كما أسلفنا، فسنحاول فيما يأتي أن نخطط لعمل إسلاميّ متكامل، يستدرك على أخطاء الماضي ويعمل حساب الحاضر، ويهدف إلى بناء المستقبل. وسنبدأ بوضع معالم هذا العمل و"استراتيجيته"، ثم، إن مكنّا الله سبحانه، نضع تصوراً عملياً لهذا الجهد المبارك بناءاً على معالمه واستراتيجيته. وقبل أن نبدأ بمعالم العمل، نود أن نشير إلى نقطة ذات أهمية قصوى في هذا المضمار، وهي تتعلق بما هو من قبيل التوقيفيات وما يقبل الإجتهادات، ما هو من التأصيل وما هو من التفصيل، في هذا التصور، وهو أمر يجب أن لا يكون عليه خلاف بين من أراد أنْ ينال شرف الإنتساب إلى هذا العمل. ولنبدأ بعون الله تعالى في تناول المعالم.
الشمولية:
الإسلام دين يوجّه الحياة الإنسانية بأسرها في كل ناحية من مناحيها، ويؤسس لكل وجه من أوجهها ما يلائمه من قواعد عامة أو أحكام خاصة تكون بمثابة الحدود التي تعمل من خلالها، ولا تتجاوزها، إجتهادات المجتهدين، حسب الواقع المُعاش. وهذه الشمولية هي ما يجب أن تتفاعل مع أي عمل إسلامي جاد. وذلك بأن يُقَدَم الإسلام ككل شامل دون تجزئة أو تبعيض. وهو المنهح الرباني الذي سارت عليه دعوة الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم على عهد الصحابة والتابعين، وهو ما قامت عليه الفتوح الإسلامية. ذلك أن الإسلام كلّ متكامل متواصل، لا يصلح بعضه دون بعض، وقد نعى الله سبحانه على من يفعل ذلك في قوله "الذين جعلوا القرآن عضين"، وكما ذكر الشاطبيّ في مقدمة الإعتصام من أنّ الإسلام كالجسد لا يسمى الصدر إنسانا أو اليد إنسانا ولكن الجسد ككل هو الإنسان.
والعمل الإسلامي المرتقب يجب أن يُقَدِم الإسلام للناس من خلال "لا إله إلا الله" عنوان التوحيد وصدره، بكل ما تحمل من معانى ربوبية الله وأسمائه وصفاته دون تأويل أو تعطيل، ومن الألوهية والعبادة والتحاكم إلى شرعه وإتباع أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وولايته المطلقة وولاية رسوله والمؤمنين، وما يتبع ذلك من ترك الشرك ظاهره وخفيه، وما قد يؤدى اليه من بدع وكبائر، مع توضيح مناطات محددة لهذا الولاء وهذه النصرة، ولذلك البراء من الطاغوت وأهله. كما يجب أن يقدم للناس الأصول العامة في مسائل الفروع فإن من المتفق عليه أن كلّ قواعد الأحكام الفرعية قد تمّ تنزيلها في مكة تأصيلاً ثم في المدينة تفصيلاً وتفريعاً، كما في أصول الزكاة والجهاد. فهذه الأصول في التوحيد وفي الفروع لا يجوز فيها التأجيل ولا التأويل، ولا يتعلق بها إجتهاد في التطبيق إلا بقدر ما يمكن أن يكون من مسائل المناطات لا الأحكام.
ولنكن في غاية الوضوح في هذه النقطة، فإن أي عمل إسلاميّ لا يلتزم بهذه الشمولية في الدعوة بلا أي تحول عنها أو تجاوز لمركباتها، لن، ونؤكد، لن يكتب له نجاح أو توفيق، ذلك أنّ هذا المنهج في تقديم الإسلام إلى الناس هو منهج ربانيّ يعرف طبيعة الناس وما يؤثر فيهم سلبا وإيجاباً، وواقع الجماعات الإسلامية الحالية شاهد على ذلك.
فجماعة "الإخوان المسلمون" وإن بدأت طريقها أقرب للصحة وأهدى للرشاد، ثم مالت وحادت بعد أن عجزت عن أن تواكب المتغيرات الواقعية دون أن تتنصل من شمولية الدعوة، ورضخت تحت مطارق الواقع للتعايش اولا مع البدع والمعاصى، ثم نظّرت ذلك بأنّه أولا سياسة للإستيعاب، ثم ثانياً أنّه كما أنّ المجتمع واقعا يشمل المبتدع والعاصي في جنباته، فكذلك الجماعة يسعها أن تتسع لمثل هؤلاء! ولكن ما غاب عن "الإخوان" هو ما عبرت عنه القاعدة الأصولية التي فحواها أنّ "ما يسع الفرد، لا يسع الجماعة"، وأن ما قد يباح أو يكره على الفرد، فإنه يكره أو يحرّم على الجماعة، أو كما عبر الشاطبيّ "ما هو مكروه بالجزء فهو محرّم بالكلّ"، و "ما هو مباح بالجزء فهو مكروه أو محرم بالكلّ" الموافقات ج3. وهذا الموقف المتسامح من الإخوان في مواجهة البدعة والمعصية، وإن لم يباركوها، يمكن أن يفهم على مستوى الفرد، على مستوى الدعوة الفردية، ليس على مستوى الدعوة الجماعية، كما هو معروف من أنّ الأمر إن وصل إلى السلطان فلا مجال للتسامح فيه. من هنا فقد أخفقوا في التفرقة بين مايجب أن يكون من معالم التربية الفردية من معاني التسامح والصبر وما هو من قبيل المواقف الأساسية الإعتقادية للجماعة في مقاومة البدعة ونصر السنة، وهو ما ظهر في موقف الجماعة من العديد من القضايا، ولعل آخرها وأهمها موقفهم من الروافض المجوس، بل وموقفهم الرسميّ المشين في الجدل الذي قام مؤخراً بين د. محمد غزلان عضو مكتب الإرشاد، وبين ممولّ الجماعة يوسف ندا، وعجزهم عن تبني السنة والنعي على البدعة.
أما عن حزب التحرير، فأمره أوضح من الإخوان، وإنحرافه عن هذه الشمولية، كحزب أو جماعة، قد بدأ معه منذ النشأة، حيث التزم إبتداءاً بمشروع الخلافة وتطبيق الأحكام وصرف النظر عن شمولية الإسلام، وتغاضى، كجماعة، عن الكثير من الإنحرافات العقائدية، بل شابت فلسفته عقلانية المعتزلة، وتبني تقديم العقل على النقل، والتجسين والتقبيح العقليين، وهو ما جعل الكثير من فتاوى منظريه شاذة في بابها، يعرف ذلك من عَرَفَ الحزب واختلط بأفراده.
ثم إن جماعة التبليغ والدعوة، مثلها مثل حزب التحرير، لن تتخذ الإسلام ككلّ مجالا لدعوتها، وإنما ركزت على توجيه النظر إلى إلتزام العبادات، ثم شابت مبادؤها ما شابها من جراثيم التصوف البدعيّ، فأنّى لهم أن يدعو إلى الإسلام في شموليته عقيدة وعبادة.
أما عن جماعات الجهاد ومن تبنى نهجها في كافة أرجاء العالم الإسلاميّ، فإنهم كانوا أقرب الناس إلى تحقيق الشمولية في الدعوة، وإن تعثروا بعد ذلك في تحقيق صفة الواقعية والعمومية كما سنرى لاحقاً.
أما عن "السلفيون"، فإنهم على طرق مختلفة متباينة، لا تجمعهم "جماعة بالمعنى المعروف" منهم من شملت دعوته ولكنهم في غالب الأمر يتمثلون في دعاة رؤوس يلتف حولهم أتباع ومحبين، مما يجعل الحركة السلفية خليط بين الدعوة الفردية والدعوة الجماعية، وهو أمر واسع يمكن أن يكون موضوع بحث برأسه، ولكن، لغرض هذا المقال، فإن صفة الشمولية في الدعوة تتبع الداعية إن التزمها أو حاد عنها. إلا أنّ الصفة العامة للسلفية قريبة من النهج السديد في نشر السنة ومحاربة البدعة والمعصية، إلا أنه كذلك يغلب على العديد من رؤوسها تجاهل مفهوم الحاكمية وعمومية الولاء.