خرجت رئاسة السلطة المصرية على الناس، عشية قرار إسرائيل وقف إطلاق النار، بصورة جسورة، يتحدث عن خطوط حمراء وسيادة مصرية على أرضها، ورفض وشجب للعدوان والفظاعة الصهيونية ومطالبات بالإنسحاب، وكلّ هذه الكلمات البطولية التي تعجّب منها الكثير. فموقف رئاسة السلطة المصرية كان واضحا وباتاً في الأيام التي استمر فيها العدوان الغاشم على أهل الإسلام في غزة، رفض تام للمساعدة بأي شكل من غذاء ودواء وأطباء إلا ما يحفظ ماء الوجه، إن كان في الوجه بقية ماء! وبمهاجمة للمقاومة الفلسطينية المسلمة وإدعاء أنها المسؤولة عن العدوان على أراضيها! واستنفار العدو الصهيونيّ للقضاء عليها وعدم السماح لها بالبقاء بعد العدوان. هذا هو ملخص موقف السلطة المصرية خلال أيام العدوان. فماذا الذي تغير وتبدل في الساعات الثمانية والأربعين الأخيرة؟
ذهب جلّ من تحدث عن هذا الموقف، بما فيها قناة الجزيرة التي صاغت الخبر ليحمل نفس التحليل، أن الغضب قد بلغ مبلغه في نفس رئيس السلطة المصرية بعد أن تجاهلت إسرائيل والولايات المتحدة دورها ومبادرتها بل وسلطتها على أرضها فيما يتعلق بمعبر رفح، وقامت بتوقيع إتفاقية تلزم مصر بإتخاذ ما تؤمر به لحصار غزة مجدداً، فخرج على الناس بهذه البطولية القومية التي تعبر عن رفض مصر للتهميش والتصغير!
عفوا يا سادة، ولكن هذا، مرة أخرى، تحليل مغلوط يتجاهل حقائق عديدة، منها:
أن الموقف الرسمي للسلطة المصرية معروف ومتفق عليه بين أمريكا ومصر وإسرائيل والتابع محمود عباس، وكلّ منهم له مصلحة في هدم المقاومة الإسلامية في غزة، ولا يمكن تبديل هذا الموقف بهذه البساطة، وهو موقف نابع من مصلحة منظمة السلطة المصرية وإنما هي شكليات وآليات للتنفيذ لا غير. ومن يعتقد أن أية تصرفات معينة في الطريق تنشأ عنها تبديل لهذا الموقف أو تهديد لهذه المصالح، فليراجع نفسه مرات.
وأن السيادة الحقيقية في مصر هي للمنظومة الصهيونية العالمية التي تقود الولايات المتحدة ومن ورائها كافة قوى الرأسمالية العالمية قدر استطاعتها. وقد عبّر الرئيس المصرى عن ذلك حين رفضه لفتح المعابر بأنه ملتزم بالإتفاقات الدولية الخاصة بذلك! رغم أن إسرائيل لم تلتزم بأي إتفاقية دولية من قبل ومن بعد! فالسيادة إذا معروفة مقررة لا يخلّ بها توقيع إتفاقية أو غير ذلك.
وأن السلطة المصرية تعرف أن دورها مهمّش لا وجود له، وأن الأحداث التي تجرى من حولها لا ناقة لها فيها ولا جمل، إذ إنها انسحبت من أرض المعركة منذ كامب ديفيد اللعينة، ولن تسمح الرئاسة المصرية مهما كان الثمن، ولو كان استرداد كرامتها وكرامة شعبها، أن "تُستدرج للقتال" مرة أخرى كما عبر ابو الغيظ – عفوا – أبو الغيط ممثل السلطة المصرية. فتوقيع الإتفاقية ليس سبباً في هذه الغضبة المضرية العنترية.
إذن فما هو سبب هذه الغضبة التي جاء توقيتها ملائماً مع نهاية العدوان مرحلياً؟ السبب هو أن السلطة المصرية قد عرفت، بطريق أو بآخر، أن الوقت قد حان للإنسحاب، لسبب أو لآخر، فقررت أن أوان إصلاح ما أفسده الموقف الخارج عن الشرعية الدولية والإنسانية والإسلامية قد حان، وأن التدابير يجب أن تتخذ لكي تظهر السلطة مرة أخرى وكأنها قومية لها وجود ومرتكزات محددة بعيد عن التبعية والتذلل لليهود والصليبيين. الوقت قد حان لبداية إعادة بناء الظروف المواتية لبرنامج التوريث وأن السلطة المصرية ليست، كما وصفتها قوى المعارضة في مصر وفي العالم أجمع، خائنة لله وللوطن والشعب وللإنسانية جمعاء في منعها المساعدات عن أهل غزة المنكوبين.
الأمر ببساطة هو أن الحرب قد انتهت، مؤقتاً، فلا بأس من الإستئساد بديلا عن الإستشهاد، ليكون للسلطة المصرية "عين" في أن تتحدث مرة أخرى عن التوريث بعد أن أظهرت السيادة والقوة في وجه العدوان، بعد الأوان، وتمرير هذه الأزمة دون أن تضر كثيراً بما يجرى من وراء الكواليس لنقل السلطة إلى الإبن الذى إختفي عن الأنظار مدة العدوان ليمسح عار الموقف الرسميّ في جبة أبيه التي خلُقت وبات من المحتم استبدالها.
هذا هو سبب الغضبة المضرية..هو توريث السلطة المصرية، لا غير ! والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.