أثارت "الفتوى" التي أصدرها مفتي مصر بشأن تحريم الإنتماء لحماعه إسلامية ردود أفعال عدد من الجماعات الإسلامية أجمعت على رفضها وإختلفت في التعامل معها. فالإخوان شجبوها ثم لم ما يأتوا بتعليق عليها. والجماعة الإسلامية رفضتها ولكنها إقترحت بديلا إن دلّ على شيئ فإنما يدل على تراجع خطير في الوعي السياسي لهذه الجماعة.
وأود أولا أن أعقّب على الفتوى بأن أقول إن من يصدر عنه مثل هذا الكلام لا يصح أن يتصدى للفتوى بحال من الأحوال، فإن الله سبحانه قال "وتعاونوا على البر والتقوي" وهذا التعاون لا يمكن أن يكون بين الفرد ونفسه بل ينشأ بين جماعة من المسلمين على البر الذي إرتأوه، ومفهوم الأمر بالمعروف يشمل النشاط الفردي وهو عمل الداعية، والنشاط الجماعي وهو عمل الجماعة. وفتوى "المفتي" تعني إلغاء هذه الآيات الحكيمة وشطبها أو – على أقل تقدير – إلغاء الجانب الإجتماعي فيها، وهو إنقاص من دين الله وهدم لجانب من جوانب الفضل العظيمة فيه.
وقد عرفنا من التاريخ أن هذا الشكل من الأمر بالمعروف بتزايد حين يزداد ضعف الدولة وفساد أجهزتها وخبث عمالها، فينهض حينئذ من يقوم يجمع الناس لدرأ هذا النقص والقيام بما قشلت الدوله في القيام يه. ومثال على ذلك حركة خالد الدريوش وصالح بن سلامة الأنصارى في بغداد عشية مقتل الأمين العباسي وعهد تولى المأمون العباسي للخلافة) تاريخ الدولة العباسية للشيخ الخضري ص191) ، وهو صحيح إذا إعتبرنا ظهور الإخوان في أعقاب إنهيار الخلافة، وظهور العديد من الجماعات الإسلامية – بغض النظر عن صحة مناهجها - إبان طغيان عبد الناصر من ناحية وهزيمة 67 من ناحية أخرى.
واللافت للنظر هي تلك الدعوة التي أطلقها الدكتور ناجح إبراهيم رأس الجماعة الإسلامية للدولة المصرية أن "تقنن" عمل هذه الجماعات. وما أريكني قي فهم مقصده هو معني "التقنين" الذي يقصد اليه، أيعني أن تجعلها الدولة "قانونية" بمعنى أنها معترف بها؟ أو أن نقننها بمعنى أن نرنبها وتسنّ لها القوانين التي تحكم حركتها ومن ثم أهدافها ومقاصدها؟ والفارق بين الأمرين عظيم، وكلاهما لا محل له من الإعراب في النظام السياسي القائم حاليا في بلادنا.
فالدولة "لن" تقبل بتقنين الجماعات الإسلامية لأنها - الجماعات الإسلامية – تفشي بطبيعتها الخلل في نظام الدولة وقصوره عن القيام بواجبه، ولو كانت ستسمح بالجماعات الإسلامية لسمحت بإنشاء أحزاب معارضة حقيقية في البلاد، ثم إن أجندة الحكومة تنافي إدخال أي عنصر إسلامي أو بعد إسلاميّ في منظومته، كما صرح كبار مسؤوليها مرات عديدة أن الدولة تتبني الإتجاه العلماني – اللاديني – ولن تسمح بقيام أي إتجاه يغلب ديانة ما حتى لو كانت الإسلام الذي هو دين غالبيتها الساحقة وما ينصّ دستورها على أولويته.
فأن تتقدم الجماعة الإسلامية بمثل هذا المقترح على الدولة لهو تحصيل حاصل لا فائدة منه إلا تسويد صفحات جريدة وإشغال الناس بما لا طائل تحته، وهو نفس الطريق الذي سار عليه الإخوان خلال العقود الماضية من محاولة إستئناس "النظام" و"ترويضه" ولم ينشأ عن هذا الطريق إلا ما عرفنا من حال الإخوان.
الأمر أن الجماعات الإسلامية التي تجتمع على البر والتقوى، لا حاجة بها إلى تقنين من الدولة، بل هي مأذون فيها، بل مأمور بها، على الجملة، والجماعة، في كتاب الله، وما سنّه الله على المسلمين لا حاجة لبشر في إقراره. ولتواجه الجماعات ما شاء الله لها أن تواجه، فهذا هو مصيرها ومصير أبنائها، إن كانوا على صحة قصد وسلامة منهج ووضوح عقيدة، وهو صراع الحق والباطل على مرّ تاريخ الإسلام الحافل.