدفع هذه الفوائد الربوية مرتين، مرة عند المنبع، ومرة عند المصدر، ومن ثم ّ يتضاعف عليه الدين أضعافاَ مضاعفة.

      ونضرب مثلا من إحدى الدول الصناعية السبع الكبرى؛ كندا؛ ففي عام 2004، بلغ دخل الأسرة العاملة 65000$ في العام، بينما بلغ مقدار الدين على ذات الأسرة 69000$ في العام، بواقع 103% من إجمالي الدخل الأسريّ، ثم إرتفع الدين في عام 2004 إلى 130% من الدخل السنوي. وفي عام 2008، عام الأزمة بلغ الدين العائليّ 90000$ في العام اي بواقع 145% من إجمالي الدخل الأسريّ، وهو إلى زيادة!

      كيف يمكن أن يستمر مجتمع في الحياة والإستقرار وأفراده مدينون بأكثر من مرة ونصف ما يحصلونه كلّ عام؟! هكذا كان فعل الرأسمالية التي دفعت أبناءها إلى الجشع في تملك ما لا يقدرون علي سداد ثمنه، وأن يعيشوا من وراء إمكانياتهم وفوق قدرتهم الفعلية،، وحسنت لهم شراء هذه السلع دون أن يعقلوا ما وراء ذلك من خطر الدين الحالّ، وما فعلته بهم النظم الربوية التي موّلت هذه الدوافع وتقاضت حقها مرتين، أو كادت، فترى العائلة تنتقل إلى بيت كبير، وتملؤه بالأثاث الحديث، وتركب السيارات الفارهة، وهم لا يمتلكون من هذا المتاع شيئاً، لا شيئ على الإطلاق، كله دين في دين، يدفعونه مرات مضاعفة، حتى تأتي ساعة الحق، ولا يستطيع أحد الوفاء بدينه. ثم أن الله سبحانه أخذهم بما قدّموا، وجازاهم بما فعلوا، وهي سننه الكونية التي لا ينجوا منها مخالف منحرف عن أمر الله.

      وقد قررت السلطات الكندية أن تخفض سعر الفائدة الربوية إلى ما يقرب الصفر (0.25%) في محاولة لتجنب الإنهيار التام للإقتصاد العالمي الربويّ، وهو ما يعنى التخلى عن مبدأ الربا كلية، إلى حين! فسبحان الله العظيم، يعلمون مافيه من فساد، بل يرون فساده رأي العين، ولكنهم كما قال تعالى:"لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون"، هم ومن إغتر بهم من أبناء جلدتنا، والمتحدثين بألسنتنا.

      د.طارق عبد الحليم

      عن جريدة المصريون عدد الاثنين4 مايو 2009

      http://www.almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=63535&Page=1&Part=10